العلمانية بين دجل الحركة الإسلامية و حراك الجبهة الثورية

يوسف عمر بشير – نيويورك

 نشأت فكرة العلمانية فى أوروبا فى العصور الوسطى لمحاربة سلطة الكنيسة السافرة التي كانت تتدخل في جميع مفاصل الدولة والحياة العامة والأفكار والمعتقدات في ذلك الوقت. فكانت تستخدم الدين شعاراً في الحروبات الصليبية ودعايةً لدعم الاستبداد و صكوكاً لمنح الغفران مقابل المال. فكانت أوروبا ظلاماً تعيش في مستنقع الطائفية والبابوية وتنعدم فيها المؤسسية والديمقراطية ويغيب عنها حكم القانون والشفافية. ويُمارس في الدولة كل أنواع الفساد والقمع بإسم الدين لمحاربة الأفكار التحررية والليبرالية التي تُنادي برفع الظلم و القهر. واعتبرت الكنيسة ظهور أفكار العلمانية و الدولة الليبرالية من أكبر المهددات التي تنذر بزوال ملكها وإضمحلال سلطتها وسحب صلاحياتها. ولذلك شرعت الكنيسة في مواجهتها بسلاح الالحاد والتكفير ومحاربتها بإثارة المشاعر الدينيّة والعواطف المدغدغة بالشعارات لدي غالبية الشعوب التي كانت تؤمن بالديانة المسيحية في ذلك الوقت بسبب غياب الوعي و ضحالة الفكر و تفشي الجهل.
 وصارت كلمة العلمانية مرادفة للكفر والإلحاد فى العقل الجمعي الأوروبي ولا يقبل فيها الحوار اوالنقاش حتى من قبل المثقفين ومُعظم الادباء والمفكرين باعتبارها ضربُ من المستحيلات كالغُول والعنَقاء، دعك من أن يتبناها الجمهور او عامة الشعب، وظنوا أن الدولة العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة العامة ومنع الناس بقوة من الذهاب إلى الكنيسة او ممارسة شعائرهم الدينية و تخالف تعاليم المسيح عليه السلام حسب ما صورها لهم رجال الدين في أذهانهم كذباً وافتراءاً.
 يعتبر انتصار فكرة العلمانية في أوروبا على المؤسسة الكهنوتية التي كانت تستغل الدين مطية لتحقيق أغراض دنيوية وسلاح لضرب الأفكار التحررية، أكبر نصر للبشرية عامةً والشعوب المُستضعفة بصفة خاصة، منذ نزول رسالة الإسلام وانتصارها على ظلم الجاهلية والنهوض بالبشرية من براثن الجهل والتخلف إلى نور الإسلام والتقدم. وخرجت أوروبا من ظلام الديكتاتورية الي نور الحرية، ومن الشمولية الي التعددية، ومن الحروب الاهلية الي ثورة صناعية ونهضة زراعية. ومن الادعاء بتمثيل الإرادة الإلهية الي الاحتكام للإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع والقبول بمبدا الفصل بين السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
 فأثمرت العلمانية فى اوروبا الحقوق البشرية الأساسية. فاعترفت بحق الحياة، وحق حرية التعبير، وحق حرية العقيدة والاعتقاد، وحق حرية الرأي، وحقوق الملكية الفكرية والشخصية وحق الانتخاب والاعتراف بالتنوع العرقي والثقافي والديني. وعادت الكنيسة الي رشدها ودورها المنوط بها في نشر مبادئ الدين التي تعتبر طاقة إيمانية و روحانية في حياة الأفراد وتمنحهم مبادئ الأخلاق والقيم الإنسانية و الاخلاص في العمل. وأصبحت الديانات الأخري أيضاً لها موطئ قدم في الغرب. فانتشرت الديانة الإسلامية واليهودية وغيرها فكلُ يدعوا إلى نشر ديانته بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالمنطق السليم، فتري المسجد يُشّيد بجوار الكنيسة ويؤدي المسلمون شعائرهم الدينية في حرية كاملة وتحت حماية القانون والدستور العلماني الغربي و يتمتعون بجميع الحقوق مثلهم مثل غيرهم من السكان الأصليين و أصحاب الديانات الأخرى. فالعلمانية في الغرب بصفة عامة لم تكن ضد الأديان كما يظن بعض الناس من قبل. بل جاءت لحماية الأديان من المتاجرين باسم الدين كذباً والمدعين بتمثيل الإرادة الإلهية زوراً، وإعادة الدين إلى قدسيته وجماله والاعتماد عليه تربوياً وأخلاقياً.
 إذا نظرنا إلى العالم الإسلامي اليوم بصفة عامة ومجتمعنا السوداني بصفة خاصة نجده مصاب بنفس الأعراض بل وجل كل تلك الأمراض. فنرى علماء الدين وجماعة الاسلام السياسي يقومون بإستنساخ ذات تجربة الكنيسة الأوروبية فى عصورها الوسطى وبذات المسلك المظلم والمسار المخالف لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والولوج بالشعوب إلى مستنقع الطغيان والاستبداد ومنح صكوك الغفران والقمع باسم الدين، وتفصيل الأحكام الشرعية على مقاس الحكام، وتضليل الشعوب، ومحاربة الأفكار والأطروحات التي تدعوا الي الحرية والديمقراطية و العدالة بسلاح الكفر والإلحاد عبر فتاوي علماء السلطان كما يحدث الان مع دكتور الكودة والجبهة الثورية وموقعي الفجر الجديد في مقابل ثمن بخس من عرض الدنيا الفانية متناسين قول الله سبحانه وتعالي ((وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً)) وكذلك امتناعهم عن تقديم النصح للحكام اوالأمر بالمعروف حتى ولو باضعف الإيمان. فصارت الدنيا عندهم هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، ويخافون من السلطان أكثر من خشيتهم من الله، غافلين عن قول الرسول (ص) ((من خاف الله خافه كل شئ، ومن لم يخف الله اخافه من كل شئ)).
 مفهوم العلمانية او الدولة المدنية الحديثة في المجتمع المسلم لا يعني فصل الدين عن الحياة العامة او التخلي عن مبادئ الدين الإسلامي الحنيف. فلعلمانية ليست قانوناً ثابتاً وإنما نظرية نسبية تتغير على حسب تغير الزمان والمكان، وتلعب المعطيات الدينية والثقافية والمجتمعية دوراً كبيراً في تحديد نوعية وماهية العلمانية في كل دولة أو مجتمع. فالعلمانية مثلا في الغرب المسيحي تختلف عن العلمانية في المجتمع الإسرائيلي اليهودي. وكذلك تختلف عنها في المجتمع المسلم المحافظ والمتمسك بمبادئ الدين الحنيف ودونك تجربة حزب العدالة و التنمية الإسلامي في تركيا الذي استطاع أن يجمع بين أساليب الحداثة وقيم الأصالة دون استغلال الدين في السياسة او في البرامج الانتخابية. لقد استطاع حزب العدالة والتنمية النهوض بتركيا من دولة فاشلة وفقيرة إلى مصاف الدول الأوروبية اقتصادياً واجتماعياً
 فالعلمانية لا تعني الإلحاد وإنما هي مجرد أفكار تدعوا إلى الحرية والديمقراطية وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية، و احترام حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، وعودة حكم الشعب للشعب. وتنطلق أفكار العلمانية في كل مجتمع من قيم أخلاقية موروثة ونابعة من ذات المجتمع عبر إسهامات فكرية وثقافية ودينية متعددة مصدرها الشعب، وتقوم بتأسيس أجهزة سياسية وقانونية وتشريعية وتنفيذية خارجة عن نطاق تأثير النزعة الفردية او الدينية او المذهبية او الإثنية والهدف منها هو منع استخدام الدين وآيات الله و الذكر الحكيم في تحقيق أهداف شخصية ومكاسب سياسية والذي يتنافى مع مبدأ التعددية السياسية والتنافس الحر ويحيل الدين إلى موضوع خلافي وجدلي تبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة كما يحدث الآن في السودان، فيُطلق على المشير الهارب من العدالة الجنائية لقب خادم القران وأمير المؤمنين. والجنرال بكري حسن صالح يسمى أمير الحركة الإسلامية وربما يتولى غداً اللواء عبدالرحيم محمد حسين رئاسة الحركة الاسلامية في السودان ولا ندري هل هي حركة إسلامية ام هي حركة عسكرية, وفي الحقيقة هي مجرد حركة براغماتية هدفها تدمير الإسلام وتفتيت البلاد وقتل الانفس البريئة والمتاجرة حتى بالموتى وهم بين يد عزيز مقتدر، والله عز وجل يقول في كتابه العزيز ((ومن الناسِ من يُعجبك قَولَهُ في الحياةِ الدُنيا ويُشهد الله عَلى ما في قلبِه وهو أّشدُ الخِصام(204 )وإذا تِولى سعى في الارضِ ليُفسدَ فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يُحب الفساد(205) وإذا قِيلَ لَهُ إتّقِ الله أخذتهُ العِزةَ بالإثِم فحَسبهُ جَهنمَ ولبِئس المِهادَ(206) )) ولا خروج من هذا النفق المظلم إلا بالعودة إلى فجر جديد تتفاعل فيه القوى السياسية بكل مساراتها و القوى الثورية بمختلف مكوناتها ومنظمات المجتمع المدني بكل تياراتها في ملحمة بطولية ولوحة وطنية لصنع ثورة سودانية دون الالتفات الى المرجفين والمتواطئين مع النظام والذين يحاولون شق وحدة المعارضة بشقيها المدني والمسلح وذلك بزرع الشكوك وايغار الصدور في كل منهما علي الاخر لاطالة عمر النظام.
 فعلى المعارضة المسلحة أن تثق في المعارضة المدنية و تلتحم معها بكل السبل حتى وان ارادت هي الاخري ظناً الاستحواذ على السلطة لوحدها بعد إسقاط النظام بانتفاضة شعبية سلمية عبر قواعدها واعادة تجارب الماضي. فهذا الخيار وان كان مستبعداً الحدوث في الوقت الحالي فهو افضل للجبهة الثورية بالف مرة من خيار بقاء هذا النظام السيء الذكر الذي لا يشبه أهل السودان. وكذلك علي المعارضة المدنية عليها أن تتعقل و تثق في الجبهة الثورية وتدعمها مادياً ومعنوياً وجماهيرياً واعلامياً حتى و ربما ان أرادت هي الأخري الاستفراد بالسلطة او فرض وصايا عليها عبر السلاح. فوصول الجبهة الثورية الى السلطة منفردة افضل خياراً للمعارضة المدنية بمائة ألف مرة مقارنةً مع هذا النظام الذي فرّط في وحدة البلاد وحوّل السودان من سلة غذاء العالم الى سلة تستقبل نفايات العالم، وبعد إن كان من اكثر الدول المنتجة للصادرات الزراعية والحيوانية أصبح من أكثر الدول تصديراً للاجئين والنازحين في العالم. وبعد إن كان من اكبر الدول إنتاجاً لكل أنواع المواد الغذائية، صار السودان  تحت حكم البشير ينتج ويصدر كل أنواع الإرهاب والتطرف والغلو الذي لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، ورغم ان هذا الاحتمال غير وارد و يعد من باب المستحيلات في ظل وجود مجتمع دولي مراقب ومحكمة جنائية مترصدة بمنتهكي حقوق الإنسان و قوات نظامية سودانية متعددة والتعدد الاثني والجهوي الذي يمكن ان يتحول الى قوة مضادة اذا شعرت بالظلم او التهميش. و دونها جموع الشعب السوداني الذي لايمكن الاستهوان به فهو الفيصل و صاحب القرار في   نهاية الامر.
  تجدني في ختام هذا المقال استدعي مقولة الإمام محمد عبده رحمه الله حينما ذهب الى مؤتمر باريس سنة 1881. ولما إنقضى المؤتمر وعاد الى بلاده قال ” ذهبت الى الغرب فوجدت إسلاماً ولم اجد مسلمين، وعدت الى الشرق فوجدت مسلمين ولم اجد إسلاماً.
 الإسلام الذي يقصده الإمام محمد عبده هنا هو العدل والحرية والمساواة واحترام القانون والنظام، وطهارة اليد واللسان من المال العام واعراض الناس. فهذه المبادئ هي من جوهر مبادئ الإسلام، والرسول (ص) يقول (( ما بُعثت إلّا لأُتمم مكارم الأخلاق )) وأيضاً يقول (( إنما أُهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)). الا رحم الله الإمام محمد عبده رحمةً واسعة، فقد كان إماماً صادقاً, وزعيماً وطنياً, ومفكراً إسلاميًا, ومقاوماً ثورياً, لا يخاف في الله لومةَ لائم. فهو ليس مثل زعماء اليوم الذين نطلق عليهم ألقاب إمام وشيخ ومولانا وهم في الحقيقة سبب الداء وأُس البَلاء الذي نحن فيه.

yousifbashir@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.