“البشير أو الفوضى”…. تكريس للدولة الفاشلة أم تفادي للانهيار

فايز الشيخ السليك

كثيراً ما ينتابني شعور بأننا ” قد قلنا كل شيئ ، ولم يبق لنا ما لم نقله، ولذلك ليس أمامنا سوى العمل، فدخلت في حالة بيات شتوي، وضعفت علاقتي بالكتابة ، وأنا على هذه الحالة خرج مقال الصديق العزيز الدكتور الواثق كمير إلى العلن بعد أن كان ” حواراً داخلياً “و خصني مشكوراً بنسخة منه وكتبت له رأي قبل أن ينشر المقال المثير للجدل، والذي يستحق التقدير مع اختلافي الكبير معه ، وكنت قد ترددت في الخوض في غمار هذه المعركة، على أهميتها، إلا أن تطورات أخرى جاءت وأكدت لي ” غباء افتراضي ” وحسن ظني الذي ليس في مكانه، ومن ضمن ذلك كان مقال الأستاذ مصطفى عبد العزيز البطل ، والذي استفز صمتي.   وبالطبع لا خلاف لي مع ما طرحه صديقي الواثق في السيناريو الأول لأن دوام الحال من المحال؛ فالأمور في كل الدنيا تتغير ، وتتطور، ولا ثابت سوى المتغير نفسه، ومع اتفاقي كذلك مع واثق حول فرضية “تفكك الدولة السودانية” مثلما أورد في السيناريو الثاني ، وهو أمر وارد جداً لأن الدولة الحالية هي دولة هشة لا تعبر عن كل السودانيين في ظل وجود حروبات مستمرة، واحتقان محمول بشحنات عنصرية وجهوية، من هنا وهناك، يظل أمر التفكك أمراً قريباً، وهو ما أعتبره ” حالة تشظي ” وفوضى شاملة، ويغذي هذا السيناريو استمرار سياسات المؤتمر الوطني ورئيسه عمر البشير ، واستمرار حالة التواطؤ المريب من قبل كثيرين من ديموقراطيي ونخب المركز مع أطروحات النظام العنصري المستبد، ومثلما ذهب الجنوب ستذهب هوامش أخرى طوعاً أو كرهاً، ونلمس هذا التواطؤ في الصمت الرهيب حول انتهاكات النظام لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب منظمة في تلك المناطق، مع أن ذات النخب كثيراً ما تخرج في مظاهرات للتضامن مع ضحايا الصراع الاسرئيلي الفلسطيني، لكنها لا تستطيع إدانة اغتصاب النساء في دارفور!.

 ولذلك نحن مطالبون بحوار مع أنفسنا كمعارضين للنظام وسياساته قبل القفز إلى الحوار مع النظام نفسه، وكان يمكن أن تشكل ” وثيقة الفجر الجديد ” طيبة الذكر؛ وعلى علاتها نقطة تحول نحو أفقٍ جديد، إلا أن الوثيقة لا تزال متعثرة الخطى لعوامل ذاتية وموضوعية، وخلاصة الأمر هو أنَّ أمامنا دولة هشة وفاشلة، وقابلة للتشظي ، وهي مثل كرة الرمل، والتي كلما هبت عليها العواصف، أو تدحرجت تفتت، وما يجب فعله هو حوار وطني عميق حول الأزمة، وما قادنا إلى هذا الوضع المأزوم، وهو وضع بالتأكيد نتاج فكر مأزوم، لنظل نتأرجح فوق مقصلة تفكير الأزمة، وأزمة التفكير، فكان انفصال / استقلال الجنوب نتيجة طبيعية ، وهو ليس حدثاً عارضاً بل هو حدث متجذر، ذو صلة بتفكيرنا، ونمطه، وتصوراتنا لأنفسنا ولغيرنا، ونتيجة لما نعانيه من اضطراب في مناهج التفكير، ولذلك كُنا كمنْ يتخبَّط في الظلام، يتقدم خطوةً إلى الأمام، فيتراجع خطواتٍ نحو الوراء، لأنه يسير بلا بوصلة، وبلا هدى.  علينا الاعتراف بأن الدولة السودانية الحالية، دولة فاشلة، وإن كانت دولة ألبسها الاستعمار ثوب الحداثة لتحقيق مصالحه، ولما خرج تركها كما هي، فورثها من بعده من رأى أنها تحقق له مصالحه، وتعبر عن رؤاه، وتصوراته، ثم تحولت إلى دولة مهترئةٍ لأنها عنصرية وقبلية، ولذلك فإن أول ما يجب علينا فعله هو الحوار حول الدولة التي نريد، شكل الحكم الذي يجدي، ولو اضطررنا لتفكيك كل هذا الكيان، ومن ثم إعادة تركيبه، لأن ما بني على خطأ يجب أن يتكسر، لنبني من جديد ما هو صحيح.  إن ” التفكيك ” سيناريو محتمل ، بأيدينا أو بأيدي غيرنا، لكنني اختلف مع صديقي واثق حول تعويله على الجيش السوداني للاسهام في دور محوري في المرحلة المقبلة، مع عدم التقليل من امكانية ذلك ولو على المستوى النظري ؛ لكن وعلى عكس ما يرى واثق فإن الجيش السوداني ظل أداة من أدوات ، نخب المركز المستخدمة في حروبها ضد الهامش، فهو لم يخض حرباً وطنية للتحرر، أو حتى للدفاع عن أراض سودانية، لكنه تورط في نفس الوقت في حروب أهلية وقتال عنيف، وارتكب جرائم كبيرة، في وقت لا يخلو واقعنا عن مفارقة ، حيث لا يزال هناك من يغني ” رجال الجيش يا سعاد حفظوا حدود البلاد، أو الحارس مالنا ودمنا .. جيشنا جيش الهنا”. ، بل هو غناء لتضليل وتزييف الوعي الجمعي ، لأن جيش الهنا هذا لم يحرس إلى الآن حدوداً للبلاد، لكنه ظل يتمتع بقدسية مثيرة للاهتمام، وربما كان الغرض من ذلك الحفاظ عليه كبقرة مقدسة، بغرض إطلاق يدها في حروبات داخلية، دون أن تتعرض لانتقاد، أو أن تقوم بأدوار مشبوهة في عمليات انقلابات عسكرية، وتظل هذه المؤسسة مطية للانقلابيين والمغامرين طوال تاريخ السودان الحديث. . وتستخدمها السلطة الفاشية في عملية قتل الأبرياء بدمٍ بارد، بل لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما تقوم بتحويل الضحايا إلى جناة، باعتبارهم ” خارجين على القانون، وقطاع طرق، وعنصريون.   لقد صار الجيش مؤسسة غير مهنية، بل هي مليشيا عقائدية، بفعل المشروع الحضاري، وهذا لا ينفي وجود أفراد أو ضباط غير راضيين عن هذا الواقع، ولا يقبلون الحوار مع الآخرين ، بل هي فرضية تظل ممكنة التحقق ، وتقوم على احتمالين؛ هما تنامي تيارات ظلت مهمشة داخل هذه المؤسسة ، وأدركت حجم الخطأ وأرادت التصحيح، أو بدعوى البحث لها عن طوق نجاة في حال الطوفان. وفي الحالتين يمكن التحاور مع مثل هذه المجموعات، إلا أن الحقيقة المرة التي يجب أن يعلمها صديقي الواثق هي أن الجيش الحالي ليس هو جيش 1964 ولا جيش 1985. هو جيش ” حلاقة رؤوس الشباب ” بعد ان ترك مهامه الوظيفية .  أما سيناريو ” التسوية السياسية الشاملة” فهو سيناريو يظل مقبولاً على المستوى النظري إلا أنه عصي على المستوى العملي للأسباب التالية .   1- البشير رجل مستبد ، والمستبد أو الطاغية حسب تصنيفات علم النفس هو شخص يستهين بالجميع، ومتعال ومتغطرس ، وغير متسامح، ولا يقبل التنازل، و حين تتزاوج سمة الاستبداد مع العنصرية فإن الأمر يصبح في غاية التعقيد، وليس من اليسر أن يقبل شراكة الآخرين، أو يتنازل عن ” أمجاد ما كان يحلم بها أو عن كرسي قتل بسببه آلاف الناس، ولدينا أمثلة على ذلك مثل هتلر وصدام حسين والعقيد القذافي ، ويكفي أن صدام رفض عروضاً بضمان حياته وحياة أسرته وهبوط آمن بلجوئه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليتم القاء القبض عليه في حفرة، أو مثلما قبض على القذافي في مجاري الصرف الصحي، أو مثلما انتحر هتلر !. 2- البشير مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية ويظن أن السلطة هي التي تحميه من المثول أمام المحكمة في لاهاي ، ولذلك ليس من السهولة أن يقبل مسألة ابتعاده عن السلطة ، وإن أعلن ذلك أكثر من مرة على سبيل ” المناورة “، أو لحظات تداعي حر مع الذات، وابتعاده عن تأثيرات مراكز القوى في تلك اللحظات .  3- هناك مراكز قوى وفساد يحميها البشير وليس من الصعوبة اقتناعها بذهابه ليتركها مكشوفةً تحت ضوء الشمس ومساءلة ” اللئام “.  4- وجود مراكز سياسية تستمد مناصبها، ووجودها من بقاء البشير على دسة الحكم، فهي لا تقبل قسمة الكيكة مع آخرين.  5- وجود مؤسسات أمنية وعسكرية تشعر أن ذهاب البشير يعني ضعف دورها إن لم يكن إعادة هيكلتها وتفكيكها ومساءلتها على جرائم كبيرة ارتكبتها هذه الأجهزة القمعية .   ومع أن “بقاء البشير أو ذهابه ” هو آلية من آليات الوصول إلى سيناريو المساومة الشاملة؛ إلا أن الحوار مع المؤتمر الوطني في حد ذاته يعني اضاعة للوقت، فهو حزب اتسم بنقض المواثيق والعهود، ويكفي أن ننوه إلى أن هذا النظام وطوال تاريخه أبرم أكثر من 40 اتفاقاً مع قوى مختلفة ، لكنه لم يلتزم بمعظمها لأنها كانت بغرض الالتفاف حول القضايا وكسب الوقت والمناورات . فهل نحن في حاجة إلى اتفاق يحمل الرقم 50 مثلاً لنتأكد من عدم جدوى الحوار مع نظام شمولي مستبد .؟!.  وهذا السيناريو حتى ولو نجح فهو يعني إعادة إنتاج الأزمة، من جديد وإفلات كثيرين من العقاب، في جرائم حرب وإبادة، أو حتى جرائم ارتكبت في بيوت الأشباح، أو داخل بيوت الناس أنفسهم ، بالإضافة إلى احتفاظهم بثروات وأموال وممتلكات اكتسبوها من فساد السلطة واستبدادها . وعليه ؛ لا يمكن التأمين على حوار ، أو التركيز على ” هبوط آمن ” إلا إذا ما كان هذا الحوار قد جاء تحت الضغط السياسي والعسكري والشعبي، والإقليمي والدولي، وأفضى إلى خلق معادلة جديدة تكون فيها كفة أصحاب أجندة التغيير هي الأرجح ، لأن مثل هذا الحوار ، إن تم سيكون مع أطراف في داخل النظام تريد تأمين نفسها فقط، أو مع مؤسسات مثل الجيش والأمن، وهو حوار تكون أجندته حول كيفية حفظ البلاد من الانهيار ، وتسليم السلطة إلى آخرين عبر مرحلة انتقالية ، أما غير ذلك فهو أمر غير ذي جدوى. وهذه ليست أمنيات، وليس هناك عاقل يرفض أن تتم عملية سلمية وتسوية سلسة تؤدي إلى مرحلة جديدة مثلما حدث في جنوب أفريقيا، لكن من يمتلك شجاعة ديكليرك؟ أو كاريزما نيلسون مانديلا؟.   ومع صعوبة انجاز مهمة تحقيق سلام شامل وعادل، وفق تحول ديمقراطي حقيقي، يخلص إلى بناء دولة الوطن لا دولة الحزب، والمواطنة لا الاقصاء ، والمساواة لا الاستعلاء، والحرية لا القمع ؛ عبر واحدة من السيناريوهات الثلاث التي ذكرها دكتور واثق ، يبقى في الأفق سيناريو رابع لم يذكره صديقنا الواثق، وهو ” سيناريو الثورة “؛ ويبدو أنه يائس من حدوث هذا السنياريو ، بناءً على حيثيات الراهن ومعادلة ” توازن الضعف” هذي” إلا أن بعض المؤيدين لفكرة واثق في المساومة التاريخية والحوار لعبور مرحلة ” توازن الضعف “، ووصول البلاد إلى حافة الانهيار، أرادوا الترسيخ لاستحالة ذلك، هو تكريس للأمر الواقع، بل وغرس اليأس في نفوس من يحلم بالتغيير، وقد عبر عن ذلك الأستاذ مصطفى عبد العزيز البطل بقوله أن ” الدولة والنظام أصبحا بعد ربع قرن من (التمكين) توأمان سياميان. سقوط النظام يعني ضمنياً سقوط الدولة، بما يستتبعه من تشظٍ وتفسخ وصوملة” وهو كأنه يقول لنا ” البشير أو الفوضى ” وكأن الفوضى لم تغب عنا طوال سنوات حكم البشير، وهي فوضى في كل شيئ ، وتمثلت في غياب دولة القانون، احتطاف الدولة بكل مؤسساتها، سياسات القتل الممنهج، الاغتصاب المنظم، التهجير القسري، تجريف الطبقة الوسطى ونزيف العقول، انفصال الجنوب،استمرار الحرب في الأطراف، الانهيار الاقتصادي نهب ممتلكات الدولة، تدمير كل مشاريع الانتاج !. إلا أن دهشتنا تختفي حين نقرأ قول البطل ” أن السودان العربي الاسلامي النيلي – الرقم الأصعب في معادلة الجغرافيا السياسية والتاريخ المرصود – لن يقبل بأى حال من الأحوال، وتحت أى مسوغ او ذريعة، إعادة انتاج السيناريو الموسيفينوي في السودان ” في إشارة منه إلى تحالف الجبهة الثورية السودانية ، والتي ليس بالضرورة أن تكرر تجربة موسفيني ولا تجربة الجبهة الشعبية في اريتريا ، لكن يمكن أن تتخذ استراتيجية مواجهة جديدة ، وتغيير تكتيكاتها القديمة، وبعد ذلك خلق قاعدة سياسية وجماهيرية في قلب المركز، وبرغم أن البطل قال ” لن يسمح” وهو بالتالي يريد جعل أمر السلطة والثروة حكراً على ذات النخب وسلالة مثلث حمدي، ورؤيتهم بأن كل حركة أو تغيير لا يأتيان من أفكارهم، هو تغيير ذو طابع عنصري ، وليظل أبناء تلك الجهات ممثلين فى السلطة ترميزاً تضليلياً يوضعون” ديكورات” خلف خشبة المسرح، و” إكسسوارات لتزيين الممثلين، وإذا حاول البعض الوصول إلى السلطة عن طريق انقلاب أو ثورة فهي عندهم محاولة ” عنصرية”، مثلما وصموا بذلك، الأب فليب عباس غبوش من جبال النوبة، أو المقدم حسن حسين وهو من أبناء كردفان فى عام 1975، أو الطيارون والعسكريون الذين رفضوا تنفيذ أوامر قيادة الجيش فى مارس 2004 بضرب المواقع المدنية فى دارفور بواسطة الطيران. أو حتى ما سمي بمحاولة المؤتمر الشعبي وحركة العدل والمساواة في عام 2004، بقيادة الدكتور الحاج آدم يوسف، وللمفارقة يعود ذات الشخص من مهربه، بعد سنوات ، ويتولى منصب نائب الرئيس.!.   إنني أتفق مع وصف الكثيرين للراهن بأنه ” توازن ضعف لأن معظم القوى السياسية التقليدية لا تريد التغيير، وكذلك النظام الميت سريرياً ، لأن التغيير هو ثورة شاملة، تشمل كل البنى التحتية والفوقية في المجتمع، وتشمل انقلاب المفاهيم، والرؤى، وهو ما لا يمكن حصوله بواسطة هذه القوى، وقد جربناها حكماً ففشلت، ومعارضةً فعجزت، وأي تغيير شامل سوف يهز قواعد هذه القوى، ويعرضها لزلزال ثورة عاصفة. أنا مع السنياريو الرابع . وهو ” اسقاط النظام “، لأن التاريخ علمنا أن كل شعب يتعرض لقهر ممنهج .سوف يخضع لفترات لهذا القمع، ثم يشعر بالاضطهاد ، وسوف يتململ ثم يتنتفض ويتمرد ويثور ، وإلا ما سقطت أعتى ديكتاتاوريات الماضي والحاضر ، والكرة الآن في ملعب الشعوب السودانية لا ملعب المشير عمر البشير .   faizalsilaik@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.