درب الاربعين في عيون الرحالة../ بقلم شاكر عبدالرسول

درب الاربعين في عيون الرحالة بقلم شاكر عبدالرسول


لم تنل طرق القوافل التجارية التي كانت تربط ممالك دارفور القديمة بالعالم الخارجي حظا وافرا من الدراسة والاهتمام وذلك لاعتبارين اساسيين :
اولا: ان تلك الممالك لم تهتم كثيرا بالتدوين حيث غلبت على احداثها ووقائها الروايات الشفوية التي تتناقلها الاجيال جيلا تلو جيل
ثانيا : ان عصر الثورة الصناعية و التوسع الاستعماري قد شهد اهتماما بالطرق البحرية دون البرية
ومهما يكن من شيئ فان التصور التقليدي في الاقليم يشر الى وجود ثلاث طرق رئيسة  تربط المملكة بالعالم الخارجي في الفترة ما بين القرني السابع و الثامن عشر وهي: 1- طريق يربط بين المملكة والممالك المنتشرة في حوض تشاد ويمر بمدينة كبكابية بدارفور ومنه الى اقليم كردفان وسنار وشندي والبحر الاحمر ثم الى الاراضي المقدسة . ويحمل هذا الطريق الحجيج من  برنو وكانم وغيرهما من المناطق في طريقهم الى الحجاز . وكثيرا ما استقر هؤلاء  الحجيج في القرى الدارفورية في اثناء ترحالهم , و البعض منهم تزاوج وتصاهر في المجتمع الدارفوري وبقى حتى اخر حياتة . واغلبهم عمل بفتح الخلاوي في القرى لتعليم الصغار.
2- طريق يربط بين دارفور وطرابلس وتونس , ويرى المؤرخون بان اهمية هذا الطريق بدأ بعد ان اهتم السلاطين بالحصول على الاسلحة من شمال افريقيا . 3- طريق يربط بين مدينة الفاشر و مدينة اسيوط في جمهورية مصر العربية وهو درب الاربعين الذي نحن بصدد تسليط الاضواء عنه.
بلا شك ان هذا التصور قد يترك في الذهن الكثير من الاسئلة التي تتسم بالغموض وسنحاول باماطة اللثام عن بعضها مثل ما هي  القوافل التي تسلك الطريق؟ وما هي مواسم سيرها ؟ واين كانت تتوقف ؟ وكم كانت تكاليف السفر فيها ؟ وكيف حالها بين الامس واليوم ؟ فمن خلال احاديث الرحالة وهما : محمد بن عمر التونسي و وليم براون ( ومختصر رحلة براون موجودة في مقدمة كتاب ابن عمر التونسي ) نلحظ بان رحيل قافلة التجار تبدأ في الفترة الممتدة بين شهري سبتمبر وابريل حيث تنخفض درجات الحرارة في هذه الاشهر, ويزاد الطلب على الجمال في مصر , وعلى الملبوسات القطنية  في دارفور وفي اسواق غرب افريقيا. وكانت القافلة تنظم تنظيما دقيقا ويعتمد  التنظيم على رئيس القافلة ومن مهامه تحديد اوقات الحل والترحال , والفصل في الخصومات التي تنشب بين المسافرين , وتمثيل القافلة لدى السلطات . بالاضافة الى رئيسها فان القافلة تضم الدليل والمؤذن ورجال الامن واشخاص لربط الامتعة وتحميلها على الجمال. ووظيفة المؤذن ايضا اذاعة اوامر رئيس القافلة للتهيؤ للرحيل او المبيت او اعلان حالة الطوارئ اذا تعرضت القافلة لخطر لصوص الصحراء. وهنالك اشخاص يقومون بطهي الطعام ويحصلون على اجورهم من اعيان القافلة او التجار. وهكذا تكون القافلة مجتمعا صغيرا متحركا وفي داخل هذا المجتمع تتوزع المهام واحيانا تختلط الامور ,  قد يجد المرء شخصا ويظن بانه طالب ازهري او تاجر او رحالة يدون الاحداث ولكنه في الحقيقة يعمل مخبرا لجهة ما,  قد يكون ابن عمر التونسي او براون واحدا من اولئك المشكوكين وقد لا يكونا ايضا.  واما عن تكاليف الرحلة فلم يذكر لنا احد منهم عنها , غير اننا نعتقد بان هذا يتوقف على مكانة الشخص في القافلة وكمية البضائع التي يريد ترحيلها. ومن حيث محطات الطريق يتفق الرحالان بان بلدة ايبرس الواقعة بالقرب من اسيوط اولى محطاته وهذا بالطبع للشخص القادم من مصر, ثم تليها محطة المغس في الصحراء , وبعدها بئر الزغاوي , ثم المرزوب واخر محطاته بئر السوينة الواقعة بقرب الفاشر ويوجد فيها محطة جمركية ومكتب للأمن ومنها تتوزع القافلة الى اسواق دارفور , وهنالك قافلة خاصة تتحرك الى القصر السلطاني بطقوس ومراسم معينة . وكان وصول القافلة الى هذه المحطة يعد بمثابة حدث عالمي , حيث ينتشر دوي الخبر الى كل ارجاء دارفور والممالك المجاورة ويتدفق التجار والعمال من كل صوب ليشهدوا المنافع. وهذه المسافة تستغرق اربعين يوما فلذلك سمي الطريق بدرب الاربعين وهي فترة طويلة ولكننا ماذا ننتظر من قافلة تتألف ما بين (1500 الى 2000 ) بعيرا وتسير في طريق صحراوي ومحملة بالبضائع والامتعة. اما رحلة الذهاب ( الفاشر – اسيىوط) قد تسلك القافلة نفس هذه المحطات غير انها محملة بالعاج وريش النعام والصمغ والنحاس. ويتميز رحلة الذهاب باشعار الدوبيت التي ينشدها المسافرون ويعبرون فيها من خلالها عن شجاعتهم ومقاومتهم للطبيعة القاسية , ويستشف الانسان من اشعارهم سمتان بارزتان هما : الاعتداد بالنفس وايمانهم بالربح والخسارة كقول احدهم:
سفرة بتديك واخرى بتشيل من جيبك…………
وسفرة بتوريك عيب رفيق من عيبك………..
وكما ان  قطاع الطرق ايضا كانوا يقفون لهم بالمرصاد ويعبرون عن رؤيتهم للمهنة كقولهم:
الليلة كن شافونا من ارواحنا ما بنفكوا ……….
انحنا المسلطين من الله للمابزكوا……………
لقد اهتم سلاطين دارفور بهذه الطرق وخاصة درب الاربعين وكانت التجهيزات تجري على طول الطريق من حفر الابار وصيانتها, واقامة الحبوس لتاديب قطاع الطرق, واقامة الربط لعابري السبيل والحجاج . وربما السبب الاساسي من هذا الاهتمام هو ان السلاطين والقوات انفسهم  كانوا من الممولين الاساسيين للقافلة التجارية , وكما ان الطريق ارتبط في وجدانهم بحدث ديني هام هو تلك الكساوي التي كان يبعثها اولئك السلاطين الى خدام الحرمين الشريفين . هذا هو باختصار  عن درب الاربعين بمعالمه الحضارية كما شاهده الرحالة . والطريق اليوم تغير الكثير من معالمه و لم يسلكه الا فئة قليلة من تجار الابل كما ان الاحوال الامنية  فيها لم تكن باحسن حال قبل ثلاث قرون.
مساعد تدريس بجامعة لويزفيل – كنتاكي.    
 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.