طريق آخر للتعليم في السودان القادم

الجميع يتفقون علي اننا  نحتاج الي ثورة حقيقية في السودان تستهدف إعادة صياغة اهداف التعليم وبالتالي وسائل تحقيقه….. وتبدو الحقيقة ماثلة اليوم بوضوح هي ان الاستعمار قد ترك لنا موروث  برغم  تفاخرنا به لم يحقق لنا أهدافنا الوطنية المعلنة في كافة المراحل السياسية التي مرّ بها السودان علي إختلافها ولم يسهم بأي شكل في بلورة مستقبل أفضل للسودان علي الرغم من محاولاتنا الدائمة لتطويره وأقلمته – تجربة التعريب مثلا والاسلمة في عهد الانقاذ.
وقد قسم القائمين التعليم الي فني ونظري مما أرهق العائلة السودانية – الخلية الاساسية في المجتمع – عملياً ونفسًيا في الاختيار بين ما هو وجيه ولائق لأبنائها ، وما هو اكثر دخلا وطلباً في سوق العمالة …وهو إختيار بغض النظر عن الأوجه الاخري التي يمثلها غير اخلاقي البتة اذ لا يراعي في كثير من الاحيان رغبة طالب العلم ولا إمكانياته الحقيقية…بل وساهم في إعاقة السودانيين عموماً عن الأخذ بزمام امورهم والاستفادة من نصيبهم في الارث التنموي الانساني (النهضة) …إذ أصبح  الخبراء الاجانب يقودون حتي مفاوضاتنا السياسية ويتغلغلون في كافة أوجه حياتنا دون حياء والنظام التعليمي نفسه اصبح مسخاً مخيفاً هرماً متأكلا  يهرب منه السودانيين الي المدارس الخاصة ويفضلون الجامعات الاجنبية عن القومية البعيدة عن ثقافتنا وامزجتنا وقد آن الاوان لنجزم وبدون تردد استحالة تطوير هذا النظام  بل وحتمية تغييره تماما بقرار شجاع  مستغلين التغييرات السياسية التي اصبحت قاب قوسين أو أدني والتي سوف تؤدي الي زوال النظام القاهر الحالي حيث اننا اصبحنا  متأخرين لدرجة يبدو فيها الواقع الاليم حولنا خلاصته هي أن  ” لا تعليم في السودان “.
أغلبنا يعتقد أن التعليم هو الوسيلة التي تضمن العمل والحياة الكريمة بالتالي فقط ، لكننا كدولة نحتاج أيضا ان نجمع سياسياً بين احتياجنا لمهارات عملية ومكافحة الفقر ودعم التنمية عبر تسخير العلم والخبرات للإستفادة من ثرواتنا من جانب ….ومن جانب اخر يجب ان  يؤكد التعليم مصالحنا الوطنية في الاطار المحلي والقومي والاقليمي … فلا يمكن ان نتقبل مثلا ان مدارسنا تقبع بها فلذات اكبادنا طاقات حبيسة لعمر 18 – 20 سنة حيث يتخرجون ليواجهوا الحياة وهم لا يملكون مهارات تمكنهم من كفالة اهاليهم او إعانة أنفسهم حتي  ….كما  كيف نتقبل ان مكاتب الحكومة تنتزع أجيال من ابناء المزارعين والرعاة  بعيداً عن مناطقهم واقاليمهم وتستبدل ثرواتهم الطبيعية ومهاراتهم المتوارثة بالراتب المحدودة والورقة والقلم وكذا توجه مزاجهم الانتاجي نحو هوي الاقتصاد الاستهلاكي ذلك بالاضافة ان الابداع المتواصل المفترض من مراقبة العمليات الانتاجية في مناطقهم  تتعطل لسنين اخري عديدة ثم نعود لندخل سوق العمل ونحن لا ندرك عنه شيئا ونحتاج سنين اكثر حتي نكتسب الخبرة ونصير قوي منتجة.
ان مرحلة انتقالية تنتهي بإلغاء كل المراحل التعليمية ما عدا التي تدرس القراءة والكتابة للصف الثامن ثم مرحلة دائمة من التعليم اثناء العمل هو المطلوب..أي ان يستمر التعليم بالمدارس لمدة 8 سنوات فقط … ثم العمل براتب متصاعد بزيادة الخبرات  والمهارات…فالمدارس حقيقةً وعموما لا تعلم سوي الكتابة والقراءة ،لكن ما يعين علي كسب العيش والحياة الكريمة من مهارات وخبرات فنية تقنية ونظرية لا يكتسب الا اثناء اداء العمل….ومن ثم …فان التحصيل المعرفي اثناء العمل والتطور من خلال التدريب المتواصل اثناءه ومراكمة الخبرات والاستقلال المادي المبكر نحو تحقيق المطامح الشخصية والمقدرة علي تنفيذ اهداف الخطط التنموية المحلية والقومية أي الاكتفاء المطلوب علي المستوي الفرد والمجتمعي لابد ان يكون المحور الذي يدور حوله التعليم ذلك التعليم الذي يمكنه ان يحقق لنا جميع ما نصبو اليه.
مثالاً علي تحقيق ذلك ان يعمل فتانا أو فتاتنا بعد المدرسة بعد ان أتقانا مهارة القراءة والكتابة كعاملي نظافة متخصصين تحت التدريب براتب في عمر مبكر في المجال الصحي بالمستشفي ويواصلان تدريبهما – ان أرادا – أو يبقيا ان أبديا اهتماما كما قد تجبر الظروف او الرغبة الشخصية الفرد ان يترك مسألة الارتقاء في سلّم العلّم ويعود اليه في اي مرحلة هو فيها ما دام راضيا بمرتبه وبالكفاءة والخبرة التي حصل عليها وتحت ميزانية المستشفي بوظائف دائمة بعد انتهاء فترة التدريب الاولي من “التدريب اثناء عمله” أو يرتقيا من بعد الي مساعد ممرض ثم ممرض ثم مساعد طبيب ثم طبيب ثم اخصائي…. أو يتدربا في اتجاه الادارة في المراسلات” مراسلة”  ثم موظف صغير في مجال الحسابات مثلا ليواصل في ادارته متخصصاً في الادارة المالية في المجال المحدد كإدارة مستشفيات او وزارة الصحة ويرتفع راتبه حسب ارتفاع كفاءته من ما يجمع من شهادات من التدريب والدراسة اثناء الوظيفة وخبرات الاداء والعمل …..وهكذا في كل المجالات الاخري…. فالرعاة لا يجب ان يفارقوا سهولهم لكن عليهم بعد 8 سنوات المدرسة ان ينضموا الي مراكز تدريب وتأهيل الرعي وتغذية وتسمين الماشية بصور مقننة والتخصص تصاعديا في علم من العلوم المتعلقة بالرعي ومجالاته المختلفة من الطب البيطري وصناعات الجلود والأسمدة وحتي ادارة الشركات الضخمة والاستيراد والتصدير المتخصص في انتاجهم…وتزداد بالطبع قيمة الفرد بزدياد خبراته التي تنمو يوميا ومبكرا ولسنين طويلة ويصبح الفرد السوداني مع الزمن رصيدًا قومياً بل عالمياً.
فبالاضافة الي ان ميزانية التعليم سوف تنخفض اذ سوف يتحمل جزءاً كبيراً  منها الشركات والمؤسسات والمجتمعات المحلية التي تحتاج الي مثل هذه الطاقات المتواصلة وتتغذي بها ، وسوف تقوم بتدريبها وصيغتها والاستفادة منهم بكل ترحاب ، حيث سوف يتربون علي مناهجها متعودين ومتاقلمين علي بيئتها وسياساتها منذ نعومة أظافرهم ..بالاضافة الي كل ذلك سوف يتم تركيز عمل وزارة التربية والتعليم علي ضبط جودة نوعية التعليم والتدريب  – الرقابة – واجراء البحوث والاحصائيات في في المجال ومدّ المجتمع بأفضل واحدث وسائل التعلم والتربية لتواكب النهضة العالمية وانا علي ثقة ان السودانيين يملكون ما يعطونه للعالم ويشاركون به الانسانية في مسيرتها نحو سعادة البشر.
لإستيعاب مثل هذا التغيير الجذري والعميق – الثوري الوطني – يجب ان نستعد لمواجهة أنفسنا بشجاعة ونلتفت الي الوراء لنحسب بدقة ماذا إستفدنا من التعليم بطريقته الحالية وماذا خسرنا ثم نفتح باباً واسع للنقاش لن توفره الدولة التي تحكمنا اليوم لكن ربما توفره لنا اجواء الحرية التي نتمتع بها اليوم خارج الوطن. يجب ان نتسأل كم من رفاق لنا تركوا التعليم لا يعرفون سوي الكتابة والقراءة واجبروا علي تقبل شظف العيش وكم من الذين نجحوا وأثروا وهم بعيدين أساساً عن التعليم  وعطاياه وانما اكتسبوا مهاراتهم في “سوق الله أكبر ” إذا تسألنا بصدق سوف نجد الحل بين ايدينا بلاشك.

د.ابراهيم مخير
لندن 9 فبراير 2013
imukhayer@ymail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.