ماذا بعد إغتيال قائد حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم؟!!/د. محمد مراد – براغ

ماذا بعد إغتيال قائد حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم؟ د. محمد مراد – براغ

انتهى عام 2011 بخيره وشره ودخلنا فى عام جديد لم تتضح معالمه بعد ولا نريد أن نتكهن بما سيحدث فى العام الجديد خاصة أن تجربة العام الماضى علمتنا درساً لن ننساه وهو حدوث المفاجآت الكبرى الأمر الذى يعنى أهمية عدم الاسترخاء والرضوخ والاعتماد على الحتميات التاريخية التى لا نعلم متى تحدث ونخرج من هذا الواقع المزرى المأساوى الذى تعيشه شعوبنا الصامدة المصابرة والتى لم يبق لها من الصبر إلا قليله.

العام 2011 كان عاماً فريداً من نوعه إذا ما قورن بالأعوام التى سبقته وما جرى فيها من أحداث عظام وتطورات غير منظورة . لذلك وصف عام 2011 بعام المفاجآت التى من دون شك ستغير مجرى التاريخ فى العالم العربى وليس مستبعداً أن يمتد أثرها الى ما جاورنا من المناطق المحيطة والبعيدة لأن العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة كما يبرهن ويؤكد الواقع المتغير بفعل التكنولوجيا وثورة المعلومات والاتصالات الالكترونية.

من كان يتوقع أن استشهاد البوعزيز سيشعل ثورة فى تونس تجبر الطاغية وأسرته على الهروب وتفتح الطريق وتمهده لإحداث تغيير جذرى فى بنية المجتمع وحياة أهل البلد الذين عاشوا غرباء فى ارضهم. المفاجأة الكبرى كما أسلفنا، أن أخبار الثورة وأثرها قد امتدت النار فى الهشيم لتزعج وتقلق منام الطغاة المستبدين من حكام العالم العربى الذين تهاوت عروشهم فى مصر وليبيا ولن يطول الانتظار حتى نشهد نهاية على عبدالله صالح وبشار الأسد وخليفه بن سلمان فى البحرين.

أود فى هذا السياق أن أشير الى المقالة التى كتبتها عند اندلاع الثورة فى تونس والتى نشرتها صحيفة الميدان تحت عنوان “رياح التغيير تهب على الشمال الأفريقى” فهاهو العالم يشهد اليوم أن رياح التغيير امتدت الى الجزء الشرق آسيوى والى جنوب الجزيرة العربية. من يدرى أن رياح التغيير ستتوقف عند هذا الحد وان تمتد الى بقية بلدان العالم العربى التى تشهد حراكاً جماهيرياً  يشبه تماماً ما حدث فى بلدان الربيع العربى.

ما تبقى من أنظمة الاستبداد فى العالم العربى قد أدرك حكامها أن إرادة التغيير لا غالب لها ولذلك بدأوا فى اتخاذ خطوات وتبنى مشاريع عساها تخرجهم من الورطة التى هم فيها وتنجيهم من حدوث الكارثه التى باتت وشيكة الحدوث.

الثورات الشعبية السلمية كلفت الشعوب العربية تضحيات غالية جمة حيث سالت الدماء فى الميادين وشوارع المدن وفى الأرياف واستشهد مئات الآلاف من المواطنين رجالاً ونساءً، كهولاً وشباباً وأطفالاً ومن تبقى زج به فى المعتقلات والسجون. باختصار يمكن القول أن إراقة دماء المواطنين أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس اليومية غير العادية وإذا اختصرنا الحديث بالإشارة الى ما يرتكبه نظام البعث فى سوريا من جرائم، لا نجد الكلمات المناسبة لوصف بشاعة ما يحدث من إبادة جماعية للمواطنين سوى سوق بيت الشعر القائل: من لم يمت بالسيف مات بغيره ** تعددت الأسباب والموت واحد.

ألا يكفى ما سفك حتى الآن من دم وأعراض هتكت ومساكن حرقت واخرى دمرت وكرامة أهينت؟!! فى حقيقة الأمر لم يبق شيء للحكام العرب كى يفعلوه سوى ممارسة العنف والقمع ضد المواطنين وقتل خصومهم السياسيين.

إن مسألة اغتيال خليل ابراهيم ليست مسألة عابرة أو حدثاً فاقد الأهمية يمكن المرور عليه مرور الكرام وإيداعه ذاكرة النسيان. إنه حدث مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأزمة العميقة التى تجتاح المجتمع السودانى والصراع الضارى على السلطة الذى بدأت تلوح بوادره منذ فجر الاستقلال. متخذاً أشكالاً سياسية سلمية وعسكرية طاحنة مستمرة حتى اليوم. سجل ضحايا ذلك الصراع كثيرين مدنيين وعسكريين أن خليل ابراهيم يعتبر رقماً فاعلاً فى ذلك الصراع تاريخه معروف فى إطار الجبهة القومية الإسلامية وجبهة الانقاذ ومشاركته الجهادية فى الحرب الأهلية فى جنوب السودان. بعد تكوين جبهة العدل والمساواة اختار النضال المسلح طريقاً لتحرير أهله فى دارفور والعمل لاسقاط السلطة فى الخرطوم.

احتدام الصراع بين السلطة وحركته والحركات الدارفورية الأخرى، وتدويل القضية السودانية دفعه الى الحوار مع السلطة فى المنابر الدولية التى كان آخرها منبر الدوحة الذى انتهى بالفشل وعقد صفقة بين السلطة وحركة التحرير والعدالة بقيادة الدكتور التجانى السيسى الذى أعلن ولاءه التام للسلطة ومشاركته الحرب ضد أهله فى دارفور.

إن اعلان مقتل خليل ابراهيم من قبل الناطق الرسمى للقوات المسلحة السودانية وتحمل مسئوليتها فى هذا الجرم أثار موجة من الغضب والاستياء فى نفوس الكثيرين من ابناء وبنات الشعب السودانى الذين يطالبون وينادون ويناضلون من اجل ايقاف الحرب الأهلية وإزالة بؤر التوتر والعمل على ايجاد الحلول السلمية التى تعيد الحقوق المسلوبة الى اصحابها وتوفر فرص الحرية والعدالة والاستقرار. إلا أن سلطة الانقاذ أبت الاستماع الى صوت العقل واختارت السير فى طريق الاقتتال الى آخر الشوط.

اغتيال خليل لن يغير الواقع الموضوعى الذى انتج اسباب الحرب فى دارفور وأشعل نيرانها التى خرجت عن السيطرة وامتد لهيبها الى جنوب كردفان والنيل الازرق. الآن تكتلت الحركات المسلحة فى تلك المناطق فى اتحاد كاودا الثورى الذى أعلن صراحة اسقاط النظام بقوة السلاح. بذلك وضعت البلاد أمام تحد جديد يستهدف فى المقام الأول السلطة ومن ناحية أخرى يضع قوى المعارضة السياسية والشعبية أمام تحد جديد. السؤال الذى يطرح نفسه ماذا هم فاعلون؟!

بالنسبة للسلطة وحزبها الحاكم المؤتمر الوطنى الأمر محسوم والخيار واضح وهو مواصلة الحرب حتى ولو امتد اشتعالها الى جميع أجزاء السودان. بالنسبة لمعارضة الاحزاب السياسية ممثلة فى تجمع قوى الاجماع فهى غير متجانسة وفاقدة للرؤية السياسية الواضحة والثبات على المواقف المعلنة والاهم من كل ذلك فقدانها لبرنامج للعمل يعبىء الجماهيرويشجعها ويحفزها على النضال.

ليس غريباً أن ينقلب السيد الصادق المهدى زعيم حزب الأمة على تجمع الأحزاب السياسية المعارضة ويعلن معارضته لخطها الرامى لاسقاط النظام ويشكك فى فاعليتها وقدراتها وهو الذى كان اكثر المتحدثين باسمها والمروج لشعاراتها. لا مجال هنا للاسترسال فى مواقف الصادق المهدى المتأرجحة خاصة فى حالات الانعطاف التى تمر بها الحركة السياسية فى نضالها ضد الأنظمة الديكتاتورية. المتتبع لأقوال وتصريحات السيد الصادق المهدى للمراسلين يذكرون أنه عندما فضل المشاركة فى نظام جعفر النميرى وغادر ساحة النضال ضد الدكتاتور والديكتاتورية مبرراً موقفه بقولته الشهيرة (الصلح خير). وبينما كان التجمع الوطنى الديمقراطى منخرطاً فى المعركة ضد نظام الانقاذ لخص السيد الصادق موقفه الى ما عرف بتهتدون بعد ان خرج من السودان وعاد اليه وكأن شيئاً لم يحدث. فى هذا الصدد أقول أن تلك المواقف لا تشرف ولا تشبه الشعب السودانى المناضل.

أما مولانا السيد محمد عثمان المرغنى الذى وضع يده فى يد الانقاذ وشارك حزبه فى الحكومة الجديدة المسماة بحكومة الجبهة العريضة، فقد خيب آمال اعداد كبيرة من افراد الشعب السودانى الذين منحوه ثقتهم وتأييده كقائد للتجمع الوطنى الديمقراطى بصفته اكبر تجمع فى تاريخ المعارضة السودانية والذى اصدر فى مؤتمره عام 1995 الوثيقة البرنامجيه التى اطلق عليها اسم القضايا المصيرية والتى تعتبر مرجعاً هاما لكل من يسعى لوضع برنامج نضالى للحقبة التى تمر بها حركة المعارضة. فى تقديرى ليس هناك من سبب وجيه ومقنع لتبرير الخطوة التى اقدم عليها السيد محمد عثمان الميرغنى سوى الرغبة الجامحة فى تحقيق مصالح خاصة به وبمن حوله من القادة الذين يكتبون ويدبجون له المبادرات ويقومون بتسويقها وترويجها. أما ما ينفع الناس لا يوجد له مكان فى دائرة السيد فى الوقت الحاضر.

بالنسبة لنا فى الحزب الشيوعى كانت الجماهير دائماً تتطلع لرؤية مبادرة الحزب ونداءاته وبياناته الداعية للنضال ضد الانفراد بالسلطة والديكتاتورية والاستبداد والشمولية. كما أنها تثمن عالياً صمود وتضحيات الشيوعيين.

معركة اليوم الفاصلة ضد نظام الانقاذ تتطلب تعزيز وتطوير موقف الحزب الثابت من عملية اسقاط النظام وعلى قيادة الحزب واجب طرح برنامج النضال الواضح المركز الذى يشمل ويغطى الجبهات الأساسية التى تشكل المعركة الفاصلة ضد النظام وعلينا ألا ننسى وتصطحب معها تجاربنا الفكرية والسياسية السابقة المضمنة فى وثيقة الديمقراطية مفتاح الحل والحلقة المفقودة جبهة  لانقاذ الوطن.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.