المحكمة الجنائية الدولية والسودان

المحكمة الجنائية الدولية والسودان ..
بقلم: دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
ftaha39@gmail.com

1- التوصية بالإحالة
بموجب قرار مجلس الأمن 1564 (2004) والذي نص على أن المجلس يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق، طلب المجلس من الأمين العام «أن يقوم على وجه السرعة بإنشاء لجنة تحقيق دولية تضطلع فوراً بالتحقيق في التقارير المتعلقة بإنتهاكات القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان التي ترتكبها جميع الأطراف في دارفور، ولتحدد أيضاً ما إذا وقعت أعمال إبادة جماعية، وتحديد هوية مرتكبي تلك الإنتهاكات لكفالة محاسبة المسؤولين عنها…..».

وقد شكلت اللجنة برئاسة انطونيو كاسيسيه أستاذ القانون الدولي المرموق وأول رئيس للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. قدمت اللجنة تقريرها للأمين العام في 25 يناير 2005 وأوصت فيه بشدة بإحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عملاً بأحكام المادة 13 (ب) من نظامها الأساسي. كما ذكرت فيه أن نظام العدالة في السودان قد أثبت عدم قدرته على التحقيق مع مرتكبي هذه الجرائم وعدم رغبته في ذلك.
وعددت لجنة التحقيق ست مزايا للجوء إلى المحكمة الجنائية، كان بضمنها:
– إن المحكمة أنشئت وفي الحسبان الجرائم التي يمكن أن تكون تهديداً للأمن والسلم. وهذا هو السبب الرئيسي في أنه يجوز لمجلس الأمن تحريك إختصاص المحكمة.
– إن إجراءات التحقيق والمحاكمة في السودان لأشخاص يتمتعون بالسلطة والنفوذ ويسيطرون على جهاز الدولة أمر صعب، بل مستحيل.
وقد رأت اللجنة أن المحكمة الجنائية الدولية هي الطريقة الوحيدة ذات المصداقية لتقديم الجناة المفترضين إلى العدالة. ونصحت اللجنة بقوة بعدم إتخاذ تدابير أخرى مثل إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة لدارفور مثلما حدث في يوغسلافيا السابقة وفي روندا بسبب تكلفتهما والبطء في مقاضاة الأشخاص الذين صدر في حقهم قرار إتهام وفي معاقبتهم. يضاف إلى ذلك أنه لن تكون هناك إرادة سياسية لدى المجتمع الدولي لأنشاء محكمة جنائية دولية خاصة لدارفور طالما أنه توجد مؤسسة جنائية دولية دائمة ومكتملة. وأوضحت اللجنة أن إحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولي بقرار من مجلس الأمن يعتمد بموجب الفصل السابع من الميثاق سيكون له أثر إلزامي وبهذه الطريقة لا تستطيع حكومة السودان إنكار إختصاص المحكمة تحت أي ظرف.

2- قرار الإحالة
تمت الإحالة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 بتاريخ 31 مارس 2005 متصرفاً بموجب الفصل السابع من الميثاق. ورد في القرار:
– أن الحالة في السودان لا تزال تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين.

– إحالة الوضع القائم في دارفور منذ 1 يوليو 2002 إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية (التاريخ المذكور هو تاريخ دخول نظام روما الأساسي حيز النفاذ).
– أن تتعاون حكومة السودان وجميع أطراف الصراع الأخرى تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعي العام وأن تقدم إليهما ما يلزم من مساعدة.
كما حث القرار الدول غير الأطراف في نظام روما والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية أن تتعاون تعاوناً كاملاً.
وقرر المجلس كذلك «إخضاع مواطني أي دولة من الدول المساهمة من خارج السودان لا تكون طرفاً في نظام روما الأساسي، أو مسؤوليها أو أفرادها الحاليين أو السابقين، للولاية الحصرية لتلك الدولة المساهمة عن كل ما يدعي إرتكابه أو الإمتناع عن إرتكابه من أعمال نتيجة للعمليات التي أنشأها أو أذن بها المجلس أو الإتحاد الإفريقي، أو فيما يتصل بهذه العمليات، ما لم تتنازل تلك الدولة عن هذه الولاية الحصرية تنازلاً واضحاً» – الفقرة 6 من القرار.
أجيز القرار بـ 11 صوتاً ولم يصوت ضده أحد. وأمتنعت عن التصويت البرازيل والجزائر والصين و الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد التصويت قالت مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية إن الأفضل كان إنشاء محكمة مختلطة في أفريقيا. وأكدت أن بلادها لا تزال تعترض على ممارسة المحكمة الجنائية إختصاصها على رعايا الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي، بمن فيهم المسؤولين الحكوميين لأن ذلك يمس طابع السيادة في جوهره. وأوضحت أن بلادها قررت عدم الإعتراض على القرار بسبب حاجة المجتمع الدولي للتضافر بغية إنهاء الإفلات من العقاب السائد في السودان، ولأن القرار يوفر الحماية من التحقيق والملاحقة لرعايا الولايات المتحدة وأفراد القوات المسلحة التابعين للدول غير الأطراف في نظام روما (الإشارة هنا إلى الفقرة 6 من القرار).
وقال مندوب الصين إن بلاده تفضل مثول مرتكبي الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان أمام النظام القضائي السوداني. وأضاف أن بلاده لا تقبل أن تمارس المحكمة الجنائية الدولي ولايتها ضد إرادة دول ليست أطرافاً في نظام روما الأساسي ويصعب عليها أن تقبل أي تخويل من مجلس الأمن لممارسة مثل هذه الولاية. وأبدى مندوب الإتحاد الروسي أن بلاده تؤمن بأن قرار مجلس الأمن سيساهم مساهمة فعالة في الكفاح ضد الإفلات من العقاب في دارفور. وقال كذلك إن كل المتهمين بإرتكاب إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يجب أن ينالوا العقاب الواجب.
أما مندوب السودان فقد وصف القرار بأنه غير حكيم. وأبدى أن القرار جاء حافلاً بالإستثناءات بإعتبار أن الدول المعنية بتلك الإستثناءات ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية. وبنفس القدر يذكر أن السودان ليس عضواً في المحكمة.

3- الأساس القانوني للقرار 1593 (2005)
إن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي وقد أكدت دائرة ما قبل المحاكمة نفسها ذلك في قضية المدعي العام ضد هارون وكشيب (الففقرة 16 من الحكم). لذا سيكون مثول المتهمين من السودان أمام محكمة الجنايات الدولية على أساس القرار 1593 (2005). إذن ما هو السند القانوني لهذا القرار في ميثاق الأمم المتحدة؟ وهل تجاوز المجلس صلاحياته؟
أولاً: وفقاً للمادة 39 من الميثاق فإن مجلس الأمن يتمتع بسلطة مطلقة لتقدير ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل من أعمال العدوان. وقبل أن يباشر سلطة تكييف ما وقع أو حتى بعد تكييفه، يجوز للمجلس منعاً لتفاقم الموقف أن يدعو الأطراف المتنازعة إلى الأخذ بما يراه ضرورياً من تدابير مؤقتة – مثل وقف إطلاق النار (المادة 40).
ثانياً: إذا ثبت للمجلس توافر حالة تهديد للسلم مثلاً، فله أن يقرر ما يراه من تدابير قسرية يتخذ بها قرارات تكون ملزمة بموجب المادة 25 من الميثاق لصون السلم أو الأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما. وهذه التدابير قد لا تستلزم إستخدام القوة العسكرية. وقد عددت المادة 41 على سبيل المثال لا الحصر عدداً من هذه التدابير مثل وقف الصلات الإقتصادية والمواصلات الحديدية والجوية والبريدية واللاسلكية وقطع العلاقات الديبلوماسية. وقد تتضمن التدابير إستخدام القوة العسكرية بموجب المادة 42. ولا يرد على سلطة المجلس في هذا المجال قيد عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما الوارد في المادة 2 (7) من ميثاق الأمم المتحدة.
ثالثاً: في القرار 1556 (2004) والقرار 1564 (2004) ومتصرفاً بمقتضى الفصل السابع قرر مجلس الأمن أن الوضع في السودان يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين ولإستقرار المنطقة. وورد في القر ار 1593 (2005) أن الحالة في السودان لا تزال تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين.
رابعاً: يلاحظ أنه في القرار 1593 (2005) لم يحدد مجلس الأمن مادة الفصل السابع التي قرر بموجبها إحالة الوضع في دارفور إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. ولكنها لن تكون سوى المادة 41 من الفصل السابع فقد أعطت هذه المادة مجرد أمثلة للتدابير غير العسكرية التي يمكن أن يقررها مجلس الأمن. ولكن قائمة التدابير التي يمكن أن يتخذها المجلس بموجب المادة 41 ليست حصرية.
ونشير في هذا السياق إلى القضية التي نظرتها دائرة إستئناف المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة وهي المدعي ضد تاديك Tadic. فقد طعن تاديك في سلطة مجلس الأمن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة وفي إختصاص المحكمة. ولكن دائرة الإستئناف برئاسة القاضي انطونيو كاسيسيه قررت أنه يجوز لمجلس الأمن إنشاء المحكمة وأسست سلطته للقيام بذلك على المادة 41. وقالت الدائرة إنه من الواضح أن التدابير المذكوره في المادة 41 مجرد أمثلة توضيحية ولا تستثني أو تستبعد تدابير أخرى. كل ما تتطلبه المادة 41 هو ألا تشمل هذه التدابير إستخدام القوة.

4- هل الصراع في دارفور نزاع داخلي؟
بما أن الإحالة من مجلس الأمن بمقتضى المادة 13 (ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تتطلب أن يتصرف المجلس بموجب الفصل السابع من الميثاق، فقد دأب بعض المعلقين على القول بأن الصراع في دارفور حرب أهلية أو نزاع داخلي ولذلك تنطبق عليه المادة 2 (7) من الميثاق التي لا تسوغ للأمم المتحدة التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. من الواضح أن مثل هذا الرأي لا يأخذ في الإعتبار ما يلي:
1- إن معظم صراعات اليوم تدور داخل دول وليس بين دول.
2- في البيان الذي أصدره مجلس الأمن في 31 يناير 1992 عندما انعقد على مستوى القمة ذُكر «أن غياب الحروب والنزاعات العسكرية بين الدول لا يعني بالضرورة استتباب السلم والأمن». وذُكر أيضاً أن المصادر غير العسكرية قد أصبحت تشكل تهديداً فعلياً للسلم  والأمن الدوليين. وتلك المصادر تتمثل في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية والبيئية.
3- إن التطور في مجال قانون حقوق الإنسان وفي القانون الإنساني الدولي قد انعكس بشكل واضح في تكييف مجلس الأمن للحروب الأهلية والصراعات الداخلية كمهددات للسلم والأمن الدوليين. فنشوب الأزمات الإنسانية وعمليات التشريد الجماعي للسكان أصبحت تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين. وقد أدى كل ذلك إلى تقليص مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية المنصوص عليه في المادة 2 (7) من الميثاق. وعلى سبيل المثال نورد ما يلي:
– في القرار 713 (1991) أبدى مجلس الأمن قلقه من أن إستمرار القتال في يوغسلافيا الذي يسبب خسائر فادحة في الأرواح وأضراراً مادية وما يرتب من نتائج لبلدان المنطقة يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
– في القرار 794 (1992) وجد مجلس الأمن أن حجم المأساة الإنسانية في الصومال والتي زادت من حدتها العقبات التي توضع أمام توزيع المساعدات الإنسانية تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
– في القرار 788 (1992) قرر المجلس أن تدهور الحالة في ليبيريا يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين وبخاصة في غرب أفريقيا ككل.
– في القرار 841 (1993) إعتبر مجلس الأمن تدهور الحالة الإنسانية في هاييتي تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
– في القرار 955 (1994) إعتبر المجلس أن الإنتهاكات الواسعة والصارخة للقانون الإنساني الدولي التي إرتكبت في روندا تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وتأكيداً لما تقدم نورد هنا أن دائرة إستئناف المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة تناولت في قضية المدعي ضد تاديك مسألة سلطة مجلس الأمن لإستدعاء الفصل السابع فقد قالت إن ممارسة مجلس الأمن غنية بحالات الحرب الأهلية والصراع الداخلي التي كيّفها كتهديد للسلام وتعامل معها بموجب الفصل السابع بتشجيع وحتى بطلب من الجمعية العامة كأزمة الكونغو في بداية الستينيات ومؤخراً ليبيريا والصومال. وهكذا يمكن القول إن هناك فهماً عاماً أفصح عنه السلوك اللاحق لأعضاء الأمم المتحدة بشكل عام وهو أن التهديد للسلم بمقتضى المادة 39 يمكن أن يشمل كأحد أنواعه الصراعات الداخلية المسلحة.

5- ولاية أو إختصاص المحكمة Jurisdiction
يقتصر إختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة والتي تكون محل إهتمام المجتمع الدولي بأسره وهي:
(أ) جريمة الإبادة الجماعية.
(ب) الجرائم ضد الإنسانية.
(ج) جرائم الحرب.
(د) جريمة العدوان: ولكن المحكمة لن تمارس ولاية على هذه الجريمة حتى تتفق الدول الأطراف في نظام روما الأساسي على تعريف هذه الجريمة والشروط التي تمارس بموجبها المحكمة الولاية. ولهذا الغرض سيعقد مؤتمر للدول الأطراف في نظام روما في عام 2010.
بموجب المادة 13 من نظام روما تمارس المحكمة إختصاصها أو ولايتها على أي من الجرائم أو ب أو ج في الحالات التالية:
(أ) إذا كانت الإحالة من قبل دولة طرف في نظام روما.
(ب) إذا كانت الإحالة من مجلس الأمن متصرفا بموجب الفصل السابع من الميثاق.
(ج) إذا بدأ المدعي العام للمحكمة بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم.
ولكن المادة 12 (2) من نظام روما تتطلب إستيفاء شروط مسبقة قبل أن تمارس المحكمة إختصاصها في حالة الفقرة (أ) والفقرة (ج) من المادة 13 وهذه الشروط هي:
– أن تكون الجريمة قد وقعت في إقليم دولة طرف أو دولة تقبل ولاية المحكمة.
– إذا كان المتهم من رعايا دولة طرف أو دولة تقبل بإختصاص المحكمة.
ولا تنطبق المادة 12 (2) كما هو واضح من النص على حالة الإحالة من مجلس الأمن بمقتضى المادة 13 (ب). إذ ينعقد الإختصاص بغض النظر من جنسية المتهم أو مكان وقوع الجريمة. وقد أكدت ذلك دائرة ما قبل المحاكمة في قضية المدعي العام ضد هارون وكشيب. فقد ذكرت الدائرة في الفقرة 16 من قرارها أن المادة 12 (2) لا تنطبق إذا كانت الإحالة من مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع ووفقاً للمادة 13 (ب) من النظام الأساسي. ففي هذه الحالة – والقول لا يزال للدائرة – يجوز للدائرة أن تمارس ولايتها بالنسبة للجرائم المرتكبة في إقليم دول ليست أطرافاً في النظام الأساسي ومن قبل رعايا دول ليست أطرافاً في النظام الأساسي.

6- التكامل Complementarity والمقبولية Admissibility
ورد في الفقرة العاشرة من ديباجة ميثاق روما الأساسي أن المحكمة الجنائية الدولية ستكون مكملة للإختصاصات القضائية الجنائية الوطنية. وقد نصت المادة 17 (1) من النظام على أن الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية تكون غير مقبولة إذا كان التحقيق أو المقاضاة تجري من قبل دولة لها إختصاص عليها، إلا إذا كانت هذه الدولة غير قادرة أو غير راغبة في القيام بالتحقيق والمقاضاة. وقد نصت المادة 17 (2) على عدة أمور يمكن أن ينظر فيها لتقرير عدم الرغبة. ومن هذه الأمور إذا وجدت أدلة أنه قد إتخذت تدابير أو قرار وطني بغرض حماية الشخص المعني من المسؤولية الجنائية، أو إذا حدث تأخير لا مبرر له في التدابير بما يتعارض مع نية تقديم الشخص المعني للعدالة أو لم تباشر التدابير بشكل نزيه ومستقل. ويكون تحديد عدم القدرة إذا إنهار النظام القضائي الوطني كلياً أو جوهرياً أو لم يتوافر على إحضار المتهم أو الحصول على الأدلة والشهادة الضرورية.
ويبدو أن لجنة تحقيق دارفور قد وصلت إلى قناعة بأن مبدأ التكامل لا ينطبق في حالة السودان. فقد قالت «إن نظام العدالة في السودان غير قادر وغير راغب في التصدي للوضع في دارفور. فقد أُضعف هذا النظام إلى حد كبير خلال العقد الماضي. وأضعفت القوانين التقييدية التي تمنح سلطات واسعة للسلطة التنفيذية فعالية السلطة القضائية إضعافاً شديداً. والواقع أن كثيراً من القوانين السارية في السودان اليوم تتعارض مع معايير حقوق الإنسان الأساسية. والقوانين الجنائية السودانية لا تحظر على نحو كافٍ جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية مثلما وقع في دارفور، وقانون الإجراءات الجنائية يشتمل على أحكام تمنع المحاكمة الفعالة على هذه الأعمال. وبالإضافة إلى ذلك أبلغ كثير من الضحايا اللجنة بأن ثقتهم قليلة في نزاهة نظام العدالة في السودان وفي قدرته على تقديم مقترفي الجرائم الخطيرة المرتكبة في دارفور إلى العدالة. وعلى أي حال، فإن الكثيرين يخشون الانتقام إذا لجأوا إلى نظام العدالة الوطني».
مهما يكن من أمر، ففي قضية المدعي ضد هارون وكشيب قالت دائرة ما قبل المحاكمة إنه حتى تكون القضية مقبولة، فإنه شرط لازم ألا تشمل الإجراءات المتخدة وطنياً الشخص المطلوب أو السلوك موضوع القضية أمام المحكمة الجنائية الدولية. وعلى أساس الأدلة والمعلومات التي توفرت لها، وجدت الدائرة أن التحقيق الذي تجريه السلطات السودانية مع كشيب يشير إلى نفس الشخص المذكور في طلب الإدعاء ولكنه لا يشمل السلوك موضوع الإدعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية. وذكرت الدائرة كذلك أنه وفقاً للمدعي فإنه لا يوجد مؤشر على أن هارون يحقق معه. كما لا يوجد مؤشر على أنه قد تم تحريك محاكمة ضد هارون أمام الولاية الوطنية إزاء أي جريمة تتعلق بالوضع في دارفور. وخلصت المحكمة إلى أن القضية ضد هارون وكشيب تقع ضمن ولايتها ويبدو أنها مقبولة.

7- طلب فتوى أو رأي إستشاري من محكمة العدل الدولية
يتردد على نطاق واسع أن السودان سيطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تصدر خلال دورتها التي ستبدأ في سبتمبر المقبل قراراً بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية حول ما إذا كان لمجلس الأمن سلطة إصدار قرار بإحالة رعايا دولة ليست طرفاً في نظام روما إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومن المفيد أن نذكر هنا أن محكمة العدل الدولية هي الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة. وبالإضافة إلى سلطة القضاء في المنازعات بين الدول، فإن للمحكمة إختصاص إستشاري. ولكن هذا الإختصاص غير متاح للدول وإنما لمجلس الأمن والجمعية العامة ولأجهزة الأمم المتحدة الأخرى ووكالاتها المتخصصة إذا أذنت لها الجمعية العامة بذلك وكان الأمر متعلقاً بمسألة قانونية داخله في نطاق عملها (المادة 96 من الميثاق).
إن محكمة العدل الدولية ليست ملزمة بإعطاء الفتوى أو الرأي الإستشاري إذا قررت أن هناك سبباً أو أسباباً ملحة تبرر ذلك. وإذا حصل وأعطت الفتوى فإنها لا تلزم الجهة التي طلبتها وبالطبع فإنها لن تلزم المحكمة الجنائية الدولية. فالمحكمة مستقلة وقد إعترفت الأمم المتحدة بموجب إتفاق تفاوضي مع المحكمة الجنائية الدولية بأن المحكمة مؤسسة قضائية دائمة مستقلة ذات شخصية قانونية دولية. كما أعترفت المحكمة بمسؤوليات الأمم المتحدة وفقاً للميثاق. وفصلت المادة 17 من الإتفاق مسألة التعاون بين المحكمة ومجلس الأمن. ولكن كرأي قانوني صادر من أعلى مرجعية قضائية دولية، فإن فتوى محكمة العدل الدولية لها قيمة قانونية وأدبية كبيرة.
ويعتقد كثيرون أن محكمة العدل الدولية لن تعطي نفسها صلاحية المراجعة القضائية Review  Judicial لقرارات مجلس الأمن عندما يتصرف بموجب الفصل السابع ويصدر قرارات ملزمة. فليس في ميثاق الأمم المتحدة أو نظام المحكمة الأساسي ما يخول لها ذلك. وإذا أعطيت المحكمة مثل هذه السلطة فسيعني ذلك نهاية فاعلية مجلس الأمن وإهتزاز نظام الأمم المتحدة. ففي مؤتمر سان فرنسيسكو الذي أجيز فيه ميثاق الأمم المتحدة طرحت بلجيكا إقتراحاً بأن تُعطي محكمة العدل الدولية هذه السلطة ورفض هذا الإقتراح. وكان من بين الرافضين الإتحاد السوفييتي السابق وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة. وحري بالذكر أن المحكمة ذاتها قالت في فتواها بشأن بعض نفقات الأمم المتحدة إنه لا يوجد إجراء لتحديد أو إتخاذ قرار بشأن صحة أعمال أجهزة الأمم المتحدة، وقالت أيضاً في فتوى ناميبيا إنها لا تملك صلاحية المراجعة القضائية أو الإستئناف بالنسبة لقرارات أجهزة الأمم المتحدة المعنية.
على أية حال يبدو من التصريحات الرسمية أن الرأي الحكومي قد انعقد على عدم المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي رأينا أن مسألة تشكيل محاكم سودانية خاصة أو إحالة الأمر إ لى القضاء السوداني ستطرح صعوبات قانونية وإجرائية لا حصر لها. وعلى أية حال، فهذه المسألة قد تجاوزها الزمن وفات أوانها. فالتعامل مع قضية كشيب وهارون لم يترك للسودان في هذا المجال صدقية يُركن إليها. لقد بدأت العجلة في الدوران ولن يوقفها إلا مجلس الأمن بموجب المادة 16 من نظام روما. تخول هذه المادة لمجلس الأمن أن يطلب من المحكمة الجنائية الدولية بقرار يصدر منه بموجب الفصل السابع عدم البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة لمدة إثني عشر شهراً. ويجوز للمجلس تجديد الطلب. ويكون ذلك إذا رأى مجلس الأمن بمقتضى مسؤوليته الرئيسية أن استمرار الإجراءات القانونية سيكون ضاراً بالسلم والأمن الدوليين. أو قدر المجلس مثلاً أن إيقافها ضد قائد ما سيسمح بإبرام اتفاقية سلام. إن السودان قد ينظر في استثمار المادة 16. ولكن النجاح سيكون رهناً بإدارة ملف المحكمة وعلاقات السودان بالدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن بحكمة ومهنية وعقلانية.

* أعدت هذه الورقة في عام 2008 ونُشرت في نطاق محدود.

http://www.sudanile.com/2008-05-19-17-39-36/992-2011-11-26-18-17-43/41840-2012-06-27-05-33-26.html

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.