“السودان ليس سوريا”: حتى لا تنحرف الثورة السودانية

عبدالوهاب الأفندي
“السودان ليس سوريا”: حتى لا تنحرف الثورة السودانية

اعترفت الحكومة السودانية، قولاً وفعلاً، بأنها تواجه أزمة غير مسبوقة مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد سياساتها المالية والاقتصادية الأخيرة، وتصاعد الدعوات لإسقاطها بين المتظاهرين. فقد اعترف الإعلام الرسمي بوجود وتنامي المظاهرات، بعد ان كان يتجاهلها في السابق، ويصف ما يرشح عنها من أنباء بأنه من قبيل الأوهام وتمني الأماني. وتسابق المسؤولون في الحديث عن التفريق بين المظاهرات السلمية المحمية دستورياً، والتخريب الذي سيتم التصدي له بحسم. وقد بلغ الأمر أن الرئيس نفسه تحدث عن المظاهرات، مقللاً من شأنها، وملمحاً إلى استنفار أنصار النظام و “المجاهدين” للتصدي لها، مع التأكيد بالا حاجة لذلك، وأن التصدي سيكون عبر أجهزة الدولة.

عملياً، قامت الحكومة بتطويق مقرات الأحزاب المعارضة واعتقال الناشطين، كما عمدت إلى اعتقال الصحفيين المشتغلين بتغطية الاحتجاجات. وقد تصدت الشرطة والأجهزة الأمنية ب “حزم شديد” للمظاهرات، تماماً كما هددت السلطات. ولا شك أن هذا الاستنفار غير المسبوق، والإجراءات “الاستباقية” تعبر عن قلق عميق لدى المسؤولين من خطورة الاحتجاجات، رغم التهوين الرسمي من شأنها. وقد تلخصت الاستراتجية حتى الآن في محاولة القضاء على التظاهرات في المهد، وعدم السماح لها بالتمدد خارج نطاق نقاط انطلاقها.

هناك إذن دلائل تشير إلى أننا أمام تطور نوعي، وبوادر هبة شعبية غير مسبوقة، تشير جزئياً إلى عودة الروح إلى شرايين الحياة السياسية في السودان على مستوى الشارع والساحات العامة بعد طول كمون. وسيكون لهذه التحركات أثرها في تحفيز التغيير السياسي، والتسريع به. وليس بالضرورة أن يكون هذا الأثر فورياً. فالمتتبع لمسار الثورات العربية (والثورات السودانية السابقة) يلاحظ أن التحركات الممهدة تستغرق وقتاً قد يصل إلى عدة سنوات قبل أن تؤتي أكلها. ففي مصر وتونس بدأت التحركات الاحتجاجية التي تبلورت حول حركة كفاية في مصر وتحالف 18 أكتوبر في تونس عام 2005. وفي السودان نفسه تم التمهيد لثورة أكتوبر 1964ىبانتفاضة مهجري السد العالي بدءاً من عام 1961، والاحتجاجات النقابية والطلابية خلال عام 1963 وعواقب تصاعد حرب الجنوب في العام نفسه. وفي عهد النميري، بدأت موجات الاحتجاجات مع انتفاضة شعبان (أغسطس- سبتمبر 1973) الطلابية والنقابية، ثم انتفاضات متوالية، كان آخرها في يناير عام 1982، وهو نفس العام الذي شهد إقالة معظم قيادات الجيش وحل الحكومة بعد أن أخذ الرئيس النميري يواجه عزلة حتى داخل نظامه.

توفرت الكثير من شروط قيام ونجاح الانتفاضة الشعبية في السودان، من أبرزها عزلة النظام، حتى وسط قطاعات هامة من أنصاره، وزيادة النقمة الشعبية عليه بين الغالبية الكاسحة، وبوادر تبلور وحدة المعارضة، إضافة إلى كثرة الأزمات التي تحيط بالبلاد، ومن أبرزها الأزمة الاقتصادية الطاحنة. ولعل المستغرب هو أن الانتفاضة لم تقع، كما كان الكثيرون يتوقعون، مع ظهور نتيجة استفتاء الجنوب في يناير عام 2011، وتصويت أكثر من 98% من الجنوبيين للانفصال.

وقد ساهمت عدة عوامل في تأخير التحرك الشعبي، من أبرزها تعقيدات السياسة  السودانية، وخاصة استمرار التوتر والنزاعات المسلحة في دارفور ومناطق أخرى، إضافة إلى استمرار الخلافات مع دولة الجنوب الجديدة. إضافة إلى ذلك كانت هناك توقعات ببدء حوار بين الحكومة والمعارضة يؤدي إلى توافق على دستور جديد وإعادة ترتيب أمور البلاد بعد انفصال الجنوب. وبنفس القدر فإن تعثر محاولات توحيد المعارضة، إضافة إلى نجاح الحكومة في استقطاب أحد أهم أحزابها، وهو الحزب الاتحادي الديمقراطي، إلى صفوفها وتحييد منافسه الأبرز، حزب الأمة، قد أضعف المعارضة كثيراً. وفوق كل هذا فإن تفجر الحرب مع الجنوب، واستمرار التمرد المسلح من قبل حركات سياسية من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، صب في مصلحة النظام. فمن جهة، أخرج هذا النزاع المسلح قوى سياسية مهمة، مثل جناح الشمال في الحركة الشعبية، من المعادلة السياسية. ومن جهة أخرى، زاد الاستقطاب من السند الشعبي للحكومة. ويرجع قرار الاتحاديين بالدخول في حلف مع النظام، وتردد حزب الأمة في دعم المعارضة، إلى التخوف من أن يؤدي الاستقطاب والتصعيد العسكري من قبل المعارضة المسلحة إلى ضرب الاستقرار وانفراط عقد البلاد.

ولكن هذه التطورات لم تغير من طبيعة النظام الأحادية ولا من أساليبه القمعية الإقصائية، حيث أن دخول قوى المعارضة في الحكم لم يترجم إلى مشاركة حقيقية في السلطة وإنما أدى، بالعكس، إلى تدجين الأحزاب المشاركة وابتلاعها من قبل النظام. وقد دفع اليأس من الإصلاح، إضافة إلى التدهور الاقتصادي المريع، بالكثيرين إلى تبني خيار المواجهة مع النظام باعتبارها السبيل الوحيد إلى التغيير.

ولكن التحركات الأخيرة حملت معها ملامح مقلقة قد تؤدي إلى تعثر وفشل الثور ما لم يتم تداركها. بداية نجد أن الشعارات التي تبناها بعض الداعين إلى الانتفاضة هي شعارات تكرس الانقسام. على سبيل المثال نجد أن أحد الشعارات التي حملتها الدعوة كانت تحمل عبارة تقول أن الانتفاضة هي انتفاضة “ضد الكيزان”، وهو تعبير تستخدمه قوى اليسار وبعض الخصوم الآخرين لوصف الإسلاميين السودانيين. ورفع شعار للانتفاضة باعتبارها موجهة ضد قطاع من الشعب، بدلاً من أن تكون ضد نظام قمعي، هي وصفة لحرب أهلية لا لانتفاضة ديمقراطية. ذلك أنه حتى في سوريا لم يقل الثوار هناك بأن هذه ثورة ضد العلويين او ضد البعثيين، وإنما النظام هو الذي يستخدم مثل هذه التوصيفات. بل حتى في اوروبا الشرقية لم يقل الثوار أن انتفاضاتهم كانت ضد الشيوعية والشيوعيين. ذلك أنه ليس من الحكمة في شيء استعداء قطاعات من الشعب، حتى لو كانت أقلية. وتصبح المسألة إشكالية أكثر كون قطاعاً مهماً من الإسلاميين، على رأسهم المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ حسن الترابي (الذي اقتبست تسمية الإسلاميين ب “الكيزان” من عبارة منسوبة إليه) يشارك في الاحتجاجات، بل ويقودها.

إضافة إلى ذلك فإن خطاب بعض دعاة الثورة الموجه لأنصار النظام، كما تابعته على مواقع الانترنيت، يطفح بالتهديد والوعيد، من نوع: لقد جاء اوان الفتك بكم، وانتظرونا لو كنتم رجالاً، وما إلى ذلك من العبارات الفجة. وإذا لم يكن من الحكمة استعداء اي قطاع شعبي مهم، فإن من الحماقة أن يتوعد دعاة ثورة مدنية يخوضها مدنيون عزل خصومهم بالويل والثبور وعظائم الامور، لأن ذلك هو تحديداً ما يريده النظام لتبرير الإجراءات القاسية ضدهم.

ما كان مزعجاً اكثر في بعض خطاب دعاة  الثورة هو بعض التلميحات القبلية والعرقية، بل ما هو أسوأ من ذلك. فقد اطلعت مثلاً على تصريحات لقيادي يساري من دعاة نصرة المهمشين والمستضعفين، يعير فيها بعض قادة نظام الإنقاذ بأصولهم الفقيرة!! مثل هذا الخطاب الذي يجنح إلى الإسفاف، لا يتسق مع نبل الاهداف الثورية، ويزيد من الاستقطاب الذي يعوق العمل الثوري السلمي.

أخيراً هناك دور الفصائل السياسية المسلحة، التي دعاها البعض إلى التدخل ل “حماية الثورة”. وقد كنا كررنا مراراً من قبل أن جنوح بعض الفصائل السياسية إلى العمل المسلح، مهما كانت مبرراته، يعوق الجهود الرامية إلى التغيير السياسي السلمي المنشود. ويتعقد الأمر أكثر حين يفيض الخطاب “الثوري” باتهامات للقوات النظامية بأنها عبارة عن ميليشيا تابعة للنظام، إلى درجة تصل إلى رفض أن تلعب أي دور في إسقاط النظام. مثل هذا الاستعداء للقوات النظامية، مع المطالبة بدور لجهات مسلحة هي ميليشيات بحق وحقيقة، وذات سند سياسي وجهوي محدود، يتضاءل عند بعضها إلى فخذ القبيلة الواحدة، هو وصفة للتفتيت والاستقطاب والاحتراب، لا للانتقال الديمقراطي.

هناك بالمقابل نقطة إيجابية مهمة، تمثلت في إعلان قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال والجبهة الثورية ان الحركات ستضع سلاحها حال تغيير النظام. وهذه بالقطع مبادرة مهمة تساهم في تصحيح الأوضاع. ولكن النظام في السودان لن يتغير بدون مشاركة الإسلاميين، وبالقطع ليس بدون مشاركة القوات المسلحة، أو تحييدها على الاقل. فالإسلاميون في السودان، رغم ما ارتكب باسمهم من كبائر، قوة لا يستهان بها. ولم تنجح قط ثورة عربية لم يشارك فيها الإسلاميون، ناهيك عن أن تكون ضدهم. ولا عبرة هنا لما يقوله خصوم الإخوان في مصر بأنهم التحقوا بالثورة متأخرين، فهذا زعم تكذبه الوقائع، حيث أن هناك تصريحات مثبتة لقيادات الإخوان قبل انطلاق ثورة 25 يناير بأن الأجهزة الأمنية هددتهم بالويل والثبور لو شاركوا في المظاهرة، ولكنهم رفضوا التهديد. وتجمع قوى الثورة بأن الإخوان لعبوا الدور الابرز في حماية ميدان التحرير يوم موقعة الجمل، وبالتالي ضمنوا نجاح الثورة.

لكل هذا فإن ضرورات نجاج الثورة السودانية المرتقبة بأقل كلفة ممكنة يتطلب اول ما يتطلب تبني خطاب سياسي متزن وغير إقصائي، والتبشير بسياسات تصالحية تستوعب الجميع. ثم هو يتطلب ثانياً الابتعاد عن استعداء القوات النظامية بدون تمييز، كما يستدعي من الفصائل المسلحة أن تنأى بنفسها عن الخوض في الأمر، إلا إذا قررت سلفاً وضع السلاح واختيار أسلوب العمل السلمي. وفوق ذلك، لا بد من فتح قنوات التواصل مع جميع القوى السياسية، وإنشاء “تنسيقيات” للثورة تشارك فيها كل القوى الفاعلة، وتتفق على برامج مستقبلية أساسها ترسيخ الديمقراطية واعتمادها منهجاً.

يبقى أن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار، ولا يزال الخيار المفضل هو أن تتقدم الحكومة بمبادرة مؤتمر وطني يتوافق على ملامح دستور جديد وخطوات توافقية لانتخابات مبكرة. أما إن لم يتيسر ذلك، فلا بد لأنصار النظام، وقيادات القوات المسلحة، من النظر في اتخاذ خطوات تضمن عدم انجرار البلاد إلى الفوضى والانهيار. ولا شك أن التحركات الشعبية الحالية، إذا تم إحسان تنظيمها وإدراتها، ستشجع بعض القوى الفاعلة داخل الحكم على اتخاذ القرارات الصائبة التي تجنب البلاد ما هو أسوأ بكثير. ولكن الأهم من كل ذلك هو أننا نرجو أن ينأى الإسلاميون من مناصري النظام من أن يتحولوا إلى “شبيحة” يمارسون العنف دفاعاً عن النظام، لأن السودان هو حقاً ليس سوريا!

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\25qpt699.htm&arc=data\2012\06\06-25\25qpt699.htm

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.