عـنـدمـا (يعك) علـي كــرتــي!!

الطيب مصطغى
نشر بتاريخ الإثنين, 19 تشرين2/نوفمبر 2012

مرة أخرى (يعك) وزير خارجيتنا علي كرتي ويرتجل، أكرِّر يرتجل، خطبة يشنُّ من خلالها بدون أن يقصد الحرب على بلاده ويستعدي عليها دولاً كان هو الأولى بأن يتودَّد إليها ويسترضيها حتى تكون نصيراً وسنداً لا عدواً مبيناً في زمن قلَّ فيه النصير وبتنا فيه معزولين محارَبين من شتى أنحاء العالم.
لو قيل لي إن كرتي قال ما قال لربما رفضتُ تصديق محدِّثي لكني سمعتُ الحديث كفاحًا من فم الرجل الذي كان يتحدث إلى وزراء الخارجية العرب عن الأموال العربية المُودَعة في خزائن أمريكا والغرب والتي تعود مرة أخرى لإسرائيل لتُستخدم في ضربنا وقصفنا والاعتداء علينا!!

ياسبحان الله!! ومن منا لا يعرف هذه الحقيقة ومَن مِن الوزراء العرب الذين كانوا يجلسون إلى جوار كرتي لا يُدرك ما صرَّح به وزيرُنا الهمام لكن مَن مِنهم قال ما قال ليُحْرج دولته ويجرَّ عليها غضب دول الخليج التي كانت حضوراً في ذلك الاجتماع من خلال وزرائها بل هل قال مندوب فلسطين المعتدى عليها والتي اجتمع الوزراء من أجل بحث العدوان عليها.. هل قال ما قاله كرتي؟!

أعجب أن يكون شيخ الدبلوماسية في بلادنا والذي ينبغي أن يكون هو أكثر من يزن كلماته بماء الذهب قبل أن يتفوَّه بها هو أكثر المخرمجين الذين يُلقُون الكلام على عواهنه ويفعلون ما لا يجرؤ حتى دون كيشوت على فعله وهو يحارب طواحين الهواء.. بل أعجب أن يشرِّق على كرتي ويغرِّب فهو في يوم حمامة أو نعامة تجفل من صفير الصافر وفي آخر صقر كاسر وأسد هصور يخوض المعارك مع الصديق قبل العدو!!
قبل أيام قليلة غضب كرتي بسبب رسو السفينتين الإيرانيتين على سواحل السودان باعتبار أن ذلك يُغضب العرب عامَّة ودول الخليج خاصَّة بل إنه احتجَّ بأن وزارة الخارجية اعتذرت قبل أشهر لإيران عن استقبال السفن لأن ذلك يُغضب المملكة العربية السعودية ودولاً أخرى بينما تجد كرتي نفسه يشنُّ الهجوم على ذات الدول التي كان حريصاً على عدم إغضابها بالسماح برسو السفن الإيرانية ثم يتهكَّم الآن من كنزها أموالها في الدول المساندة لإسرائيل!!

كرتي يهاجم رئاسة الجمهورية نفسها من داخل البرلمان حين تحدثتْ عن (الحشرة الشعبية) ويقول إن تلك التصريحات تُحْرج السودان أمّا هو فمن حقِّه أن يقول ما يشاء وأن يفعل ما يشاء فالسودان وشعبُه ملكٌ خاص له بشهادة بحث يمكن لمن يُريد أن يغالط أن يسأل عنها لدى مسجل الأراضي!!
كرتي يهاجم وزارة الدفاع لأنها لا تنسِّق مع وزارة الخارجية وأن السياسة الخارجية تعاني من تغوُّل الآخرين على اختصاصاتها لكن وزارة الخارجية بل وزير الخارجية هو أكبر الخارجين على السياسة الخارجية للدولة وأكثر المتغوِّلين على سياسات بلاده الحريصة على علاقاتها مع جميع الدول.
إنني أكاد أجزم أن وزارة الخارجية لم تعانِ في عمرها الطويل كما تعاني هذه الأيام وكما عانت أيام كان مُمسكاً بخناقها وزير خارجية الحركة الشعبية دينق ألور الذي كان يشنُّ الحرب على السودان من داخل وزارة الخارجية!!

أيام اعتداء العراق على الكويت في بداية التسعينات.. وقفنا موقفاً دفعنا ثمنه ولا نزال وكانت الإنقاذ يومَها طفلاً يحبو ويحتاج الى النصير فإذا بها تضعف ويُصنَّف السودان من دول الضد ويدفع ثمناً باهظاً جرّاء ذلك التهوُّر الذي لا يتناسب مع وضعه ووضع ثورته الوليدة التي ما كانت مهيّأة لخوض غمار معارك قبل أن يشتد عودها ولكن كرتي يقف اليوم موقفاً شبيهاً بجليطتنا تلك!!

الآن ونحن في أضعف حالاتنا ونشكو من قلة النصير وانعدام الحلفاء إفريقياً وعربياً وعالمياً نستعدي دولاً تدعمنا على الأقل اقتصادياً من خلال صناديق التمويل التي أسهمت في مشروعاتنا الكبرى مثل مروي وتعلية خزان الروصيرص وغير ذلك من المشروعات علاوة على استضافتها ملايين السودانيين.
كرتي يعلم أن مثل كلامه هذا لا تأثير له حتى لو جاء من دولة كبرى في المنطقة بل حتى لو صدر قرار بسحب الأرصدة العربية من الجامعة العربية بأجمعها فإنه لن يجد من يستمع إليه فلماذا قال ما قال؟
هل تراها شهادة أمام التاريخ يريد أن يقولها ليتحدَّث الناس عن شجاعته الدونكيشوتية وبطولته حتى لو فتح قولُه أحد أبواب الجحيم على بلاده أم هو موقف جديد للسودان الذي من المنطقي بعد هذه التصريحات أن يمضي في خط المواجهة مع دول الخليج ويختار التحالف مع إيران ويمنحها قاعدة عسكرية (عديل) بعد أن هاجم وزيرُه الخليج وتدخَّل في أخص خصوصياته؟!

والله إنني لعلى يقين أن كرتي لم يستشر رئاسته قبل أن يقول كلمته هذه التي حدَّد فيها موقفاً (قطعه من رأسه) بدليل أنه ارتجل الكلمة ارتجالاً رغم خطورة ما ورد فيها من مضامين وأعجب لماذا لم يكتب الرجل كلمته أهي شطارة واستعراض لقدراته الخطابية أم هو تطاول وشعور بالعظمة وأنه (ما سائل في زول) وأنه يفعل ما يشاء في بلاد بلا وجيع؟!

رجلٌ يُحصي على الناس أنفاسَهم ويطلب أن يُترك أمر السياسة الخارجية لوزارة الخارجية لكنه لا يقدِّم ما يُقنع مَن يخاطبهم أو من ينتقدهم إنه جدير بالانتصاح بما ينصح به غيره!!
حتى القدرات الخطابية ومعرفته الجيدة باللغة العربية التي أعرفها عنه من قبل خذلته هذه المرة فكان متلجلجاً مرتبكاً يبدأ الجملة وتطيش منه ويكملها بما لا يتفق مع بدايتها!!

أقول إنه والله ما كان كرتي مناسباً لهذا الموقع ابتداء ولو كان مصطفى عثمان اليوم وزيراً للخارجية ما كان سيُحدث تلك الجليطة التي أحرج بها كرتي دولته واستعدى عليها من لا يجوز استعداؤهم وكذلك لو كان غازي وزيراً للخارجية لأعاد لها مجدَها الغابر ولربما قاد وزراء الخارجية العرب جميعهم كما كان يفعل المحجوب في الستينات من القرن الماضي وهو يزأر من داخل مبنى الأمم المتحدة متحدِّثاً باسمهم جميعاً لكن اختياراتنا للأسف تقوم على المجاملات والاستلطاف والـ Like والـ Dislike هذا إذا تغاضينا عن الموازنات الجهويَّة والقبليَّة التي توشك أن تُردِي بلادَنا وتجعلَها أثراً بعد عين.
إنها المجاملات والموازنات في بلاد صدق فيها قول الشاعر:
كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه
المال عند بخيله والسيف عند ########ه
لا محاسبة ولا مساءلة بل تجديد مستمر لأن نساء السودان عقمن إلا من حفنة من العباقرة يديرون أمرها إلى الأبد

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.