الامام الصادق المهدي والتوهان في خريف العمر

 / يوسف عمر بشير – نيويورك
 يعتبر الإمام الصادق المهدي زعيم المعارضة السودانية بلا منازع و يمثل رقماً لا يمكن تجاوزه. فتحسب له كل الاطراف ألف حساب، سواء كان من جانب الحكومة او المعارضة , حتى وان تجاوز كل الخطوط الحمر للجانبين. و يتمتع بكارزمية قيادية وحنكة سياسية وقدرة على تحريك الشارع العام عبر جماهير الأنصار التي تعتبر الشرارة و راس الرمح في اي انتفاضة سابقة او قادمة .
 هذه الجماهير الانصارية كانت وما زالت تقدم الولاء والطاعة الكاملة للإمام الصادق باعتباره إماماً لكيان الأنصار و حفيداً للإمام المهدي و اعتقادهم الجازم بانه حتماً سيحررهم من الطغيان كما فعل جده الإمام المهدي من قبل ، وانه سيملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت جوراً و فساداً.. وفي المقابل يتعامل الامام مع هذه الجماهير الانصارية بنوع من البراغماتية والمراوغة السياسية وعدم الاهتمام لمعاناتهم اليومية ، سواء في معسكرات النزوح او في الأحزمة التي حول المدن الكبرى، بيد ان كل النعم التي يتمتع بها هو وأسرته تعتبر من خيرات أكتاف جماهير الأنصار المهمشة.
 فإذا لم يقم الامام بمعايرة متطلبات العصر الحالي ومسايرة تقلبات الواقع اليومي، وتبني استراتيجية واضحة تقوم على أساس المصلحة المتبادلة دون اللجوء الى التكتيك والمعايير المزدوجة، فانه حتماً سيجد نفسه وحيداً ومعزولاً و ينفض جماهير الأنصار من حوله . فربما لا يدري اننا في عصر تكثر فيه المعلومات الرقمية والإنجازات التقنية، وتسقط فيه أقنعة القدسية و الكرامات البشرية. وحينها لن يجد من يقدم له دعوة لعقد قران ابنه او ابنته.
 يتمتع الإمام الصادق المهدي بمعرفة عميقة بسايكولوجية الشعب السوداني .. فقد خبر نقاط ضعفه ، و مراكز قوته ، وتقلبات مزاجه، و درجة عاطفيته .. وكذلك يعرف مدى حوجة كل من الحكومة والمعارضة لكسب وده و نيل رضائه . فوق هذا وذاك فهو يعتبر آخر رئيس وزراء منتخب وكان يملك شرعية دستورية مستمدة من قبل الشعب ..
 فكل هذه الميزات التي يتمتع بها الإمام دون غيره من العالمين (الحكومة والمعارضة) جعلته يقوم احياناً بتقمص دور رجل الحكومة والمعارضة في ان واحد واللعب على حبلين والعزف على وترين .. فهو جزء من المعارضة الوطنية وفي نفس الوقت يتمتع بثقة الحكومة مما جعل الرئيس يقوم بتعيين ابنه مساعداً له في القصر الرئاسي .
 بالمقابل لم تلعب كل هذه الأوراق المهمة التي بيده، ومهاراته السياسية و علاقاته الإقليمية والدولية أي دور في تقريب وجهات النظر بين الحكومة من جهة والمعارضة المدنية والمسلحة من جهة اخرى للوصول الى حل سياسي شامل للازمة السودانية التي تحقق السلام العادل والتحول الديمقراطي الكامل .. و تجده في كثير من الأحيان يجنح نحو البراغماتية و التكتيك السياسي الذي يضر بالمصالح الوطنية العليا للبلاد ويطيل من عمر النظام القائم كلما سنحت فرصة لتخليص البلاد من قبضته ..
 كل الأطراف في حيرة من أمر الإمام . حيث لا يستطيع احد ان يجرؤ على انتقاده علناً وذلك خوفاً من ان يقوم بهدم المعبد فوق رؤسهم جميعاً مستخدماً مهاراته السياسية و براعته الخطابية وقدراته الاقناعية التي لا يجاريه فيها احد في الساحة السياسية السودانية إلا صهره الذي صهر لنا الديمقراطية و استبدلها بنظام من الشمولية، ثم وجد نفسه جالساً على الرصيف مع الحيارى، يندب حظه و يتحسر على الملك الذي ضاع !! فالايام دول وسجال .
 آخر التكتيكات التي يقوم بترويجها الإمام في هذه الأيام، هي تحديد وسيلة تغيير النظام .. شعار سلمية تغيير النظام عن طريق التظاهرات السلمية الغير عنيفة !!! . وأنا أضع ألف خط تحت جملة السلمية الغير عنيفة لسببين فقط .. أولاً ؛ هذه الجملة لا تشبه تاريخ جماهير حزب الأمة والانصارالملئ بالبطولات الوطنية والتضحيات الفدائية منذ قيام الثورة المهدية حتي انتهاءاً بآخر ديكتاتورية، فهو تاريخ يدل على عزة النفس الأبية و تفخر به كل الأمة السودانية .
 ثانيًا نوعية وسيلة تغيير النظام لا تحكمها الأمنيات ولا الأحلام .. بل هي محكومة بطبيعة الخصم، و متسقة مع سلوك النظام  و رد فعله المضاد  في مواجهة الثائرين عليه .
 فطبيعة الخصم هذه المرة ليس مثل عبود رحمه الله الذي رفع الراية البيضاء وسلم مقاليد الحكم للشعب بمجرد ان أطلق جندي بالخطأ رصاصة طائشة أصابت طالب بريء في مقتل .. فهتف الشعب عالياً ؛ يسقط يسقط حكم العسكر.. تبعتها همهمات تلميحية من قادة الجيش بالانحياز للشعب .. وانتهى الأمر بهذه السهولة والسلاسة . تمر السنوات فيعود نفس الشعب يهتف مرة اخرى “يا عبود ضيعناك وضعنا معاك” !!. لم يكن عبود ناهباً للمال العام او قاتلاً لمعارضييه او خائناً لوطنه حتى يخشى من المحاسبة اوالمحاكمة، بل كان نظيف اليد من المال العام، رغم انه انقلب علي الشرعية الدستورية .
  كذلك لم يكن نميري رحمه الله وأعوانه مطلوبين من قبل محكمة الجنايات الدولية حتي يتمترسوا خلف كرسي السلطة او يعضوا عليه بالنواجز .. فطبيعة الخصم وسلوكه هذه المرة  ليس مثل ما رأيناه في أكتوبر او أبريل .. فهذه المرة سيكون ليلنا طويل .. بل سيرى شعبنا طيراً أبابيل ..
 لقد تحسب هذا النظام لكل شاردة وواردة ..و لن تكن هذه المرة مجرد نزهة عابرة .. لقد قام النظام بتطهير الخدمة المدنية منعاً لاي عصيان مدني على شاكلة أكتوبر أبريل  .. وقام بتدمير النقابات العمالية و تصفية كوادرها الوطنية وخصخصة المؤسسات الحكومية وتمليكها لأهل الولاء تحسباً للاضرابات التي تسبب الشلل للحياة العامة للنظام .. وقام بتفريغ المؤسسة  العسكرية وتشريد كل الكفاءات القومية وتحويلها الى مليشيات حزبية تتبع لقيادات المؤتمر الوطني، وصار حالها كحال النخلة الحمقاء حيث لا يطاق رؤيتها ولا تجدي فتيلا ..  
 فطبيعة النظام هذه المرة معروفة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، و لقد خبره الكثيرون من أبناء شعبنا.. لقد جربه خيرة ابناء القوات المسلحة في صباح ذاك العيد المشؤوم  .. و جربه المتظاهرون سلمياً في كجبار و بورتسودان و نيالا .. و جربه الطلاب المعتصمون سلمياً داخل حرم جامعة الجزيرة .. والنتيجة التي توصل اليها الجميع ان طبيعة هذا النظام هو القتل والقمع الوحشي والموغل في البشاعة علي الطريقة الليبية السورية ( اما احكمكم او اقتلكم).. وهذا المسلك سيكون له ردود أفعال مضادة من قبل الشعب والمتظاهرين .. سيتحول الثوار المدنيين الى ثوار مسلحين .. و يغادر الطلاب قاعات الدراسة الى ساحة القتال .. سيجدون إخوتهم في الجبهة الثورية في انتظارهم ويتلاقوا معاً فى لوحة وطنية وملحمة بطولية .. و يزحفون معاً الى الخرطوم كما زحف اجدادهم في عهد غردون .. وحينها ستكون المعركة، معركة عزة وكرامة من اجل وطن يسع الجميع و فوق الجميع .. من اجل وطن خالي من الفساد و الاستبداد .

yousifbashir@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.