نضالات المرأة السودانية في كتاب حديث (نساء فى مرمى البندقية) / احسان عبد العزيز

هي تجربة لنساء عملن في ظروف قاسية وواجهن صعوبات وعراقيل أقسى، في سبيل أداء واجبهن

المقدمة

ظلت قضية مشاركة المرأة في المجتمع بشكل عام، ومشاركتها السياسية على وجه الخصوص منذ الاستقلال وعلى مر الأنظمة المتعاقبة قضية أساسية، رمت بظلالها على قضايا الاستقرار في السودان دون أن يعي ساستها الدرس، ولعل الفشل الذي لازم الأنظمة الديمقراطية، كان لإقصاء المرأة دور كبير فيه بإعتباره تعطيل لطاقة تمثل نصف المجتمع.. ونجد برغم هذه الظروف استطاعت المرأة وبنضالات طويلة وبفضل رائدات الحركة النسائية أن تحصل على العديد من الحقوق والمكتسبات السياسية وغيرها، في فترتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.. شهدت هذه المكتسبات خلال هذه الأنظمة ظروفا سيئة خاصة في ظل الديكتاتورية.. بدءاً بنظام عبود مرورا بنظام نميري وانتهاءً بنظام الانقاذ.. والذي حدث فيه تراجع كبير لمكتسبات المرأة بسبب السياسات التي مورست والقوانين التي سُنت بغرض إقصائها وتحجيمها داخل المجتمع.. هذا على مستوى الحكومات.. ولم يكن الحال بأفضل منه على مستوى المعارضة، وبخاصة الأخيرة التي التأمت في إطار التجمع الوطني الديمقراطي، فسياسة العزل والإقصاء طبقت بدقة (مع سبق الإصرار والترصد) وكانت خلاصتها أن بدأ التجمع الوطني ذكوريا وانتهى ذكوريا، وظلت “مشاركة المرأة” عبارة عن كلمات جوفاء، يزين بها مقرراته وبياناته دون أن ترقى إلى مستوى الجدية والتفعيل الحقيقي، وكان ذلك منذ بداية توقيع الميثاق حيث اقصيت عنه المرأة تماماً، ومروراً بالمادة (5) من مقررات أسمرا للقضايا المصيرية (سيتم تناول كل ذلك الباب الثالث) وتضميناً لكل الاجتماعات، وانتهاءً باتفاق القاهرة والذي تحول بعد التوقيع من إتفاق إلى افتراق دق إسفيناً في نعش التجمع الوطني، و “لا عزاء للسيدات”. وعلى مدى العقد ونصف من عمر التجمع الوطني ظلت النساء بداخل السودان وخارجه، يسعين لانتزاع حق المشاركة والتمثيل في مواقع صنع القرار، وكلما خطت النساء خطوة إلى الأمام سعت مراكز القوة في التجمع الوطني، وبعقلية السودان القديم لإرجاعهن خطوتين إلى الخلف.. وبالرغم من ذلك لم تقف النساء مكتوفات الأيدي، بل بجانب المحاولات المستمرة لانتزاع حقوقهن في المشاركة، لعبن دورا مهما بطريق مباشر وغير مباشر في قضايا الوطن عبر مسيرة التجمع الوطني.. وكان التجمع النسائي بالداخل خير مثال على تضامن النساء ومثابرتهن في مناهضة النظام بشتى الطرق من تظاهرات ومسيرات احتجاجية ورفع المذكرات…والتعبير الفعلي عن رفضهن لكل ممارسات نظام الانقاذ ولم تثنيهن الاعتقالات والسجون والجلد والصالح العام وفائض العمالة وغيرها عن مواصلة المسيرة ودعم نضالات التجمع الوطني، مما أسهم في توسيع قاعدة مشاركة النساء والالتفاف حول مواثيق التجمع الوطني وتأييده ودعم مسيرته.
وما ننقله للقارئ عبر صفحات هذا الجهد المتواضع، هي تجربة لنساء عملن في ظروف قاسية وواجهن صعوبات وعراقيل أقسى، في سبيل أداء واجبهن تجاه الوطن وتجاه المرأة التي قام التنظيم لأجلها..التنظيم المقصود هو “التجمع النسوي الديمقراطي السوداني بالأراضي المحررة شرق السودان ودولة إرتريا” وهذا اسمه الكامل، تنظيم تكون من أحزاب وفعاليات التجمع الوطني الديمقراطي، ومرمى البندقية مقصود بها الأراضي المحررة بشرق السودان ومناطق النزوح. وهي المناطق التي كانت تقع تحت سيطرة التجمع الوطني الديمقراطي بعد إعلان النضال المسلح عام 1996 في الجبهة الشرقية.. نساء هذه المناطق هن كما جاء في تقرير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان – أفريقيا العدالة (RSP) (النساء اللاتي يعشن في مناطق شرق السودان التي يسيطر عليها التجمع الوطني هن من أكثر النساء اضطهاداً وتعاسة في السودان، إن لم يكن في العالم بأسره.. عاشت النساء في هذه المنطقة حتى وقت وصول التجمع الوطني الديمقراطي إليها تحت سيطرة الحكومة السودانية، دون ان تقوم الحكومة بفعل أي شيء لتخفيف حدة القمع والتهميش الذي يعانين منه، ومنذ إفتتاح الجبهة الشرقية عام 1996م ظلت النساء أيضا يتعرضن للفظائع المصاحبة للحرب بما في ذلك الهجمات العسكرية، القصف الجوي، التحرشات، الألغام الأرضية، والنزوح والجوع والمرض.. انهن ببساطة أكثر نساء السودان تهميشا وقمعا وهشاشة وضع.. وهن أقل المجموعات قدرة على تنظيم أنفسهن” . ) هذا باختصار وصف لظروف النساء اللاتي كن يعملن وسط التجمع النسوي.. وبرغم هذه الظروف تميزت نساء هذه المنطقة بالقدرة على استيعاب المستجدات حولهن وقابليتهن للتفاعل معها.. كما تتوفر لديهن الرغبة في تغيير الواقع البائس الذي فرضته عليهن الظروف إلى واقع أفضل، بدليل تجاوبهن مع تجربة التجمع النسوي ومشاركتهن في نشاطاته، مما أدى إلى نجاح فرعياته في تلك المناطق، حيث تمكن التجمع من انشاء ستة فرعيات له تشمل مناطق النزوح ومعسكرات اللجوء داخل الأراضي الإرترية.. وكان لبنات المنطقة ممن نلن حظاً من التعليم دور كبير في دفع العمل النسوي وفي العملية التعليمية والوعي الصحي التي تبنتها بعض المنظمات الانسانية التي كانت تعمل بالمنطقة، بالتعاون مع الإدارة الأهلية لتلك المناطق المكونة من مؤتمر البجا.. وأهم تلك المنظمات كانت منظمة الغوث العالمية (IRC) بالإضافة للمنظمات التي كانت تتبع للتجمع الوطني وفصائله، مثل منظمة البجا للإغاثة (BRO)، منظمة أمل للرعاية الاجتماعية (SFC) ومنظمة شيرا (SHRA).

بالإضافة لهذه الظروف الدقيقة لنساء المنطقة، إلاَّ أن العراقيل التي كانت توضع أمام التجمع النسوي، والمعوقات التي كان يواجهها، أضعفت كثيراً من تحقيق البرامج الطموحة التي كان يهدف إلى تحقيقها لنساء المنطقة.. وأهم هذه المعوقات كانت الامكانيات أو “المال” (سنتناول ذلك في الباب الثاني) فقد أحجم التجمع الوطني عن تقديم أي عون مادي، يمكن التجمع النسوي من تسيير أعماله وتنفيذ برامجه، بما في ذلك ما اتفق على انه ضروري ومُلح، بحجة انه لا توجد في ميزانية التجمع بنود خاصة بالنشاط النسوي (وهو العذر الأقبح من الذنب)… وبالرغم من ذلك وبإصرار قيادات التنظيم ومثابرتهن، وبالدعم المعنوي والمادي من بعض الفصائل وقوى السودان الجديد داخل التجمع الوطني، ظل التنظيم صامدا، وتمكن من أن يقوم بدور ملموس وسط النساء مما أهله لكسب ثقة البعض، وتقديم العون كل حسب إمكانياته، وكان في مقدمة هذه حزب الامة القومى، الفصائل التحالف الوطني- قوات التحالف السودانية، مؤتمر البجا، الحركة الشعبية لتحرير السودان وقيادات الحزب الشيوعي، ثم حركة وجيش تحرير السودان التي انضمت للتجمع الوطني مؤخراً. وكذلك حركة العدل والمساواة ممثلة فى رئيسها د.خليل إبراهيم بالرغم من وجودهم كحركة خارج منظومة التجمع الوطنى. هذا بالنسبة للعائق المالي ناهيك عن العوائق الأخرى والعراقيل التي سيرد ذكرها، والتي لم تمثل في مجملها إلاَّ دافعاً قوياً لصمود التنظيم واستمراره وعطائه مضيفاً صفحة وضيئة في سجل الحركة النسوية السودانية.. وعبر هذه المحاولة سنتناول في باب منفصل موقف التجمع الوطني من المرأة منذ أن بدأ وإلى أن أسدل الستار على آخر فصوله، بمشاركة شكلية في حكومة الوحدة الوطنية.. سيشمل هذا الباب تفاصيل وخبايا مؤتمر التجمع الوطني للمرأة الذي تمَّ التأمر عليه، وقبر قبل أن يرى النور!

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, كتب. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.