باقان أموم لـ «الشرق الأوسط»: قرار وقف إنتاج النفط في جنوب السودان كان اضطراريا.. وفقدنا 98% من عائدات الدولة

كبير مفاوضي دولة جنوب السودان: يمكن أن نحرز تقدما في القضايا العالقة إذا رغبت الخرطوم بذلك

مصطفى سري
شددت دولة جنوب السودان على التمسك بموقفها التفاوضي مع حكومة السودان في ما يخص القضايا العالقة، مجددة اتهاماتها للخرطوم بسرقة نفط الجنوب والاستيلاء عليه دون وجه حق. غير أن جوبا اعتبرت أن جولة المفاوضات السابقة كانت جيدة بالنسبة لها؛ لأن المواقف أصبحت واضحة، ورهنت التوصل إلى اتفاق في قضية عبور نفطها إلى التصدير عبر السودان، بجملة من الشروط، تتصل بأن يدفع الأخير قيمة ما تم الاستيلاء عليه، وعدم سرقة وعرقلة نقل النفط، ووقف الاعتداءات على الدولة حديثة الاستقلال، والخروج من الأراضي التي تحتلها في أبيي، كفياكانجي، حفرة النحاس، وغيرها.

وقال باقان أموم، كبير مفاوضي جنوب السودان، الأمين العام للحركة الشعبية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، قبيل استئناف المفاوضات بين جوبا والخرطوم، إن شعب بلاده خرج في مظاهرات تأييدا لقرار حكومة الجنوب بوقف ضخ النفط وتصديره عبر السودان، ومع اعترافه بأن وقف إنتاج النفط يؤثر على ميزانية الدولة التي تعتمد على 98% من عائداته، فإنه قال إن القرار شكل اعتزازا للشعب الجنوبي، وإنها فرصة للإنتاج في المجالات غير النفطية، متهما الخرطوم بمارسة الرق ضد 35 ألفا من مواطني الجنوب يقيمون في مناطق في شمال السودان. وقال أموم إن عدم ترسيم الحدود بين البلدين سببه المؤتمر الوطني الحاكم، مشيرا إلى أن الوصول إلى اتفاق يتوقف على رغبة الحاكمين في الخرطوم. وأضاف أن حكومته أوقفت دفع المنحة لسد الفجوة المالية للسودان بعد انفصال الجنوب، المقدرة بمبلغ 2.6 مليار دولار، بسبب ما وصفه بالنوايا السيئة للخرطوم تجاه بلاده. وفي ما يلي نص الحوار..

* تقتربون من الشهر منذ إعلان إغلاقكم آبار النفط ووقف تصديره عبر السودان، ألا تشعرون بمخاطر هذا القرار وأنتم دولة جديدة؟

– قرار وقف إنتاج النفط وضخه عبر الأنابيب وتصديره عبر السودان كان قرارا اضطراريا، وقد فقدنا 98% من عائدات الدولة، وقد أجبرت الدولة على اتخاذ هذا القرار؛ لأن الحكومة السودانية فرضت حصارا اقتصاديا منذ مايو (أيار) الماضي، وقامت بإغلاق الحدود المشتركة وسرقة النفط، ورفضت حتى أن تعطينا وقودا من نفطنا المسروق، واضطررنا إلى شرائه من دول شرق أفريقيا، كما استغلت قيادات معروفة في الحزب الحاكم في الخرطوم الحصار الاقتصادي المضروب علينا، فقامت بتهريب السلع لبيعها بأسعار عالية في الجنوب بعد أن منعوا التجار الشماليين من توريدها إلى الجنوب.

الخرطوم هي التي بدأت الحرب الاقتصادية ومارست القرصنة ونهبت نفطنا إلى جانب احتلالها أراضي في جنوب السودان بما فيها أبيي، مع هذا الوضع يستحيل أن تقوم جمهورية جنوب السودان بمواصلة ضخ نفطها وتصديره عبر السودان؛ لهذا عندما قررت الحكومة وقف إنتاج النفط وتصديره عبر الشمال خرج الجنوبيون في المدن والأرياف تأييدا للقرار، بل إن بعضهم قالوا لنا لقد تأخرتم في هذا القرار؛ لأنهم رأوا النوايا السيئة من الدولة السودانية.

* وماذا استفادت دولة الجنوب من هذا القرار، خاصة أنك تحدثت عن أن النفط يمثل 98% من إيرادات الدولة؟

– كما ذكرت سابقا، إن شعب جنوب السودان وقف مع القرار وأيده؛ لأن فيه عزة لهم، كما أنه يعزز الاستقلال الحقيقي اقتصاديا وسياسيا، وأن القرار فرصة لأن يلتفت الجنوبيون إلى موارد أخرى مثل المعادن من الذهب والنحاس وغيرهما، والاتجاه إلى تطوير الزراعة وربطها بالصناعة، وهذا سيزيد من الدخل القومي، بالإضافة إلى إيجاد بدائل لتصدير النفط عبر كينيا أو إثيوبيا إلى جيبوتي، وسنقوم بإنشاء مصفاة للنفط في دولتنا، الأمر الذي سيخلق فرص عمالة كبيرة في صناعة النفط والبتروكيماويات والصناعات المتعددة المرتبطة بالنفط ومجالاته، وسيحرك اقتصاد الدولة. وكانت الخرطوم من الناحية الاستراتيجية قد قررت، قبل وقت طويل، أن تكون مراكز معالجة النفط في الشمال تحسبا لقرار استقلال الجنوب حتى تقوم بابتزاز الجنوبيين؛ لذلك فإن قرار إيقاف إنتاج النفط وتصديره عبر السودان هو فرصة جيدة لخلق أمة ودولة قوية قادرة على حماية مصالح شعبها.

* ما مستقبل نقل بترول جنوب السودان على ضوء تطورات الجولة الأخيرة؟ ولماذا لم تتوصلوا إلى اتفاق؟

– بالطبع انتهت الجولة إلى الفشل، إلا أننا، كطرفين متفاوضين، اقتربنا كثيرا من الواقع والحقيقة؛ فالحكومة السودانية اعترفت بعدم وجود أساس لمطالبتهم بـ36 دولارا لترحيل البترول وأنه فقط لتغطية العجز المالي الذي سببه خروج عائدات النفط من ميزانتهم العامة؛ إذ لا يوجد في صناعة النفط الدولية ما يسمى رسوما سيادية لتغطية عجز ما! ومن الناحية الأخرى أثبتت جمهورية جنوب السودان أن لحكومة السودان وللاتحاد الأفريقي الحق، كل الحق. ويمكن أن نتقدم إليه في حال سيطرة على الخرطوم نزعتها للنهب التي تعودت عليها، والقبول بالواقع الجديد، واقع وجود دولتين تحتاجان إلى بعضهما البعض وفق معادلة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل بين الطرفين والوعي المشترك بمصالح الآخر. ولا يمكن أن نتوصل إلى حلول ونحن في القرن الحادي والعشرين تعمل دولة على نهب وسرقة موارد دولة أخرى لتسد عجزا ما في ميزانيتها. الأمر الطبيعى أن يلجأ السودان في حالة اضطراره إلى تغطية عجزه إلى جيرانه، بمن فيهم جنوب السودان، لمساعدته في إدارة أزمته الاقتصادية، لا أن يلجأ إلى أسلوب القرصنة الذي تعودوا على ممارسته باستخدام القوة حتى مع ضيوفهم من الصينيين والماليزيين الذين يديرون عملية إنتاج ونقل النفط، وقد كتب رئيس الشركة الصينية «PDOC» لوزير النفط والتعدين بحكومة جمهورية جنوب السودان لإطلاعه على أن الخرطوم أكملت بناء خط أنابيب يربط مناطق إنتاج البترول في أعالي النيل بمصفى الخرطوم في خطوة أحادية وبفرض القوة، وهو خطاب يعتبر إدانة كبيرة للخرطوم ولحكومة المؤتمر الوطني. إذن انهيار هذه الجولة يرجع إلى الخرطوم التي تحاول فرض مبلغ كبير على مرور نفطنا إلى التصدير، وهذا المبلغ لا أساس له، وهم أيضا لا يريدون أن يدفعوا لنا قيمة ما قاموا بنهبه من النفط، ونحن مستعدون وبشكل إيجابي لفتح صفحة جديدة مع السودان.

* هل الجنوب على استعداد لمساعدة السودان للخروج من أزمته المالية الحالية؟

– أكد الرئيس سلفا كير، مرارا وتكرارا، أننا سنكون جارا للسودان وعلى استعداد لتقديم مساعدة له للخروج من أزمته الاقتصادية؛ لذلك وافقنا على مقترح فريق الاتحاد الأفريقي بتقديم ما قيمته 2.6 مليار دولار لهم، وأضفنا إليه إعفاء ديوننا على الخرطوم بما يقدر بـ2.8 مليار دولار، لكنه رفض مبدأ المساعدة، هذا يدل على أن الإخوة في قيادة الحزب الحاكم لم يستفيقوا من الكابوس ولم يتحرروا من عقليتهم القديمة ليتقبلوا حقيقة أن جنوب السودان أصبح دولة مستقلة وتمارس سيادتها على مواردها، بل لجأوا إلى تحويل بترول الجنوب وأخذه بالقوة، الأمر الذي لا يختلف عن الهيمنة والنهب اللذين تمت ممارستهما في الفترات الماضية، على الرغم من أن الرئيس سلفا كير وجه الوفد المفاوض ببذل أقصى جهد ممكن لتقديم مساعدة للسودان لإدارة أزمته الاقتصادية على الرغم من أن الجنوب بحاجة لتلك المساعدات في التعليم والخدمات والبنى التحتية.

* قيادات في الحركة الشعبية تعتبر أن تلك المساعدات التي كنتم تريدون تقديمها ستذهب لدعم المجهود الحربي للخرطوم في حربها بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق؟

– عائدات النفط أضرت بمصالح الشعب في دارفور وفي مناطق أخرى من السودان لأنها استخدمت في شراء الأسلحة وتمويل المجهود الحربي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والآن الخرطوم تشن حربا في جنوب كردفان والنيل الأزرق وإزاحة المناصير في أقصى الشمال، التنمية القائمة الآن لا تعود إلى المواطن، وهذه أزمة الدولة السودانية التي كنا جزءا منها، وما زالت مستمرة في شن الحروب على مواطنيها، ولأن نوايا الخرطوم سيئة، ليس فقط في حربها التي تخوضها ضد مواطنيها، فإنها أيضا ظلت تقوم بشن هجوم مستمر على دولة جنوب السودان؛ لذلك قررنا أن نلغي هذا الدعم المقدر بـ2.6 مليار دولار.

* وإذا تم الاتفاق بينكم في الجولة المقبلة، هل ستعيدون تمرير النفط عبر السودان للتصدير؟

– قيادة الحركة الشعبية والجنوب اتخذتا قرارا استراتيجيا لمواصلة وفدهما في التفاوض وبذل أقصى جهد ممكن للوصول إلى حل، والاتفاق لضمان عبور بترول جنوب السودان عن طريق السودان وفق رسوم عبور عادلة حسب التجربة والممارسة الدولية في صناعة النفط، بالإضافة إلى سلامة نفط الجنوب حتى وصوله إلى المشترين، وعلى الخرطوم أن تخرج من المناطق التي تحتلها في جنوب السودان، بما فيها أبيي، وأن توقف العدائيات، وألا تعود مرة أخرى لنهب النفط وأن تضمن عبوره إلى أن يصل إلى المشترين وأن تتعامل بشفافية مع دولة جنوب السودان، وأي اتفاق يجب أن يتم بضمانة دولية.

* كانت بين الخرطوم وجوبا خلافات حول أسعار نقل النفط عبر الشمال إلى التصدير، هل ما زالت المواقف كما هي أم أن هناك تراجعا؟

– لم نتوصل إلى حل حول أسعار عبور النفط، والسودان طلب مبالغ معينة لتغطية العجز خلال 4–5 سنوات، فقرر الحصول عليها من عائدات نفط الجنوب وتوصلوا إلى أن 36 دولارا للبرميل قد تغطي ذلك العجز، وهذه القيمة لا تستند إلى أي معايير في صناعة النفط في العالم. فقد حددت بأن ندفع 18.5 دولار للترحيل عبر الأنابيب، و5 دولارات لبرميل النفط الواحد لعملية المعالجة التي تتم في الشمال، وأدخلت الخرطوم شيئا جديدا، هو أن ندفع مبلغ 6.5 دولار رسوم خدمات الميناء، ورسوم العبور 6 دولارات، وقالت إنها ستدفع 3.8 دولار للشركات، إذن سيعود إلى السودان 32.2 دولار. ومن ثم فإن الخرطوم أسندت لوكيل وزارة النفط مهمة شاقة لتبرير المبلغ المطلوب على الرغم من خبرته الطويلة في مجال صناعة النفط؛ حيث عمل في عدة دول أوروبية وفي أميركا، وهي دولة تتعامل بمهنية كبيرة في ذلك المجال. من جانبنا تحصلنا على معلومات دقيقة لكل الأمثلة التي تقدموا بها لتبرير تلك المبالغ وأثبتنا لهم عدم دقتها وتناقضها أيضا؛ فمثلا تدفع أذربيجان لجورجيا 18 سنتا، ولتركيا 28 سنتا وتدفع تشاد للكاميرون 41 سنتا لترحيل بترولها، واخترنا النموذج الأخير وعدلناه نسبة لطول خط الأنابيب الشرقي (ولاية الوحدة إلى بورتسودان) وقررنا أن ندفع 69 سنتا للبرميل الواحد، وبالنسبة لخط الأنابيب الغربي (أعالي النيل بورتسودان) قررنا أن ندفع 63 سنتا، أما رسوم المعالجة وخدمات الميناء فيتم خصمها من قيمة البترول المنتج (cost oil) لتغطية تكلفة الإنتاج والمعالجة وهو ما ظل الجنوب يدفعه منذ يوليو (تموز) 2011 وأكدته شركات البترول. تناقض آخر من تناقضات الخرطوم هو أنها خاطبت شركات البترول في أغسطس (آب) الماضي وطالبتها بتحصيل أعلى قيمة ممكنة لترحيل البترول وقد طبقت الشركات الطلب بحذافيره؛ حيث ظلت تتحصل من جنوب السودان على 7.40 دولار للبرميل كقيمة ترحيل للبترول المنتج في ولاية الوحدة «مزيج النيل» و5.5 دولار للبرميل للبترول المنتج في ولاية أعالي النيل، أما رسوم المعالجة وتكلفة الإنتاج فظلت تخصم من نصيب بترول جنوب السودان. ومرة أخرى قامت الشركات بمخاطبة وزارة النفط السودانية تفيدهم بأن مطالبتهم تلك تخلق خلطا وتناقضا كبيرين؛ إذ ظل الجنوب يدفع الرسوم كاملة.

* الخرطوم تقول إن وفدكم أبدى استعداده لعودة النفط عبرها، ما صحة ذلك؟

– يمكن أن نحرز تقدما في المفاوضات إذا كانت لدى الخرطوم رغبة في ذلك ووفق ما ذكرته سابقا، ونحن في الجولة الماضية اقتربنا من الواقع والحقيقة، وقدمنا موقفنا بوضوح وعلمية. وفد الخرطوم جاء وقال إنه لا يملك أساسا لموقفه، لكنه يطالب بالمال؛ حيث يفترض أن تتم تغطية عجز 7.7 مليار دولار وفقا لتقدير المؤسسات المالية في المجتمع الدولي بعد استقلال الجنوب، لكن هذا العجز لا يمكن أن تتم تغطيته عبر سرقة نفط الجنوب.

* هناك حديث عن قرب توصلكم إلى اتفاق بشأن الحدود، ما صحة ذلك؟

– ما زالت اللجان تواصل التفاوض حول الحدود في أديس أبابا، وما زال السودان يماطل في هذه القضية على الرغم من اتفاقنا على أن الحدود بين الدولتين هي الحدود التي رسمها المستعمر في 1–1–1956، لكن الحزب الحاكم في الخرطوم يحاول الاستيلاء على عدد من المناطق داخل حدود جمهورية جنوب السودان مثل «حفرة النحاس» و«كافياكينجي» الغنيتين بالموارد المعدنية (مناجم النحاس)، ومثل منطقة «كير كو» التي يطلق عليها في الشمال «بحر العرب» وهي الحدود الفاصلة بين دار دينكا ملوال ودار الرزيقات، وفي هذه المنطقة هنالك اتفاق معروف يسمح للرزيقات بالدخول إلى مسافة 15 ميلا إلى الجنوب.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.