مقالة بروف عبدالله التوم رداً على أندرو ناتسيوس الأمريكى

 أندرو ناتسيوس ومفاجئاته الهرطقية حول السودان

الدكتور:  عبد الله عثمان التوم *

قرأت بغضب شديد المقال الذي نشره المبعوث الأمريكي السابق إلى السودان أندرو ناتسيوس في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 24.08.2012م. أقل ما يمكن أن نقوله إن المقال يمثل إهانة صارخة لذكاء آلاف السودانيين الذين  ظلوا يتظاهرون طوال الشهرين الماضيين في السودان مطالبين برحيل البشير الذي شغف المستر أندرو ناتسيوس وبقية الدبلوماسيين الأمريكيين حباً وإعجاباً.

لا شك إن مثل هذا المقال الذي ينم عن الجهل المطبق قد وجد حيزاً بين طيات صحيفة نيويورك تايمز لمجرد شهرة المستر ناتسيوس ، وبالتأكيد ليس لما يحتويه المقال من مضمون أو رأي يقدمه للقارئ! تعتري المقال شوائب عظيمة منها السطحية واللا-إنسانية وخلوها التام من العمق والدقة الفكرية ، وهذه الأخيرة هي مبدأ بارز يميز عالم الأكاديميا ؛ حيث يعمل حالياً المستر ناتسيوس.

إنه لمن دواعي السخرية خواء ما تقوله وسائط الإعلام الغربية عن شعوب العالم الثالث ، ولا نستثنى هنا صحيفة نيويورك تايمز. إنهم يعلمون جيداً إن شعوب العالم الثالث لا يمثلون شيئاً مقارنة بالمستهلكين في عالم الغرب وبالتالي لا يعيرون إهتماماً وحيطةً في تحليلهم ، حتى وإن ساهم هذا التحليل في إذكاء المزيد من المجازر البشرية والموت والعوز.

عند الإطلاع على تحليل المستر ناتسيوس تتبادر إلى ذهنك مرافعته للحفاظ على البشير في كرسي السلطة – وهذا بمثابة رأي جنوني إذا وضعنا في الحسبان سجل البشير وما يحتويه من إبادة جماعية لمليوني شخص في جنوب السودان وجبال النوبة وما يقارب نصف المليون في دارفور و2.5 مليون نازح وإغتصاب عشرات الآلاف من النساء بالإضافة إلى العديد من المآسي الأخرى التي ذاقها الشعب السوداني المكلوم.

دعنا نتقاضى الآن عن حاجة هذا الكاتب لإحالة عاجلة إلى طبيب نفسي ، ونطرح السؤال: لماذا يا ترى يجرؤ أحد على ظهر هذه البسيطة  وبكامل قواه العقلية لتقديم وصية للحفاظ على مثل هذا الشرير في سدة الحكم؟ للأسف الشديد –  ولا أتردد في أن أقول من المخجل – تلك هي بالضبط الرسالة التي أراد البعث بها إلينا المستر ناتسيوس في محاجاته المتراتبة. إن الحفاظ على البشير في سدة الحكم أمر هام جداً للمستر ناتسيوس مما دعاه لذكره في مستهل تحليله وفي ختامه. وبالتالي فهو يحذّر صانعي القرار السياسي في الولايات المتحدة  والآخرين من أن ” المعارضة السودانية التي تعمل جاهدة للإطاحة بالبشير سوف يختلفون فيما بينهم ” ؛ ويحذّر حلفاءه في الغرب أن تغيير نظام البشير  “سوف يفتح أبواب جهنم لحرب جديدة” وأن الإطاحة بالبشير “سوف تبدد أحلامهم بمولد سودان ديموقراطي يسوده السلام”. حسناً لقد قال الخبير كلمته وما على صانعي القرار الأمريكي سوى الإصغاء. لا عليك إن مثل هذه النبوءة تبرز صورة لوطنٍ مسالمُ مع نفسه ومع شعبه لكنه سوف يتحول إلى نارٍ حية إذا ما أطيح برئيسه البشير ! الحروب المستعرة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق لا تجد نصيباً لها في منطق المستر ناتسيوس وتحليله الماكر.

دعني أقدم للسيد ناتسيوس بعض الإشادة قبل السعي لتفنيد إدعاءاته الباطلة. فبقدر ما أثار مقاله غضب الكثير من السودانيين كذلك بث بالفرحة في قلوب البعض الآخر في الوطن. حقاً يبدو المقال  كأنه عمل إعجازي كتبه أحد مستشاري البشير ، إلا أن المقال يستفزهم جميعاً (أعني مستشاري البشير) ويتحداهم فكرياً أن بأتوا بمثل هذ الدفاع القوي عن دكتاتورهم. ومع ذلك فإن المؤسسة الحاكمة في الخرطوم إهتزت طرباً لهذا المقال وأيقظ فيهم نشوة دفعتهم لتسليط الضوء عليه في الصحف اليومية التي تتحكم فيها وتحكم قبضتها عليها وكذلك في صحيفة الإنتباهة التي يملكها عم البشير ، الطيب مصطفى المشهور بغلوائه العنصري – وله الفضل في لفت إنتباهنا لهذا المقال. إذا أراد المستر ناتسيوس أن يرد بعض شرفه الذي فقده جراء فشله الذريع كمبعوث أمريكي للسودان ، فإن مقاله هذا بمثابة “آس” بل وربما أثنى البشير عن إحتقاره للولايات المتحدة الأمريكية وريثما يدفعه للتنازل عن خطابه الشعبي الذي يصدح فيه بالجهر إن “أمريكا تحت حذائي”.

ربما أبدو عنيفاً بعض الشيئ على السيد ناتسيوس وإعجابه الصريح بالبشير في غمرة ظنه السئ بالأحزاب السودانية المعارضة وكراهيته البغيضة لحركة العدل والمساواة السودانية على وجه الخصوص. ومما يعد مكسباً له أن مقاله جاء متماشياً مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان والتي ساهم فيها بنفسه خلال فترة عمله كمبعوث للسودان. في أواسط عام 2005م أخبرونا (نحن المتمردون الدارفوريون) ، سراً ، بأننا لسنا جاهزين لحكم السودان وأن علينا أن نقتسم السلطة مع البشير. تلك السياسة غير المعلنة قد أصبحت الآن معلنة بل ورسمية كذلك. لقد أعلن صراحة المبعوث الأمريكي الجديد برنستون ليمان إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية “لا تدعم الإطاحة بالبشير بل إصلاحه”. وعليه يستطيع المستر ناتسيوس أن يشعر بالفخر ، على الأقل ، لضربه الطبول في واشنطون ، أما المُثُل والمبادئ التي تنادي بها الولايات المتحدة الأمريكية مثل العدل والديموقراطية وحقوق الإنسان فإلى الجحيم.

إسهابه الكثير عن ماضي الترابي يفصح لنا عن القوة التي تدفع برؤى المستر ناتسيوس حول السياسة السودانية. نعم لقد لعب الترابي دوراً محورياً في الحركة الإسلامية السودانية لكن وقته قد إنتهى. فقد تمت إزاحته قبل أكثر من عقد من الزمان وليس مرجحاً أن يلعب أي دور محوري في مستقبل السودان. الإشكالية عند المستر ناتسيوس وجيله من الدبلوماسيين أو الدبلوماسيين السابقين إنهم تجمدوا وما زالوا قابعين في ذلك الماضي البغيض من التاريخ الإنساني. إنهم ينظرون إلى العالم من منظور التعصب الإسلامي في فترة التسعينات من القرن المنصرم التي طغى عليها شبح بن لادن وهجومه الشرير والمأساوي في الحادي عشر من سبتمبر. رغم كل هذا فإ ما يثير حيرتي هو تملقه إلينا كي نقبل البشير كبطل من شأنه أن يخرجنا من ذلك العهد. وكما يقول ناتسيوس إن الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في إقناع البشير “بالنأي عن نشر الإسلام الراديكالي وتصديره لأفريقيا” بينما إستطاع الحفاظ على “الآيديولوجية الإسلامية ومؤسساتها” في الوطن. حسناً ، لايمكن أن يكون المستر ناتسيوس أكثر خطئاً في هذه النقطة.  فالبشير لم يتغير إلا قليلاً ، فهو لا يزال يهرب السلاح للمتطرفين الإسلاميين في فلسطين ويدعم إيران في مغامراتها المشبوهة في الشرق الأوسط ويقدم الدعم للتطرف الإسلامي في الصومال. والأكثر هولاً حفاظه على “الآيديولوجية الإسلامية ومؤسساتها” في مكانها ، كما يقر المستر ناتيوس بنفسه.

على نحو غريب يدعي المستر ناتسيوس إن التحالف الثوري المعارض ضد البشير يضم العديد من المجموعات الإسلامية ، إحداها حركة العدل والمساواة السودانية ، التي “تنتهج وتستلهم من وحي رؤى الترابي الإسلامية”. يتقدم المستر ناتسيوس بهذا الإفشاء وكأنه حقيقة سببية لا تستلزم أي تبرير. لكن ما هي رؤى الترابي التي يتحدث عنها ناتسيوس؟ لم يحدد المقال هذه الرؤى لكن بوسعنا إشتقاقها من عرضه للسياسات السابقة التي تبنتها السلطة الحاكمة  في الخرطوم حينما كان الترابي جزءاً أساسياً منها: دعمه للقاعدة وإيواء قياداتها وأنصارها ؛ تصدير الآيديولوجية لأفريقيا  وما وراءها ؛ إقصاء المرأة من المنابر العامة ؛ تطبيق قوانين الشريعة ؛ إنشاء المحاكم الإسلامية الخاصة ؛ البنوك الإسلامية ؛ تحويل التعليم باللغة الإنجليزية إلى التعليم بواسطة العربية إلخ. الآن أستطيع القول بأني على معرفة تامة بكل الأدب المنشور حول حركة العدل والمساواة السودانية ؛ وذلك لأني إما قمت بإعداد المسودات أو شاركت في كتابتها أو ترجمتها أو شاركت في النقاش قبيل نشرها رسمياً.  إن منشورات حركة العدل والمساواة تختلف تماماً بل وتتعارض مع كل ما عرضناه أعلاه على لسان المستر ناتسيوس من سياسات للنظام في الخرطوم إبان مشاركة الترابي في الحكم ؛ وبالتالي فإن منشورات حركة العدل والمساواة لا تدعم فرضية المستر ناتسيوس. إن سوء قراءته وتحليله يعود لعدم تمكنه من القيام بأداء واجبه المنزلي على نحو لائق كما يعود لجهله المطبق وفكره الماكر.

لكن ثمة شيئ من الغرابة في نقد المستر ناتسيوس للترابي. إنه يقول بلسان لاذع إن “الترابي سعى لأن يكون الحكام في السودان منتخبين وأن يتمكن البرلمان من حجب الثقة عن الرئيس”. بغض النظر عن دوافع الترابي التي دعته لإقتراح هذه السلطات في السودان وإذا أخذنا في الحسبان خلفية المستر ناتسيوس كمواطن أمريكي في أرض تسلّم جدلاً بهذه السلطات بل وتمارسها منذ إستقلالها ، ألا تفتكر أن من المنصف أن يثني المستر ناتيوس على الترابي على الأقل في هذه النقطة بالتحديد؟ لكن الظاهر هو النقيض ، لسبب بسيط وهو إن مثل هذه السلطات التي إقترحها الترابي تهدد بقاء نظام البشير ورئاسته. إنه شيئ غريب لازم مبعوث القوة العظمى السابق ، نلك القوة التي ناصرت بحقٍ الديموقراطية في أرجاء العالم – وعلى نحو يقتضي الإشادة والإطراء.

في تحليله حول تكوين الجبهة الثورية السودانية يقول ناتسيوس إن حركة العدل والمساواة عارضت تبنّي المقترحات القاضية بالتمسك وإلتزامها “خيار الدولة المدنية كمبدأ أساسي”. ثم قفز بعد ذلك للإستنتاج أن حركة العدل والمساواة تدعم “قوانين الشريعة والفكرة المحورية بأن السودان دولة دينية”. إن الإستنتاج يفضح الكسل الفكري الذي لازم  المستر ناتسيوس وعدم جديته ، ذلك لأنه لم يسع لقراءة وثائق وإتفاقيات الجبهة الثورية السودانية. هذه الوثائق حبلى بالفقرات التي تعترض على “دعم الشريعة والدولة الدينية” ، حبلى بعبارات مثل دولة المواطنة وفصل الدين عن السياسة ، المساواة بين الأديان ، الفصل بين السلطات ، الحرية لعبادة كافة الآلهة إلخ.

إن الإستحواذ الفكري المطلق لمصطلح (العلمانية) قد أضحى شأناً رائجاً في الغرب وليس مقصوراً على المستر ناتسيوس. صحيحاً إن المصطلح يمتاز بالمرونة ويختلف في مضمونه من شخص لآخر. وليس من الضروري  أن نكون من أنصار نظرية ما بعد الحداثة كي نقول إن الكلمات ليست لها معاني مستقلة عن المتحدث بها ، إن طالباً في علوم اللغويات لا يناهز  الخمسة أعوام ربما يقول لك إن الناس لا يشتقون المعنى من الكلمات ؛ بل إنهم يعزون لها المعاني أو يضفونها لها. في نهاية الأمر إن الدستور (النظام الأساسي) الأمريكي قد سمح بممارسة الرق في الماضي لكنه مضى بعد ذلك وحرم ممارسته قانونياً دون تغيير في التعبير اللفظي الأصلي.

إن لفظ (العلمانى) تحفه الإشكاليات التي لا يجوز ردها لعبارات أو دلالات لفظية مبسطة ، فهذا اللفظ له وقعُ أو رنين مختلف في العالم الإسلامي ويحمل معاني خاصة لا تشاركها الشعوب في أوربا أو أمريكا الشمالية. ففي السودان كما في سائر الدول الدول الإسلامية الأخرى يعكس هذا المصطلح آيديولوجية معادية للديانات والكتب المقدسة. بهذا المفهوم يكون المصطلح مصحوباً بالإشكاليات ، ويمثل قدحاً عند العديد وفي ذات الحين غير ديموقراطي روحاً ومضموناً. لا أتفق مع الرؤى القائلة إن (العلمانية) هي ضد الدين ولكني أقر بشيوعية مثل هذا الفهم الخاطئ وسط الجمهور في السودان. لهذا السبب خلصت الجبهة الثورية السودانية لإجماع حول إستخدام مصطلح (الدولة المدنية) ، بمعنى دولة المواطنة أو الدولة اللا-دينية. أما تلك الجزئية من الجدل والمتعلقة بموضوع دعم الشريعة الإسلامية فهذه من وحي خيال المستر ناتسيوس ولم تكن أبداً جزءاً في المداولات التي أدت لتوقيع الإتفاق بين الأطراف المكونة للجبهة الثورية السودانية.

يبدو جلياً من هذا الرد على المبعوث الأمريكي السابق للسودان إن المستر ناتسيوس لم يكن مواكباً للتطورات في السودان خلال الثلاثين سنة الماضية. إن فهمه للوعي الذي طرأ على المهمشين في السودان ، بما فيهم حركة العدل والمساواة السودانية ، يعتريه الضعف الشديد. إن من السخف أن يفترض المستر ناتسيوس أن حركة العدل والمساواة تقاتل من أجل إعادة مُثُل ومبادئ الترابي. بل في واقع الأمر إن الثورة التي تقودها حركة العدل والمساواة هي ضد كافة الأحزاب التقليدية ورؤاها ، دون إستثناء حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي.

وأخيراً ليس ثمة عيب في الجهل لكن العيب عدم مواجهته وتركه دون فعل. وبالتالي فإنني أدعو المستر ناتسيوس البدء في تعلُّمه عن السودان قبل مزاولة مخاطبته الآخرين عمّا يدور في هذا الوطن. إن كان له شيئ من التواضع والسعي لطلب العون في هذا الشأن فإني لا أجد مانعاً يحول دون ذلك.

 

* الدكتور عبد الله عثمان التوم هو  أمين التخطيط الإستراتيجي لحركة العدل والمساواة السودانية

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.