السُّودَان: عُلَمَاءُ التَّكْفِير! …

بقلم/ كمال الجزولي

ليت “هيئة علماء المسلمين” السُّودانيين انتفضت لنشر تقرير المراجع العام عن  التَّجاوزات الماليَّة الصَّادمة في ديوان الزكاة (!) كصرف حوافز “العاملين عليها” من بند “الفقراء والمساكين” (الإنتباهة؛ 3 يناير 2013م)، وذلك بمثل ما انتفضت لانضمام عضوها يوسف الكودة، رئيس حزب الوسط الإسلامي، في 31 يناير 2013م، إلى قائمة القوى السِّياسيَّة الموقعة بكمبالا، في 30 ديسمبر 2012م، على وثيقة “الفجر الجَّديد” مع قوى المعارضة المسلحة، ونقده القاسي للحزب الحاكم، متهماً إيَّاه بتخريب الدِّين والدُّنيا، فأصدرت، في إثر ذلك، مباشرة، فتواها بخروج الموقعين أجمعهم، وضمنهم الكودة، “من الملة والدِّين!” (سونا؛ 1 فبراير 2013م).  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
ورغم أنها تراجعت، بعد يومين من ذلك، معتبرة بيانها محض رأي عائم لا يتعلق بشخص معيَّن (سونا؛ 3 فبراير 2013م)، دون أن تفصح عن سرِّ التزامن العجيب بين التوقيع في 31 يناير والفتوى في 1 فبراير (!) إلا أن الكودة، ربما لعدم اقتناعه بما ذُكر، أو ربما لعلمه بأساليب عمل “الهيئة” من داخلها، أعلن استقالته منها، في القاهرة، التي كان وردها بعد كمبالا، واصفاً إيَّاها بأنها “تفتي لصالح السُّلطان!” (وكالات، 9 فبراير 2013م)، وذلك بعد أيَّام قلائل من إطلالة أمينها العام، البروفيسور محمَّد عثمان صالح، عبر شاشة فضائيَّة أم درمان، متوعِّداً، هذه المرَّة، بمحاسبة الكودة “لسفره إلى كمبالا دون إذن!” (5 فبراير 2013م).
الرَّاجح من جملة الملابسات أن التَّكفير قد وقع، ولحق بالمعارضة، من جهة، لقاء تطرُّقها، ضمن وثيقة “الفجر الجَّديد”، لمسألة “الدِّين والدَّولة”، مع أنَّ ذلك النَّصَّ لا يصحُّ، كما قلنا في مقالة سلفت، أن يُقرأ بانفصال عن نصِّ قديم اكتسب مرجعيَّته، في هذا المجال، من الإجماع عليه بين قوى المعارضة، ضمن مقرَّرات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة (يونيو 1995م)، ويحظر تأسيس الأحزاب السّياسيَّة على أسس دينيَّة، ما يعني، عقلاً، “التَّمييز” بين “الدِّين” و”السِّياسة”، علماً بأن أحداً لم يجرؤ، طوال ما يقرب من العشرين سنة الماضية، على تكفير تلك الأطروحة، أو يجرؤ، أصلاً، طوال ما يربو على الأربعة عشر قرناً الماضية، على التَّشكيك في هذا “التَّمييز”، كونه مشمولاً بتوجيه نبويٍّ شريف.   
أما من ناحية أخرى فإن النَّصُّ الذي وقَّعه الكودة، وكفَّرته “الهيئة”، يذهب إلى أبعد من ذلك، بتحفظه، مبدئياً، حسب البند/4 منه، على البتِّ، في الوقت الرَّاهن، بشأن “علاقة الدِّين بالدَّولة”، مرجئاً الأمر ليقرِّر فيه الشَّعب من خلال مؤتمر دستوري واستفتاء، حسب ما أوضح الكودة بنفسه (قناة الحرة؛ 14 فبراير 2013م).
رغم ذلك مضت “الهيئة”، دونما تروٍّ، تسند فتواها إلى قوله تعالى “ومن لم يحكـم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” (سودانايل؛ 1 فبراير 2013م).

(2)
يلزمنا، قبل أن نمضي قدماً في فحص صلاحيَّة ذلك الإسناد، وما إن كان هو مؤدَّى الآية الكريمة، أن نلاحظ أن تلك ليست غير واحدة من آلاف حالات التَّكفير عبر تاريخ الدَّولة العربيَّة الإسلاميَّة، قديماً وحديثاً، فضلاً عن الدَّولة السُّودانيَّة؛ كما وأنها، بالقطع، ليست حالة نادرة تؤدي فيها “الهيئة” هذا الدور الذي يبدو مرسوماً، ضمن تقسيم عمل ما فتئ يتكرر بينها، هي ومثيلاتها، من جهة، وبين السلطة السياسية من جهة أخرى!
فإذا بدأنا بالملاحظة الثانية، فقد اقتصر النِّظام، دائماً، على “كلام السِّياسة”، تاركاً “كلام الدِّين” لهذه “الهيئة” ومثيلاتها، ويمكن التثبُّت من ذلك بمحض مقارنة عجلى بين بياناتها وبين تصريحات الرَّسميين من رموز السُّلطة، سواءً في الحالة الرَّاهنة، أو في حالات سابقة.  
أما أسطع نماذج التَّكفير، حدَّ القتل، فيتبدَّى، قديماً، في مصائر أغلب الخلفاء الرَّاشدين، حيث طال الأمر عمر بن الخطاب عام 23هـ، وعثمان بن عفان عام35هـ، وعلى بن أبي طالب الذي قتله، عام 40 هـ، القارئ الخوارجي عبد الرحمن بن ملجم، كون الخوارج اعتبروا قبوله التحكيم “السِّياسي!” مع معاوية كفراً بواحاً، فطالبوه بالتَّوبة، فلمَّا لم يستجب قتلوه! ومن ذلك، أيضاً، تكفير البخاري، بشهادة ثلاثة ألف عالم، قبل أن يموت منفيَّاً؛ وكذا تكفير ابن حنبل، وسجنه، وتكبيله بالجَّنازير، وإجباره على السَّير على قدميه من طرسوس إلى بغداد، وضربه بالسِّياط تحت وهج الشَّمس، وهو صائم، في أواخر رمضان؛ وتكفير الغزالي وحرق كتبه؛ وتكفير ابن حزم ونفيه إلى أحراش أسبانيا؛ وتكفير السَّهروردي، وسجنه، وقتله خنقاً؛ وتكفير ابن تيمية، وسجنه، وتعذيبه حتَّى الموت؛ وتكفير التبريزى وسلخ جلده حيَّاً؛ وتكفير ابن القيِّم وحرقه؛ وتكفير الحلاج وصلبه.
وأمَّا في التَّاريخ الحديث فقد جرى تكفير أبي ماضي، وجبران، والشَّابي، والحكيم، وسلامة موسى، وطه حسين، ونجيب محفوظ الذي كاد يقتل، ونوال السَّعداوي، ونزار، ودرويش، وأدونيس، وسميح، وإحسان، والغيطاني، والعروي، والجَّابري، والقمني، وسلمان رشدي الذي أهدر الخميني دمه، وفرج فودة الذي اغتيل،  ويوسف إدريس، وفؤاد زكريَّا، وجابر عصفور، وعادل إمام، وخليل عبد الكريم، وعبد الرحمن منيف، وأسامه أنور عكاشة، ونصر حامد ابو زيد الذي صدر حكم بالتَّفريق بينه وزوجته.
وأمَّا في السُّودان فقد كفَّر الأزهريُّون المهدي؛ وكفَّر المهدى الأتراك وسائر من لم يؤمن بدعوته؛ وجرى تكفير التِّجاني وفصله من المعهد العلمي؛ وتكفير محمود محمَّد طه وإعدامه؛ وتكفير جماعة أنصار السُّنة المحمَّديَّة، واستهدافهم بمجازر المساجد أثناء تأديتهم صلواتهم؛ وتكفير واستتابة النيَّل أبو قرون الذي شارك في تكفير وإعدام محمود محمد طه؛ كما جرى تكفير الطيِّب صالح؛ ومحمَّد طه محمَّد احمد؛ والصَّادق المهدي، وأعضاء الحزب الشِّيوعي، والجَّبهة الدِّيموقراطيَّة، وأحزاب ومعتنقي الدِّيموقراطيَّة، والاشتراكيَّة، والموالين للنَّصارى، على حدِّ تعبير إحدى هاتيك الفتاوى؛ وكفَّرت جماعة تدَّعي العلم المرحوم كدودة، وورَّاق، والدَّسيس، وحيدر إبراهيم، وكاتب هذه السُّطور، وأهدرت دمهم مقابل عشرة مليون جنيه للرأس! كما كفَّر التُّرابي علي عثمان؛ ثم ما لبث أن أبرم مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية، في جنيف، عام 2001م، شملت تعبيراً غامضاً عن علاقة الدِّين والدَّولة، مِمَّا جلب عليه تكفير أقوام مختلفين، فقد كفَّرته، مثلاً، “الرَّابطة الشَّرعيَّة للعلماء والدُّعاة”، قائلة إنه “مرتدٌّ يجب أن .. يعلن توبته على الملأ” (أنظر كتابنا “عتود الدَّولة”، دار مدارك 2010م، ص 112 ـ 117).

(3)
الشَّاهد أن “الهيئة”، بتكفيرها للموقِّعين على وثيقة “الفجر الجَّديد”، بمن فيهم الكودة، لم تحقِّق سوى إضافة كمية إلى ممارستها التَّاريخيَّة لهذه “المهنة” التي يبدو أنها لن يكون لديها ما تفعله بأصابعها العشرة؛ فضلاً عن تكرار ذات الحُجج التي بهتت، تماماً، جرَّاء سوء الاستخدام للدِّيباجات الدِّينيَّة، وللنُّصوص المقدَّسة، حتى أضحى هذا الاستخدام بلا طعم، خصوصاً وقد تمزقت أقنعته الزَّائفة عبر مصادر المعرفة الإسـلاميَّة التَّقليديَّة والمعاصرة.
ولهذه الجَّماعات، في السُّودان، تاريخ حافل بالمواقف التي تتلبَّس صحيح الدِّين، على حين لا تخدم، في الحقيقة، سوى مصالح دنيويَّة خاصَّة ترتبط بوشائج لا تنفصم عن مصالح الأنظمة في كلِّ فترة. لقد أصدر، مثلاً، “علماء السودان” بياناً، إبَّان معركتي “ود نوباوي” و”الجَّزيرة أَبَا”، عام 1970م، بين نظام مايو “اليساري”، آنذاك، وبين تحالف الأنصار والأخوان المسلمين وغيرهم، جاء فيه: “إن مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الإسلام التي تقوم على العدل والإحسان ومحاربة الظلم والفساد، لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً، والخــروج عليهـا خـروج علـى أمـر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام!!” (الأيام؛ 3 أبريل 1970م).
وبوجه عام، صار إلى افتضاح جهير حرص هذه الجَّماعات التَّكفيرية على تفادي النُّصوص التي تدحض ادِّعاء الحكم بالحقِّ الإلهي، والتَّشبُّث بالنُّصوص التي تعتقد، خطأ، أنها تدعم ذلك الادِّعاء الغـليظ. فالآية الكريمة التي استندت إليها، مثلاً، فتوى “الهيئة” هـي إحـدى آيـات ثلاث (44، 45، 47 من سورة المائدة)، ما تنفكُّ “الهيئة” تحاول، مع شبيهات لها، بلا طائل، أن تؤسِّس على مظهرها اللفظي العام فهمها السِّياسي الخاطئ لشعار “الحاكميَّة” الخوارجي القـديم: “ومن لم (يحكم) بمـا أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون”. غير أن دهراً قد انقضت مذ تزلزل هذا الفهم في الأذهان بفضل ثقات المفسِّرين، كابن كثير، والنيسابوري، والسيوطي، مِمَّن أجمعوا على تصحيح دلالة مصطلح “الحكم” القرآني باعتبارها “القضاء” لا “السِّياسة”، مثلما أجمعوا، بمنهج مناسبة النُّزول، على أن هذه الآيَّات لا تتَّصل بالسُّلطان، بل بإقامة بعض الحدود، كالقتل في حالة أقوام من اليهود ارتكبوه، ثم أضمروا أن “يتحاكموا” إلى محمَّد (ص)، فإن “حكم” بالدِّيَّة أخذوا قوله، وإن “حكم” بالقصاص لا يسمعون منه؛ وكذلك الزِّنا في حالة اليهود الذين أحلوا تسويد الوجه مع الجَلد محلَّ الرَّجم التَّوراتي، وفى الحالين كانت المآرب الدُّنيويَّة هي محرِّكة الأفعال. ومن ثمَّ، فإن سحب دلالة “الحاكميَّة” إلى حقل “الحكومة” ليس سوى نموذج للتَّمادي في اللجاجة والمماحكة بدافع القفز إلى “الحكم” شهوة وطموحا (خليل عبد الكريم ؛ لتطبيق الشريعة لا للحكم ، ص 15، 16).
لقد علم الرسول (ص) الأمَّة قاعدة “تمييز” دقيقة مشمولة بقوله: “ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به” (رواه مسلم وابن ماجة وابن حنبل). ويقرُّ حتى بعض مفكـري الإسـلام السِّياسي في المنطقة بأن هذا “التَّمييز .. أصبح واحداً من علامات النُّضج والرُّشد لهذه الإنسانيَّة” (د. محمد عمارة؛ الإسلام والسُّلطة الدِّينيَّة، ص 104). وإذن، ما من مسوِّغ نقلي أو عقلي لادِّعاء التَّكفيريين بأنهم إنَّما يُنزلون الناس على “حكـم الله”، لا على “رأيهم”، متجاهلين أن الرَّسول (ص) كان، إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة، أوصاه: “إذا حاصرت أهـل الحصــن، فأرادوك أن تنزلهـم على حكم الله، فلا تنزلهـم علـى حكـم الله، ولكن أنزلهم على حكمـك، فإنَّك لا تعلم أتصـيب حكم الله فيهم أم لا” (رواه مسلم، وأبو داؤود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وابن حنبل).
هكذا ترك الإسلام أمر “الدنيا” لفهوم المسلمين يستهدون إليه بهداية الرُّشد في القرآن والسُّنة. بغير هذا الإدراك لا نستطيع مجرَّد مقاربة “حديث التَّمييز” الذي كان، ولا بُدَّ، تحت لسان عليٍّ، كـرَّم الله وجهه، وهو يستمع إلى كلمـة الخـوارج فـي معـركة صفـِّين بينه ومعـاوية: “لا حكم لبشر، لا حكم إلا لله”! فدمغها بكونها “كلمة حقٍّ يراد بها باطل” (نهج البلاغة، ص 65)؛ مثلما كان، ولا بد، تحـت لسـان الفاروق عمـر (رض)، حين أوجز دنيويَّة مفهوم “السُّلطة السِّياسيَّة” في الإسلام ووظيفتها، قائلاً: “ولاَّنا الله على الأمـَّة لنسـدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم”.

(4)
يناطح صخرة من يحاول استنباط مفهوم “الدَّولة”، بفتح الدَّال، من النُّصوص قطعيَّة الورود والدَّلالة. فاللفظ ورد في القرآن مرة واحدة بضمِّ الدَّال، عن مال الفئ: “كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم” (7 ؛ الحشر)، أى لئلا يستأثر به الأغنياء دون الفقراء (صفوة التفاسير)، أو كيلا يتقاسمه الرُّؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضُّعفاء (القرطبي). وقد أفاض كثير من الكتَّاب فى بيان انتساب “الدَّولة”، بالفتح، ونظم الحكم في الإسلام، لعقول وإرادة المسلمين، لا للنُّصوص المقدَّسة، إلا من جهة القيم والمبادئ العامَّة. فقد أوضح د. محمد عمارة فى مبحثه القيم “الإسلام والسُّلطة الدِّينيَّة”، على سبيل المثال، أن مصطلح “الأمر” هو الذي استخدمه القرآن، واستخدمته السنة، واستخدمه الأدب السِّياسي في صدر الإسلام للتَّعبير عن السِّياسة، أو نظام الحكم، أو السُّلطة الزَّمنيَّة العليا، أو أيَّة مسألة تتَّصل بالشُّئون الدُّنيويَّة التي هي محل (تدافع) فهوم وإرادات البشر. ففى القـرآن: “وأمـرهم شورى  بينهم” (38 ؛ الشُّورى)، “وشاورهم فى الأمر” (159 ؛ آل عمران)؛ وفى الحديث المار ذكره: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”؛ وفى التُّراث قال أبو بكر (رض)، عند وفاة الرسول (ص): “إن محمَّداً قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به” (الشَّهرستاني؛ نهاية الإقدام، ص 479، المرجع، ص 71)؛ وقال عُمر (رض)، عند توليه الخلافة: “ليعلم من ولى هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريب والبعيد” (طبقات ابن سعد؛ ج 3 ، ق 1 ، ص 197 ؛ المرجع، ص 72)؛ وقال عليٌّ كرَّم الله وجهه إن موت الرَّسول قد أعقبه “أن تنازع المسلمون الأمر من بعده” (نهج البلاغة، ص 352، المرجع)؛ وخطب الحسن في أهل العراق قائلا: “أما والله لو وجدت أعواناً لقمت بهذا الأمر أيَّ قيام” (د. أحمد صبحى؛ نظرية الإمامة، ص 326، المرجع).
وحدها وقائع التطوُّرات اللاحقة فى تاريخ المسلمين، إبتداءً من سقيفة بنى ساعدة، هي التي فرضت شكل (الدَّولة) باعتبارها أداة الملك الضَّرورية بالمصطلح الخلدوني. بل إن اللفظ نفسه لم يُستخدم بفتح الدَّال، إشارة إلى هذه الأداة، إلا مع العبَّاسيين، تعبيراً عن انتقال (الأمر) إليهم من الأمويين، ثم سلك، من بعد، في كتابات المؤرِّخين (المصدر نفسه، ص 21). خلاصة الأمر أن (الدَّولة) نشأت لدى المسلمين، كما لدى غيرهم، بحكم (الضَّرورة)، لا بحكم (النَّص).
والمعلوم، قبل ذلك كله، أن “أصول” الإيمان ثلاثة: الألوهيَّة، والنُّبوَّة، واليوم الآخر، وليس من بينها مبحث “الإمامة” الذي يندرج تحته الفكر السِّياسي الإسلامي (د. محمَّد عمارة؛ الإسلام والسُّلطة الدِّينيَّة، ص 77). هذه “الأصول” مشمولة بالآيات الافتتاحية الخمس من سورة البقرة: {ألم(1). ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2). الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3). وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4). أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)}. فجلال القرآن، من قبل ومن بعد، لا يكمن في كونه موسوعة علميَّة، أو دائرة معارف سياسيَّة، كما قد يتوهم البعض أحياناً، وإنما في كونه كتاب هداية للإيقاظ، ودعم الإيمان، وأخذ العبرة، وترشيد السُّلوك (الشِّيخ محمَّد الغزالي؛ دستور الوحدة الثَّقافيَّة بين المسلمين، ص 192). وكما أوردنـا بعـاليـه، فإن الله قـد وصـفه بأنه “هُــدى للمتقـين” (2 ؛ البقـرة).
ويؤكد أبو حامد الغزالي أن كلَّ ما عدا “الأصول” فهو من “الفروع”، كـ “الإمامة”، ويقول: “واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة .. لا يوجب شىء منه التَّكفير” (فيصل التَّفرقة بين الإسلام والزَّندقة، ص 15). ويشدِّد الشَّهرستاني على “أن الإمامة ليست من أصول الاعتقاد” (نهاية الإقدام، ص 478).  وابن تيمية ينفى أن تكون “الإمامة” من الأصول، فلا هي من أركان الإسلام، ولا من أركان الإيمان، ولا من أركان الإحسان (منهاج السُّنة، ج1، ص 70). ومحمد عبده يقول: “أن الدِّين لم يعلِّم المسلمين .. تفصيل سياسة الملك .. وقد أرشدنا نبيُّنا (ص) إلى  وجـوب اسـتقـلالنا دونه فـي مسـائل دنيانا” (الأعــمـال الكـامـلـة، ج 3 ، ص 420، 426). أما ابن خلدون فيقـرِّر أن “.. شبهة الشيعة الإماميَّة في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان الدِّين .. وليست كذلك، إنما هي من المصالح العامَّة المفوَّضة إلى نظر الخلق” (المقدِّمة، ص 168). وأما الأفغاني فيستخلص، في ضوء هذا الفهم، أن من معاني الاستخلاف “أن تكون الأمَّة في مجموعها حرَّة مستقلة .. فلا يتصرَّف في شئونها العامَّة إلا من تثق بهم .. وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها”؛ ثمَّ ما يلبث، من هنا، أن يذهب إلى أن الحاكم إذا حنث بقسمه على صون الدُّستور الذي بايعته عليه الأمَّة، فـ “.. إما يبقى رأسه بلا تاج ، أو تاجه بلا رأس” (الأعمال الكاملة، ص 478 ـ  479).
وثمَّة نماذج لهذا الفهم، حتى في واقع حركة الإسلام السِّياسي الرَّاهنة، حيث ينوِّه محمَّد سليم العوَّا بقول الإمام الجويني: “إن معظم مسائل الإمامة عريَّة من مسالك القطع، خليَّة عن مدارك اليقين” ، ليخلص إلى “أن كل ما يتعلق بالشَّأن السِّياسي، ونظام الحكم خاصَّة، ليس فيه أمر مقطوع به ، ولا متيقَّن منه ، وإنَّما على المسلمين .. أن يصوغوا تلك الأمور حسب ما يرونه محققاً للمصلحة في أزمنتهم، مهتدين إلى ذلك بقيم الإسلام ومقاصـده، لا أكـثر، وهـى تدور حـول أمـور كـليَّة مثل الحـريَّة والعـدل والمسـاواة واحـتـرام الإنســان الـذي كرَّمـه الله” (ندوة مركز الدِّراسات الحضاريَّة بالقاهرة حول التعدديَّة السِّياسيَّة ، أخبار اليوم، 22 فبراير 1998م). أما فهمي هويدي الذي يعتبر من أنشط مفكِّري حركة الإسلام السِّياسي الرَّاهنة في المنطقة، ومن أكثرهم حماساً لما تصطلح عليه هذه الحركة بـ “المشروع الحضاري”، فإنه، حتى وهو ينافح عن هذا المشروع ، لا يستنكف عن وصفه بأنه: “لا يعرف مؤسَّسة دينيَّة، ولا رجال دين، ولا سلطة دينيَّة، بالمفهوم السَّائد في التَّجربة الغربيَّة (أي الإكليروس الكنسي ـ الكاتب)، إذ أن الدين يظلُّ مجموعة من الِقيَم .. تُستلهم في عمارة الدُّنيا والآخرة، و .. ينبنى عليها مجتمع مدني .. الأمَّة فيه مصدر السُّلطة ، والناس .. حرَّاسه الحقيقيون” (م/المجلة، ع/800، 17 يونيو 1995م).

(5)
لذا، على حين يفصِّل القرآن والسُّنة أحكام العبادات، وكلَّ ما يتصل بشئون الدين،  يكتفيان، في أمر “السِّياسة/الدَّولة”، بهداية عامَّة حول الشُّورى، والعدل، والإحسان، والمساواة، والحريَّة، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانات إلى أهلها، وغيرها، دون أن يتضمَّنا نصوصا قطعيَّة في تفصيل نظام الدَّولة، أو شكل السُّلطة، أو أساليب السِّياسة، وما إلى ذلك؛ فتلك كلها أمور مرهونة بظرفي الزَّمان والمكان، وقد شملها جهد الصَّحابة الذين كانوا يفهمون النُّصوص “على ضوء البيئة ودوران المصلحة” (الصَّادق المهدى؛ أحاديث الغربة، ط 1، دار القضايا، بيروت 1976م، ص 28 ـ 29).
ولأن فهم النُّصوص على هذا النَّحو يستوجب إعمـال “العقل” بالضـرورة، فإن الإسلام “.. يعطى الإنسان مجال التفهُّم بعقله .. حاثَّاً على استخدام العقل في 50 آية .. وعلى التفكير في 18 آية” (المصدر، ص 33). “.. والعقل أشرف صفات الإنسان .. إذ به تقبل أمانة الله” (أبو حامد الغزالى ؛ إحياء علوم الدين ، ج 1 ، ص 12 ـ 13). ولقـد حضَّ الله سبحانه وتعالى بنى آدم حضَّاً على استخدام هذه (الأداة) الاستثنائية التي خصَّهم بها دون سائر خلقه، وذلك باستخدام جمـيع الحـواس: “والله أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السَّمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون” (78 ؛ النحل)، أي “تؤمنون” (تفسير الجَّلالين). والشُّكر إنما يكون بالإيمان (تفسير الجَّلالين)، وفى ذلك تكمن علاقة السَّببيَّة بين “العقل” و”الإيمان”. وتتواتر الآيات التي تحمل الدَّلالة على هذا الحضِّ بمختلف الصِّيغ: “لعلكم تتفكرون”، “أفلا تتفكرون”، “أفلا تتذكرون”، “لقــوم يعقـلون”، “أفلا يعقـلون”، “يا أولي الألباب”. وقـد وردت عبارة (أولى الألباب) في القرآن الكريم “.. خمسة عشر مرة. وأولو الألباب هم أصحاب العقول ، كأن العقل هو لب المرء وما عداه قشر” (محمد الغزالى؛ دستور الوحدة الثَّقافيَّة بين المسلمين، ص 178).
وإذن، فالمسـلمـون مـأمـورون بأن يدركـوا أن الله عز وجل غنىٌّ عن إيمان بلا تدبُّر، ومتكبِّرٌ على تسليم بلا تفكُّر، ومُستعلٍ على عبادة بعقول غائبة وأفئدة مستلبة، مِمَّا يجترح بعض متشنِّجة الاستبداد، وملهوجي التَّيَّار السُّلطوي الذين يوهمون الناس، صباح مساء، بأن الاستكانة لإرادتهم هم البشريَّة إنَّما هي من باب الخضوع لمشيئة السَّماء!
كما وأنَّ المسلمين مأمورون بالتَّمييز، عقلاً، بين شئون “دينهم” وأمور “دنياهم”، على قاعـدة الحــديث الشَّــريف المـار ذكـره. وروى عن النبي (ص) أنه قال: “أوَّل ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال الله عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليَّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب” (أخرجه الطبراني في الأوسط). وعن عمر (رض) أن رسـول الله (ص) قال: “ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يَهدي صاحبه إلى هدى ويردُّه عن ردى، وما تمَّ إيمان عبد ولا استقام دينه حتَّى يكمل عقله” (أخرجه داود بن المحبر).
ثمَّ إن التأسِّي، أيضاً، بأعمال الخلفاء الرَّاشدين والصَّحابة لا يكون بغير إعمال “العقل”. ومن ذلك إيقاف عمر (رض) سهم “المؤلفة قلوبهـم” المنصوص عليه ضمن الآية الكريمة (60 ؛ التَّوبة)، وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر (رض). ومن ذلك، كذلك، فتوى عمر المشهورة بعدم جواز قطع يد السارق في عام الرمادة، وغير ذلك كثير. ولعلَّ أحكم ما قيل في ذلك أنه “.. لا يعنى تعطيل النَّص، بل يعنى فقط تأجيله بالتماس وجه آخر في فهمه وتأويله” (د. محمَّد عابد الجَّابري؛ الدِّين والدَّولة وتطبيق الشَّريعة، ط1، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت 1996م، ص 45).
وليس ثمَّة ما يحول دون أن ينهل المسلمون حتى من أساليب غير المسلمين طالما استقامت عقلاً، وذلك بالاستناد إلى الحديث الشريف: “الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ النَّاس بها”؛ وفي هذا يشدِّد الشيخ محمد الغزالي على أن “.. التفتُّح العقلي ضرورة ملحَّة .. فماذا يمنع الفقيه المسلم من قبول كلِّ وسيلة أصيلة أو مستوردة لتحقيق الغايات التي قرَّرها دينه؟! إن النَّقل والاقتباس في شئون الدنيا، وفي المصالح المرسلة، وفي الوسائل الحسنة، ليس مباحاً فقط، بل قد يرتفع الآن إلى مستوى الواجب” (محمَّد الغزالي ؛ دستور الوحدة الثَّقافيَّة بين المسلمين، ص 182).   
وهكذا، فإن التسييل لـ “المقدَّس”، في الذِّهنيَّة المسلمة العامَّة، لينداح على مجمل وقائع وشخوص وترميزات “تاريخ” الدَّولة الإسلاميَّة، بلا تدبُّر، بعد رفعها، حزمة واحدة، ، بلا تعقُّل، إلى مستوى “الثَّوابت الدِّينيَّة”، ليس من الإسلام في شئ.   

(6)
وهكذا، حسب الثقات من الفقهاء، فإن القطعىَّ من النُّصوص، في ما يتَّصل بالإدارة التَّفصيليَّة لـ “أمور” الحياة الدنيا، يكاد يكون منعدماً. أما الذين يتحرَّقون رغبة في وجود هذه النُّصوص، إمعاناً في الازورار عن مكانة “العقل” في القرآن والسُّنَّة وأعمال الصَّحابة، فإنَّما هم أولئك الذين رفعوا، وما زالوا يرفعون شعار (الحاكميَّة)، في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، ابتداءً بالخوارج ، ومروراً بأبي الأعلى المودودي، ثمَّ سيِّد قطب، وانتهاءً بالمتشدِّدين ضمن حركة الإسلام السِّياسي الرَّاهنة في المنطقة، وبخاصَّة التَّكفيريين من دعاة الدَّولة الدِّينيَّة في السُّودان، مِمَّن كانوا يدركون، كما يدركون الآن، ولا بد، استحالة استصحاب أيِّ سند صحيح مباشر لدعاواهم من القرآن أو السُّنَّة، لكون مثل هذا السَّند، ببساطة، وكما قد رأينا، غير موجود أصلاً.  
غير أنهم، مع ذلك، درجوا، من جهة، عند التَّصدي لقضايا النِّظام السِّياسي، على الاستعانة بسوابق “التَّاريخ الإسلامي = تاريخ الدَّولة في الإسلام”، المحكـومـة بمقتضـيات “الزَّمكان”، رغـم وجـوب التمـيـيـز بيـن “الإسـلام/الدِّيـن” وبيـن “تاريـخ الدَّولـة الإسـلاميَّة”، فــنـجـدهـم “.. يستشهدون بآراء الفقهاء، أو الأنظمة التي اتُّبعت في الأزمنة السَّابقة .. وتلك كلها أمور لا إلزام فيها، وينبغي ألا تعطى حجماً أكبر مما ينبغي .. ولن نلزم أنفسنا بأطر جامدة أو دوائر مغلقة” (يوسف القرضاوي؛ ندوة مركز الدِّراسات الحضاريَّة ..، مصدر سابق).
كما وأنهم درجوا، من جهة أخرى، على أن يحلوا، بلا هوادة، “رأيهم” هم، و”فهمهم” الخاص، و”تأويلهم” للنُّصوص المقدَّسة محلَّ هذه النُّصوص المقدَّسة نفسها، وأن يسعُوا، من ثمَّ، إلى إكساب ذلك “الرأى” و”الفهم” و”التأويل” نفس القداسة التي للنُّصوص. وما ذاك ، في الواقع، إلا لكونهم انطلقوا على هذا الطريق من فرضيَّة قبْليَّة مغرقة في الخطأ، فحواها “.. أن الكتاب والسُّنة قد اشتملا على كلِّ النُّظم الحضاريَّة المطلوبة”، فكأن لسان حالهم يقول: قلب الصفحات تجدها” (محى الدين عطيَّة؛ أمراض الصحوة الاسلاميَّة، م/المسلم المعاصر، ع 42/85)؛ وتلك، لعمري، هي أزمة التكفيريين الحقيقيَّة!

***
Kamal Elgizouli [kgizouli@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.