مؤتمر الدوحة يشيع مشروع الحركة الإسلامية في السودان إلى مثواه الأخير

مؤتمر الدوحة يشيع مشروع الحركة الإسلامية في السودان إلى مثواه الأخير

على غير ما توقع البعض احتلت قضية فشل مشروع الحركة الإسلامية في السودان موقع الصدارة في مداولات المؤتمر,الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة في الفترة من 6-8 اكتوبر الجاري, بعنوان:الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي.. تجارب واتجاهات. وكانت بعض الكتابات التي سبقت انعقاد المؤتمر قد عبرت عن مخاوفها من أن المؤتمر لا يعدو أن يكون محاولة من القطريين لتسويق برامج الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في بلدان الربيع العربي, وإعادة إحياء مشروعها, الذي يعاني مصاعب جمة في السودان. غير أن مداولات المؤتمر كشفت منذ يومها الأول عن الطابع العلمي والنقدي للمؤتمر بصورة عامة, ثم عن الفرصة الجيدة التي أتاحها للمؤتمرين للاطلاع على تجربة الحركةالإسلامية في الحكم في السودان, بعيداً عن تزييف وتضليل وسائل الإعلام والدبلوماسية السودانية. إذ جاءت فاتحة المداولات وأولى جلسات المؤتمر بعنوان: التجربة السودانية: بين الفكر والحكم والسياسة. ويمكن القول بأمان أن تلك الجلسة قد وضعت النهايةلحسن الترابي كمفكر ومنظر للحركات الإسلامية في المنطقة, ولمشروع الحركة الإسلامية السودانية كتجربة عملية رائدة للحركات الإسلامية, بعد أن كشفت الأوراق التي قدمها عبد الوهاب الأفندي والطيب زين العابدين وشخصي ليس فقط عن الفشل الذريع في مجالات التطبيق وإنما أيضاً عن خلل المنهج الذي قامت عليه التجربة. وقد القت تلك الجلسة بظلالها على بقية جلسات المؤتمر وعلى أداء حسن الترابي وغازي صلاح الدين فيه, إذ تجنبا بعدها أي إشارة للتجربة العملية للإسلاميين في الحكم في السودان. كما فتحت الباب لانتقادات وتعليقات لاذعة من مشاركين من غير السودانيين, انعكس في الصحافة ووسائل الإعلام الاقليمية, مما يمكن أن يفسح المجال للتداول في البدائل الديمقراطية التي طورها تحالف قوى الإجماع والجبهة الثورية السودانية, خاصة أن كل الحركات الإسلامية في المنطقة أعلنت على لسان قادتها المشاركين التزامها السياسي الصارم بالديمقراطية منهجا للحكم عبر عنه راشد الغنوشي بصورة رفيعة وإن كانت لا زالت تفتقر إلى التأسيس المنهجي البسيط والواضح إسلامياً. وفي ما يلي مداخلتي في المؤتمر التي تلخص الورقة البحثية التي شاركت بها بعنوان: تجربة الحركة الإسلامية في الحكم: تطبيق الشريعة في فضاء تعددي:مي

بسم الله الرحمن الرحيم

أود في البداية أن أحي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على إتاحته هذه الفرصة للتداول حول الإسلاميين ومصائر الديمقراطية بعد ثورات الربيع العربي,
وعلى وجه الخصوص أحي المركز على هذه الجلسة حول تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان.
في الحقيقة لقد استوقفني أن الندوات والمؤتمرات التي شاركت فيها حول وصول الإسلاميين إلى السلطة بعد ثورات الربيع العربي لم تناقش أو لم تعط الإهتمام الكافي لمناقشة تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان, على الرغم من أنها تجربة عملية من لحم ودم..
وللأمانة لاعلم لي إذا كانت الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في بلدان الربيع قد درست الحالة السودانية في قنواتها الخاصة أم لا, في حالة أنها لم تفعل فإنني أرى أن المسئولية الأخلاقية لهذه الحركات تجاه شعوبها تتطلب منها أن تدرس الحالة السودانية لترى من خلالها الآثار التي تركها برنامج الحركة الإسلامية السودانية على أرض الواقع,
لأن الزاد الفكري لهذه الحركات هو زاد مشترك مع الحركة الإسلامية السودانية. فجميعها  قد نشأت – كما نعلم – على أفكار وكتابات حسن البنا وعبد القادر عودة وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وحسن الترابي.. وهذه هي مرجعيات برنامج الحركة الإسلامية الذي طبقته في السودان.

العنوان الكامل للورقة هو: تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان: تطبيق الشريعة في فضاء تعددي ثقافي ديني وإثني
وساركز في هذا الاستعراض على الجوانب والنتائج العملية لتجربة الإسلاميين في الحكم في السودان
لقد حدد الإسلاميون السودانيون هدف برنامجهم للحكم في السودان على أنه سيادة الإسلام عقيدة وشريعة, واعتمد برنامج الحركة الإسلامية ثلاثة آليات رئيسية لأسلمة الدولة والمجتمع
هي التأصيل والتمكين والجهاد
وقد عرَفت الحركة الإسلامية التأصيل وطبقته على أنه إعطاء مؤسسات الدولة والمجتمع أهداف ومضامين مأخوذة من العهد الإسلامي الأول,
فقامت بتأصيل كافة مؤسسات الخدمة المدنية, وكافة القوانين, والقوات النظامية, والنظام الاقتصادي والنظام التعليمي العام.
 فأصبح هدف ومضمون العملية التعليمية – على سبيل المثال –  هو ترسيخ العقيدة الدينية لدى النشء..
وبنفس القدر تم تأصيل القوانين لكي تشمل أحكام الأحوال الشخصية والحدود بما في ذلك مادة الردة..
وتم تأصيل الإقتصاد بالتوسع في آلية الزكاة, وتحريم سعر الفائدة في البنوك والتوسع في استخدام صيغ المرابحة والمضاربة والمشاركة وما إليها..
وبذات الطريقة تم تأصيل كافة جوانب الحياة الخاصة والعامة للمجتمع والدولة
أما مصطلح التمكين فيعود جذره إلى الآية 41 من سورة الحج (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)..
ولكن عملياً طبقت عملية التمكين على أنها تولي قيادات وعضوية الحركة الإسلامية لكل المناصب المفتاحية في الخدمة العامة في السودان. ففي الفترة بين 1989 و 1993 تمت إحالة 68 ألف موظف وموظفة من الخدمة المدنية إلى الاستيداع وحلت محلهم قيادات وعضوية الحركة الإسلامية, وذلك من بين 100000 موظف وموظفة هم العدد الكلي للعاملين بالخدمة المدنية آنذاك.
أما فيما يتعلق بالجهاد, الآلية الثالثة للأسلمة, فقد طُبق على أنه استخدام القوة لتنفيذ برنامج الحركة الإسلامية وتحقيق أهدافه, وأستعمل نظام الحركة الإسلامية صيغ متعددة للجهاد في مواجهة الحركات المتمردة في جنوب السودان وفي دارفور والنيل الأزرق وشرق السودان, وأيضاً ضد التنظيمات المدنية في السجون والمعتقلات والمناطق المدنية.
تلك كانت الآليات العملية لتنفيذ برنامج الحركة الإسلامية لبناء الدولة والمجتمع على هدى وقواعد الإسلام
والعودة بالمجتمع والدولة إلى ما كانت عليه على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, ووهو ما أطلق عليه دستور السودان بأنه إقامة الدولة العابدة في السودان
والمادة 18 من الدستور الذي وضعته الحركة الإسلامية للسودان عام  1998 تلخص مفهوم “الدولة العابدة”.
تقول المادة:
“يستصحب العاملون بالدولة والحياة العامة تسخيرها لعبادة الله, يلازم المسلمون فيها الكتاب والسنة, ويحفظ الجميع نيات التدين ويراعون تلك الروح في الخطط والسياسات والأعمال الرسمية وذلك في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية – توجهاً لرضوان الله تعالى في الدار الآخرة”
2
وقد طبقت الحركة الإسلامية هذا البرنامج بكل صرامة وجدية على مدى السنوات الثلاث وعشرين الماضية
حتى في سنوات الفترة الانتقالية التي شاركت فيها الحركة الشعبية في الحكم ظل هذا البرنامج هو البرنامج المطبق في شمال السودان..
لقد مرت الآن فترة كافية انفردت فيها الحركة الإسلامية بالحكم في السودان لذلك أصبح من المشروع  بل من الواجب أن نسأل أنفسنا ونسائل الحركة الإسلامية السودانية ماذا كان حصاد هذه التجربة وماذا كانت نتائجها على الأرض..
يرصد هذا البحث الذي بين أيديكم عشر ظواهر إشكالية رئيسية صاحبت تطبيق برنامج الحركة الإسلامية في السودان (بالطبع لن يكفي الزمن لاستعراضها جميعاً ولكنني سأستعرض بعضاً منها)..
أول هذه الظواهر الإشكالية هو أن البرنامج عند التطبيق تحول إلى برنامج سلفي تقليدي. الحركة الإسلامية السودانية عرفت نفسها على أنها حركة تجديدية, ولكن التطبيق العملي كشف عن هشاشة وغموض منهجها للتجديد, فلا نجد له أثراً في التطبيق العملي..
ترتب على ذلك أن البرنامج عانى ولا زال يعاني غربة تاريخية مبدئية بالمقارنة مع الإطار الحضاري المعاصر للسودانيين..
فالشعب السوداني سبق شعوب المنطقة وثورات الربيع العربي بانتفاضتين تطلع بهما إلى الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة..
لكن تركيز برنامج الحركة الإسلامية كان في المقابل على تطبيق شريعة خالية من هذه القيم… هذه واحدة من الظواهر الإشكالية
أيضاً بسبب هذا الطابع السلفي أطلق برنامج الحركة عملية استدعاء لقضايا وأولويات العهد الإسلامي الأول, لتكون هي ذاتها قضايا وأولويات المجتمع السوداني المعاصر..
سأعطي مثالاً على ذلك:.  منذ وصول الحركة الإسلامية للحكم في السودان أخذت مسألة محاربة سعر الفائدة بالمصارف أولوية متقدمة في الخطط والبرامج والسياسات المالية على أنه ربا الجاهلية. وأنشئت لذلك معاهد دراسات ولجان للفتوى بالبنوك, وبرامج إعلامية وجلسات طويلة في المجالس التشريعة,  صُرفت ولازالت تصرف عليها موارد كبيرة..
هذا في حين أن ظاهرة مثل الزحف الصحراوي  تشكل تهديداً حقيقياً للقاعدة الحياتية للسودانيين لا تجد الاهتمام الكافي. فالصحراء الكبرى ظلت ولا زالت تزحف بمعدل 8 – 12 كلم سنوياً نحو أواسط وجنوب السودان طوال ربع القرن الذي قضته الحركة الإسلامية في السلطة, على الرغم من ذلك لا نجد أن الحركة الإسلامية تعطي محاربة التصحر معشار الاهتمام الذي توليه لمحاربة سعر الفائدة..
كل ذلك لأن محاربة ربا الجاهلية كانت من أولويات العهد الإسلامي الأول الذي ورث هذه المشكلة من العهد الجاهلي.
هناك أيضاً ظاهرة إشكالية تتعلق بأن بعضاً من عناصر ومكونات برنامج الحركة الإسلامية تتعارض تعارضاً بنيوياً مع  حقوق الإنسان. فبرنامج الحركة الإسلامية يعتمد لائحة عقوبات تعود لأكثر من 1400 عام مضت..
ترتب على تطبيق هذه اللائحة والذهنية المرتبطة بها انتهاكات جسيمة ومتواصلة حتى هذه اللحظة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية صدرت بها عشرات الإدانات لسجل حقوق الإنسان من الهيئات الدولية
من هذه الظواهر الإشكالية أيضاً أن عمليات التأصيل والأسلمة أطلقت ما يمكن تسميته بدينامية تسابق سلفي, لأنها استبدلت الحجة الدينية في الحوار الوطني والسياسي العام بالمنطق المدني. فأصبحت الحجة الدينية هي حجة التنافس السياسي والحوار الوطني العام, فخرج منه بالتالي غير المسلمين والليبراليون وأصبح الصوت الأقوى والأعلى هو صوت التشدد.. صوت الفهم النصوصي الحرفي للدين, لبساطة حجته ووفرة النصوص التي يعتمد عليها ووضوح معانيها في مجتمع تتفشى فيه ’الأمية النقدية‘,
هذا بالإضافة إلى العنف الهيكلي الذي تضمنه البرنامج…  والناتج من أن طبيعة برنامج الحركة هي طبيعة انصهارية آحادية  يسعى بها لصهر كافة مكونات المجتمع السوداني المتعدد في قالب عربي إسلامي. بينما تتطلع مكونات المجتمع السوداني المركب إلى التعبير عن الذات والفرادة . فقاد هذان الإتجهان المتعارضان إلى احتكاكات متواصلة وإلى تفشي العنف في المجتمع السوداني بحيث أصبح هو السمة الأساسية والغالبة الآن
هناك كذلك ظواهر الجمود والركود الاجتماعي والعلمي والفني والأدبي, وظاهرة الحقوق الورقية التي توجد على الورق فقط, ولا تسندها مرجعيات برنامج الحركة الإسلامية.. الخ هذه الظواهر الإشكالية التي رصدها هذا البحث
وبالإجمال غابت قيم الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة غياباً بنيوياً في برنامج وممارسات الحركة الإسلامية طوال فترة حكمها التي قاربت ربع قرن الآن. ومعروف أن هذه القيم هي قيم ضرورية لإدارة التنوع الثقافي والديني والإثني في أي مجتمع.

من الواضح أن هذه الظواهر الإشكالية هي جميعاً علامات فشل. والواقع أن هناك اتفاق يكاد يكون عاماً بين السودانيين الآن أن مشروع الحركة الإسلامية قد فشل فشلاً شاملاً في السودان, لا ينكر ذلك إلا مجموعة الأفراد الممسكين بالسلطة, وهذا مفهوم لأن الاعتراف بالفشل بالنسبة لهؤلاء ستترتب عليه استحقاقات هم غير مستعدين لدفعها.
ولا ينطلق الحديث عن الفشل هنا من معايير المعارضين فحسب, وإنما من معايير الحركة الإسلامية نفسها.
فالحركة الإسلامية قالت في برنامجها الذي استولت به على السلطة في السودان أنها تهدف لسيادة الإسلام عقيدة وشريعة لأن ذلك هو السبيل الوحيد لـ(حفظ وحدة السودان من التمزق والانشطار وللنهوض به نحو التنمية والرفاهية), كما جاء في وثائقها التأسيسية.
والآن بعد انفصال الجنوب واشتعال الحروب في دارفور وجبال النوبة وشرق السودان والنيل الازرق, وارتفاع اصوات جديدة تطالب بحق تقرير المصير فلا يمكن الحديث عن (حفظ وحدة السودان من التمزق والانشطار).
فيما يتعلق بالاقتصاد صحيح أنه تحققت بعض الانجازات في مجال الكهرباء والطرق وطفرة في مجال الاتصالات وتوسع في التعليم الجامعي إلا أنه لا يمكن الحديث عن نهضة أو رفاهية خاصة بعد انهيار أهم القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية في البلاد, مثل مشروع الجزيرة.
لذلك فإن السؤال لم يعد الآن ما إذا كان مشروع الحركة الإسلامية في السودان قد فشل أم لا, وإنما صار السؤال هو لماذا فشل مشروع الحركة الإسلامية في السودان؟
هذا هو السؤال الأهم الآن. وفي اعتقادي أنه إذا كان هدف هذا المؤتمر هو تعزيز فرص الديمقراطية في السودان وفي المنطقة عامة بعد ثورات الربيع العربي, فإن أفضل وسيلة لذلك هي الإجابة العلمية على هذا السؤال. لماذا فشل برنامج الحركة الإسلامية في السودان؟
بعض الإسلاميين السودانيين يقولون إن السبب في فشل البرنامج هو أنه جاء بانقلاب عسكري, وقد حدد ذلك مساره وفرض عليه أجندة أمنية, وهزم بذلك أهدافه حتى قبل أن يبدأ.
آخرون يقولون إن السبب في فشل البرنامج هو إبعاد القيادة المدنية التاريخية وحرمان البرنامج بذلك من علم وخبرة آبائه المؤسسين
كذلك سمعنا مؤخراً أن الأمين العام السابق للحركة الإسلامية ومرشد الجماعة في السودان حسن الترابي يقول إن السودان دولة ومجتمع لم يكن مؤهلاً لمثل هذا المشروع الطموح لأن السودان “رقعة جغرافية لا ترقى إلى وطن أكثر ما يجمع مكوناتها هو لون أهلها”
جميع هذه المقولات هي أقرب إلى أن تكون محاولات لتبرير فشل البرنامج أكثر منها أن تكون أسباباً صادرة عن دراسات جادة, لأنها لا تصمد عند الفحص والتدقيق.
الحديث عن الدولة, مثلاً, يريد إلقاء اللوم على الشعب السوداني. لقد كانت الدولة السودانية دولة واعدة عندما استولى الإسلاميون على السلطة.
علماء الإناسة يقولون إن الحكومات والسلطات المركزية نشأت أول ما نشأت في التاريخ الإنساني لإدارة منشآت الري.
 وفي السودان يوجد أكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة على مستوى العالم. وكانت به آلاف الكيلومترات من خطوط السكك الحديدية هي ثالث خطوط حديدية أنشئت في القارة, وواحدة من أفضل أنظمة الخدمة المدنية في القارة, ونظام تعليمي لا بأس به..إلخ
وعندما استولت الحركة الإسلامية على السلطة كان السودانيون في الشمال والجنوب قد توصلوا إلى إتفاق لوضع السلاح والجلوس للتفاوض حول إدارة التنوع في بلادهم, ولم يتضمن ذلك الإتفاق حتى مجرد إشارة للإنفصال أو لتقرير المصير  
باختصار كان السودان واحداً من أفضل دول القارة جنوب الصحراء, ومعظم هذه الدول تجاوزت حروبها ووجدت طريقها إلى التنمية بل وإلى الديمقراطية.
إذا أصبح السودان (رقعة جغرافية لا ترقى لوطن), فإن ذلك هو نتيجة لربع قرن من برنامج الحركة الإسلامية.. وليس سابق له.
كما أن هذا الحديث عن عدم أهلية السودانيين يكشف عن قطعية وإطلاقية فكر الإسلاميين السودانيين أكثر منه أن يقدم سبباً حقيقياً لفشل المشروع..لأن المقولة الأساسية التي روجت بها الحركة الإسلامية لبرنامجها هو أنه المنهج الرباني الذي يصلح للبشر في كل زمان مكان. ولكن عندما فشل البرنامج..  بدلاً من أن يراجع الإسلاميون أنفسهم وبرنامجهم اختاروا أن يلقوا اللوم على السودان والسودانيين
فالإطلاقية والقطعية تمنع المراجعة.. والآن تُعد الحركة الإسلامية مع العناصر المتطرفة التي أفرزتها الديناميات التي تحدثنا عنها في البحث, تعد الآن لدستور للسودان يعيد إنتاج صيغة أكثر تشدداً من ذات البرنامج الذي أكدت تجربة الحركة الإسلامية في الحكم عدم صلاحيته. لأن هذه المجموعات تعتبر أن التنازلات التي قدمتها الحركة الإسلامية في برنامجها الأول لغير المسلمين والنساء والتي يسمونها (الدغمسة) هي التي منعت بركات السماء أن تتنزل على السودانيين
 
لا يصمد أيضاً السببان الأولان بخصوص الانقلاب وإبعاد القيادة التاريخية عند الفحص والتدقيق..لأن الإنقلاب الذي وصلت به الحركة إلى السلطة لم يدبره عسكريون وإنما دبرته وأشرفت عليه الحركة الإسلامية السودانية وشاركت كوادرها المدنية في تنفيذه,
بل إن استخدام القوة لتحقيق أهداف الحركة هو جزء أصيل من برنامجها, لأنها تؤمن بالجهاد الثائر الصابر في وجه الاسبداد الذي يريد أن يطفئ نور الله, كما تقول وثائقها
كما أن العسكريين هم بعض أبناء الحركة الإسلامية تدربوا وتربوا على أيديها منذ أن كانوا طلاباً في الثانويات, والأرجح أن الحركة الإسلامية هي التي دفعت بهم إلى القوات المسلحة ليكونوا ذراعها هناك.
الذين يقدمون الانقلاب أو إنقسام الحركة الإسلامية على أنها السبب في فشل المشروع  ينكرون أمرين: الأول هو مؤسسية الحركة الإسلامية:
فمهما قيل عن برنامج الحركة الإسلامية السودانية إلا أن لا أحد يستطيع أن ينكر أنها تنظيم مؤسسي من الطراز الأول.
وكما قال  أحد قادة الحركة بحق بدت الحركة الإسلامية عشية استيلائها على السلطة أفضل طرحاً وتنظيماً من الدولة السودانية ذاتها.
فهي أكبر تجمع للمثقفين والمتعلمين السودانيين,الذين تمتعوا كأفراد بمستويات عالية من التعليم, وتمتعوا كجماعة بكفاءة  وقدرات تنظيمية كبيرة, هذا بالإضافة إلى قيادة محنكة, وموارد مالية هائلة توفرت للتنظيم من الثروات النفطية في الخليج,
كما أنه ليس هناك شك في صدق توجه عضوية الحركة الإسلامية وإخلاصها لبرنامجها. يكفي دليلاً على ذلك أن عشرين ألفاً من شباب الحركة ضحوا بأرواحهم في مناطق العمليات العسكرية دفاعاً عن برنامجها
الأمر الثاني هو أن الذين يقدمون هذين المبررين يريدون أن يقولوا إن الحركة الإسلامية لا تحكم الآن..ولكن هذا يجافي الواقع أيضاً, الحقيقة هي أن من ظل يحكم السودان منذ عام 1989 وحتى هذه اللحظة هي الحركة الإسلامية بكامل قياداتها وعضويته في العشرية الأولى وبالغالبية العظمى من هذه القيادات المدنية التاريخية والوسيطة والعضوية القاعدية.
4
لهذه العوامل يتضح أن البرنامج لم يفشل لأسباب خارجية أو لأنه لم تتوفر له موارد مادية أوبشرية وكافية وكفؤة,  وهذا هو الدليل على أن الخطأ يكمن  في البرنامج ذاته.. يكمن الخطأ في منهج البرنامج.. لأنه قد توفرت له كل عومل النجاح ولم ينجح
فالمنهج الذي تبنته الحركة الإسلامية لبناء الدولة والمجتمع يقوم على إعادة انتاج نظام الدولة والمجتمع في العهد الإسلامي الأول. وهذا مستحيل عقلاً وعلماً ومنطقاً, ومستحيل بالتجربة الإنسانية
لا يمكن إعادة تطبيق نظام للدولة والمجتمع مضت عليه 1400 ثم يتوقع منه تحقيق ذات النجاحات التي حققها آنذاك..وتجربة الحركة الإسلامية في الحكم في السودان قد أكدت ذلك بالبرهان العملي مرة أخرى.
السبب الذي تقدمه الحركة الإسلامية والحركات السلفية بصورة عامة لتبني هذا المنهج هو أنه المنهج الذي أقام به الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون المجتمع الإسلامي الأول .. بكل النجاحات التي حققها..
إلا أن الدراسة المدققة لذلك العهد والذي ظهرت خصائصه التشريعية واضحة في أسلوب الخليفة عمر في إدارة الدولة والمجتمع تكشف أن هذا غير صحيح أيضاً, لأن المنهج الذي أقام به الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون الدولة والمجتمع هو منهج “الكتاب والحكمة” وهو المنهج الذي جاءت به كل الرسالات السماوية كما يحدثنا بذلك القرآن الكريم.
فبدءاً من الآية 129 من سورة البقرة التي يدعو فيها سيدنا ابراهيم لذريته (ربنا وأبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم),
ثمّ الآية 151 من ذات السورة (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون)
وعبر عشر أيات بذات الصيغة تناولت مهام البعثة المحمدية والبعثات السماوية الأخرى.. يكرر القرآن الكريم أن منهج الكتاب والحكمة هو منهج بناء المجتمع  والدولة في الإسلام
الكتاب هو ما يكتبه ويوجبه الله تعالى على من يبعث فيهم من رسول, والحكمة هي غاية ذلك الحكم ومقصده
وبالتالي فإن منهج بناء المجتمع والدولة في الإسلام يقوم على كتاب وحكمة.. على أحكام ومقاصد.. على وسائل وغايات.
ومع كل بعثة جديدة كان الكتاب أو الأحكام أو الوسائل تتغير لتحقق الغايات والمقاصد الثابتة, لاختلاف الزمان والمكان.. هذا هو منهج بناء المجتمع والدولة في الإسلام..وهو كما هو واضح منهج تاريخي علمي
وفقاً لمنهج الكتاب والحكمة فإن الأركان الخمسة للدولة والمجتمع في الإسلام, إنطلاقاً من الحديث النبوي “بني الإسلام عي خمي” هي الكرامة والقوة والعدل والعلم والسلام.. وهي كما ترون  قيم إنسانية عامة
يترتب على ذلك أن شريعة الإسلام اليوم هي منظومة حقوق الإنسان كما طورتها التجربة الإنسانية الواعية وفصلتها العهود والمواثيق الدولية…مضافاً إليها المحرمات الإسلامية, التي هي الإضافة الإسلامية للكرامة الإنسانية,
إذا أردنا عقد مقارنة تقريبية معاصرة لفعالية المنهجين في نظام الحكم والتنمية فهي المقارنة بين منهج حزب العدالة والتنمية في حكم تركيا ومنهج الحركة الإسلامية في حكم السودان.. والنتائج التي حققها كل منهما.
الأول يسعى لتحقيق الغايات.. والثاني يطبق الأحكام ويمكننا مقارنة ما توصلا إليه من نتائج
طبعاً مع الأخذ في الإعتبار أن حزب العدالة لم يقل إنه يطبق منهج الكتاب والحكمة وإنما وجد عناصر من نظام الحكم قائمة من فترة سابقة.. ولكن يأتي إسهامه في أنه تبناها واعترف بها وأعطاها هوية إسلامية

أود أن أختتم حديثي بنتيجتين رئيسيتين لتجربة الإسلاميين في الحكم في السودان: أولاهما أن اعتماد منهج إعادة الأنتاج أو الإستنساخ السلفي كمنهج لبناء الدولة والمجتمع بتطبيق الشريعة أو جزء منها في أي مكان, سينتهي إلى ذات الظواهر الإشكالية وإلى ذات الفشل الذي انتهت إليه تجربة الحركة الإسلامية في الحكم في السودان, حتي لو جاء ذلك بآليات ديمقراطية, لأن الخلل في المنهج
قد يكون هناك اختلاف في المقدار نسبة لخصوصيات كل حركة وكل مجتمع ولكن لن يكون هناك اختلاف في النوع. اينما طبق منهج إعادة الإنتاج السلفي سيكون المصير هو الفشل كما برهنت على ذلك تجربة الحركة الإسلامية في الحكم في السودان.
والثانية أن غرس وتعزيز الديمقراطية في السودان وفي بلدان الربيع العربي وفي المجتمعات العربية والإسلامية بصورة عامة يتطلب عملية إصلاح ديني شاملة تستبدل بمنهج إعادة الإنتاج والاستنساخ السلفي منهج الكتاب والحكمة كأساس لبناء الدولة والمجتمع.
والسلام عليكم

sudanjhr@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.