الحكومة السودانية تبيع ما تبقى من أسطولها البحري والجوي

الحكومة السودانية تبيع ما تبقى من أسطولها البحري والجوي
التخلص من اﻷسطولين :البحري والجوي معا

انهيار الخطوط البحرية السودانية http://www.youtube.com/watch?v=Sh3Yaz_GEEY

لم يتبق من اﻷسطول التجاري السوداني الذي كان يتكون من 15 سفينة سوى سفينتين هما :هما باخرتي : النيل الأبيض ودارفور، أكد مدير عام شركة الخطوط البحرية السودانية النوراني  يوسف دفع الله قرار الشركة بيعهم أو هما كل ما باتت تمتلكهما الخطوط البحرية من أسطولها.وتم عرضهما للبيع مؤخرا في ميناء بور سودان بالفعل إﻻ أن  الحكومة لم تجد لهما مشتريا يدفع القيمة التي حددتها لهما.

وتبرر الحكومة السودانية بيعها للباخرتين برغبتها في تجديد اﻷسطول بينما يفترض أن  من يسعي لتجديد اﻷسطول يتبع سياسة للإحلال تحافظ على عدد السفن التي لديه بحيث   كلما اشترى سفينة جديدة قام ببيع أخرى مقابلها قديمة. ونقل بحارة القديمة إلى الجديدة وليس بيع كل السفن دون شراء أي سفينة جديدة وتشريد البحارة.

وهو ما يعني بأن الحكومة السودانية تكذب عندما تقول بأنها تبيع اﻷسطول من أجل تجديده.وإذا افترضنا أنها تريد التخلص من السفن ومن البحارة معا  ﻷسباب إدارية أو تنظيمية فكان عليها أن تنشئ معهدا بحريا لتكوين بحارة جدد ،وتيسير تمليك البحارة القدامى لسفن صيد لحسابهم ، فيتم اﻻستفادة من  خبرتهم المهنية وتوفير سبل العيش لهم ، ويتحقق بذلك التوازن بين المتطلبات الاقتصادية و اﻹنسانية. ومثل هذا المسلك العقلاني ﻻ دليل على وجوده.

و نقلت قناة الجزيرة عن الأمين العام  للبحارة السودانيين القبطان صلاح إبراهيم حسن تساؤله عن مغزى بيع كل الأسطول التجاري السوداني وقوله :”طالما كانت الحكومة تسعى للتجديد والتحديث”، واستغرب إعلان المسئولين عن تجديد الأسطول “في ظل تشريد منهجي لكافة كوادره وبيع جميع أصوله”.

.وقال للجزيرة نت” إن عدم معرفة السياسيين بأهمية الخطوط البحرية كناقل وطني هام أوصلها إلي التردي الحالي، لافتا لاختفاء مؤسسات وطنية كبرى  كانت الحكومة قد أعلنت رغبتها في تجديدها.واستبعد حسن وجود رغبة حقيقية للدولة بإعادة إنشاء أسطول جديد أو وجود سياسة حقيقية للنهوض بالقطاع “لأنه كان من الممكن صيانة البواخر الموجودة وشراء أخرى بدلا من التخلص الكامل من كافة متعلقات الخطوط البحرية”.

وحسبما ورد في مقال القبطان سيف الدين مصطفى بصحيفة رأي الشعب ونقلته عنها صحيفة آخر لحظه السودانية بتاريخ اليوم 4 يناير،فقد تم تشريد  حوالي «700» بحار سوداني من شركة الخطوط البحرية السودانية عام 1997م تحت ما يسمى بالخصخصة ظاهرياً وباطنياً.. وما أسماه هو :الفشل الإداري  والفساد المالي والنقابي وغرق وبيع وشراء البواخر «الخردة» بدون دراسة أو إحلال.

وفي ديسمبر الماضي أعلنت الحكومة السودانية عن رغبتها في بيع حصتها في شركة الطيران السودانية التي لم تعد تتوفر إلا ﻋﻠﻰ ﺳﺖ ﻃﺎﺋﺮات اﻳﺮﺑﺎص  وﺑﻮﻳﻨﻎ  وﻓﻮﻛﺮ ﻋﻤﺮ ﻣﻌﻈﻤﻬﺎ 15 ﻋﺎﻣﺎ. وكانت تلك الشركة من أقدم شركات الطيران في أفريقيا.حيث تأسست في نهاية اﻷربعينيات قبل حصول السودان  على استقلاله.

وبرر اﻟﻤﺪﻳﺮ اﻟﻌﺎم ﻟﻠﺨﻄﻮط اﻟﺠﻮﻳﺔ اﻟﺴﻮداﻧﻴﺔ اﻟﻌﺒﻴﺪ ﻓﻀﻞ اﻟﻤﻮﻟﻰ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﻣﻊ روﻳﺘﺮز ﻓﻲ ﻣﻘﺮ اﻟﺸﺮﻛﺔ ﻗﺮب ﻣﻄﺎر اﻟﺨﺮﻃﻮم إن اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت ﺗﺆﺛﺮ ﺳﻠﺒﺎ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻣﻦ اﻟﺼﻴﺎﻧﺔ إﻟﻰ ﻗﻄﻊ اﻟﻐﻴﺎر. وأﺿﺎف أن ﻛﻞ اﻟﻤﺸﻜᐧت اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﺟﻬﻬﺎ اﻟﺸﺮﻛﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻷﺳﻄﻮل وأن اﻟﺸﺮﻛﺔ ﺗﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻗﻄﻊ اﻟﻐﻴﺎر ﻣﻦ أﺻﺪﻗﺎء  وﺷﺮﻛﺎت ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﻀﻄﺮ ﻟﺪﻓﻊ أﺳﻌﺎر أﻋﻠﻰ ﻛﺜﻴﺮا.

وكانت  واﺷﻨﻄﻦ فد فرضت ﻋﻘﻮﺑﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻮدان ﻓﻲ  1993وأدرﺟﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻗﺎﺋﻤﺔ اﻟﺪول اﻟﺮاﻋﻴﺔ للإرهاب وﻓﺮﺿﺖ عليها ﺣﻈﺮا ﺗﺠﺎرﻳﺎ ﻓﻲ1997.وماطلت  بعد ذلك في رفعها بعد وعود للسودان ، بعد استجابته لمطالبها ،لم تف بها.

ويصعب اﻻقتناع بأن التخلص من وسائل النقل الجوي والبحري السودانية يرجع إلى عدم أدراك السلطات السودانية بأهمية أن يكون لها وسائل نقل وطنية  تربطها بالعالم الخارجي وتحد من تكلفة نقل المسافرين ونقل السلع السودانية المصدرة بأجور أقل يزيد من تنافسيتها في اﻷسواق الخارجية ،وخفض تكلفة  نقل المستوردة لجعل أسعار بيعها في السوق المحلي في متناول المواطنين ، على النحو الذي ذهب إليه إلى حد ما من علقوا على تلك السياسة.فهذا اﻷمر يدركه اﻷمي قبل المتعلم.لذا يفترض أن هناك أسباب أخرى دعت إلى ذلك ﻻ تستطيع الحكومة إعلانها أو اﻹفصاح عنها.

ويمكن القول  بأن الدواعي الحقيقية للتخلص من تلك اﻷساطيل ،رغم الحاجة إليها، ﻻ تخرج عن سبب أو أكثر من اﻷسباب اﻵتي:

– 1.زيادة تكلفة تشغيل وصيانة الطائرات والسفن السودانية بسبب قدمها وخضوعها بالتالي لقانون نقص الغلة اﻻفتصادي وصعوبة الحصول على قطع غيار بأسعار مناسبة نتيجة العقوبات اﻷمريكية المقروضة على السودان مما يزيد من تكلفة التشغيل وعدم قدرة الحكومة على شراء طائرات أو سفن جديدة بسبب ما تعانيه من أزمة اقتصادية.

-2. العقلية العسكرية ﻷصحاب القرار في الحكومة والذين لديهم إحساس بالعجز عن حماية الطائرات المدنية والسفن البحرية لو تعرضت لعملية قرصنة أو احتجاز من قبل دول معادية خاصة وأن السودان ﻻ يمتلك قوات بحرية وجوية مسلحة قوية وأنظمة دفاع ساحلي وجوي حديثة قادرة على التدخل في هذا  الشأن، ومواجهة تلك التحديات المفترضة.  وهو ما سمح باختراق الطائرات الإسرائيلية للمجال الجوي لمنطقة الساحل ووشن غارات على  قوافل أو سيارات بداخله .وهي أحداث اتضح في كل منها بأن الحكومة السودانية كانت تفاجئ بحدوثها وﻻتعرف كيف حدثت؟ أو من كان خلفها؟وﻻ متى حدثت ؟اﻻ بعد  مرور وقت عليها، أو إعلان إسرائيل المسؤولية عن بعضها .

3. – عدم توفر الحزب الحاكم على قيادات أدارية لهاخبرة بمجالات النقل البري والبحري مع حرصه على وضع عناصر مواليةله على رأس كاقة المرافق الحيوية، ويكون وفقا لهذه السياسة قد استبدل أهل الخبرة بأهل الثقة فتسببت عدم كفاءتهم في انتشار الفساد في هذه المرافق.

– 4. إفلاس الحكومة وعدم توفرها على قدر كاف من النقد اﻷجنبي بسبب شحة مصادره مع تفاقم العجز التجاري وثقل أعباء الدين الخارجي ، والمفلس ﻻ يجد أمامه سوى بيع ممتلكاته بصرف النظر عن أهميتها له.ومما يرجح ذلك أنها قطعت شوطا كبير في البيع في حقبة التسعينيات ، فباعت 13 باخرة،ثم  توقفت عن البيع بعد أن شهدت أوضاعها المالية تحسنا مع بدء تصدير البترول ، واحتفظت بباخرتين ، ثم عادت بعد انفصال الجنوب وحرمانها من عائدات  البترول إلى بيعهما.وكان البترول يشكل 95% من صادرات السودان  و50أكثر من 50 % من إرادات الميزانية  العامة لحكومة الخرطوم. وتصاعدت مؤخرا  حدة النزاعات المسلحة في مناطق اﻻنتاج التي تعود إلى الشمال مثل جنوب كردفان والنيل اﻷزرق والمناطق التي يمكن استخراج البترول منها مثل دارفور.

اﻷزمة اﻻقتصادية السودانية.

يقول الكاتب السوداني محمد على جادين ، وهو محق في قوله، “لازالت النخبة الحاكمة مصرة على سياساتها القديمة بالرغم من النتائج السلبية الكبيرة  التي نتجت عنها، فهم لازالوا يصرون على السياسات الاقتصادية السابقة وعلى سيطرة الحزب الحاكم والاستمرار في الحكم وينكرون وجود الأزمة  بجوانبها الاقتصادية والأمنية فهم يغالطون الواقع رغم أن كل مواطن يحس بوجود الأزمة.اعتقد أن المعارضة أيضا تعيش أزمة وعدم قدرة على مواجهة هذا  التدهور المريع الذي تعيشه البلاد ويعيشه النظام الحاكم.”ويضع يده إلى حد ما على الخلل في الوضع السياسي واﻻقتصادي الذي عمق اﻷزمة بقوله :”هذا  الخلل ناتج من الخلل الأساسي المتعلق بالتطور السياسي الاقتصادي المتمثل في غياب الطبقة الوسطى وغياب التنمية بمعناها المفهوم والمتمثل في  الإنتاج الصناعي والزراعي وما يرتبط بها من وجود لفئات المهنيين ذات الحيوية والثقافة والتصور لوجود البلد والذي أدى إلى إضعاف الأحزاب والذي قاد  إلى بروز حالتين وهما لجوء الناس إلى الدين والى القبيلة.”

وفي واقع اﻷمر فإن اﻷزمة السودانية يشارك في صنعها الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة التي تتآمر عليه طلبا مثله للسلطة والثروة وليس لصالح

السودان الذي يتضح من خطاباتها بعدم توفرها على تصور سليم لها. كما أن الحزب الحاكم يتعلق حاليا أيضا بالدين والقبيلة، وهو بالنسبة للدين يستثمره  سياسيا وﻻيستفيد منه اقتصاديا، وﻻ يدرك من أحكامه اﻻقتصادية سوى عدم التعامل بالربا ، بينما الدولة تقترض من الخارج بالربا.أما القبيلة فلا يعطيها  حقوقها في استغلال الموارد الطبيعية في مناطق انتشارها وإنما يستغل اﻻنتماءات القبلية فقط في تحصين وضعه السياسي واﻷمني.وقد لجأ مؤخرا الى  بعض اﻷحزاب المعارضة وأشركها في الحكومة لدواعي سياسية وليست اقتصادية ، واحتفظ لنفسه بالوزارات المرتبطة باﻻقتصاد، وحتي لو أشرك فيها المعارضة فلن يجديه ذلك نفعا، ﻷن فاقد الشيء ﻻ يعطيه.

.ويتم معالجة المشاكل اﻻقتصادية بقدر كبير من التخبط ونوع من الدروشة الدينية. ويتضح ذلك مما نقل عن رئيس الدولة في مؤتمر اقتصادي عقد مؤخرا  من قوله مثل وعاظ الدين: “علينا بالرجوع إلى الله” وكأن سبب ما يعانيه اﻻقتصاد السوداني هو عدم الرجوع الى الله.وإذا كان الرجوع الى الله هو العمل بما أمر به الله ، فإن الله يأمر بالعدل واﻹحسان وإيتاء ذوي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، والسياسة اﻻقتصادية التي اتبعها السودان منذ  انقلاب 1989 أبعد ما تكون عن كل ذلك.بينما يروج مستشاره نافع على نافع لنظرية المؤامرة ويحملها المسؤولية كاملة، وﻻ أحد ينكر أن السودان تعرض  لمؤامرات كثيرة ساهمت فيها دول الجوار مثل مصر وليبيا وأوغندا وكينيا وتشاد واريتريا وأثيوبيا ، وإن تقلصت أدوار أثيوبيا وتشاد خلال العامين الماضيين  وتقلصت أدوار مصر وليبيا بعد الثورات التي قامت فيهما،تزايدت مؤامرات كل من أوغندا وكينيا وأضيفت إليهما مؤخرا جنوب السودان بعد استقلالها، هذا  باﻷضافة الى مؤامرات الدول من خارج القارة ، مثل إسرائيل وبعض الدول الغربية المساندة لها..لكن كل هذه المؤامرات ما كانت لتجهض سياسات  اقتصادية رشيدة تتبعها الحكومة السودانية وﻻ اقتصر دورها على قدر محدود من عرقلة اﻷنشطة اﻻقتصادية كنتيجة أثارتها للمشاكل السياسية واﻷمنية.

لقد كان بإمكان السودان أن يستفيد من علاقته بالصين وماليزيا وتركيا في التخطيط اﻻقتصادي، وفي القضاء على الفقر والنهوض بالبلاد، وعلاقاته بتلك  الدول جيدة ، ولكن حكامه ليس لديهم اﻻستعداد لنقل تجارب تلك الدول للسودان خوفا على امتيازاتهم ، وتوهما بأن اﻷخذ بها سيصعد قوى سياسية في  البلاد تزاحمهم في السلطة وقد تقصيهم منها، بينما اﻷخذ بتلك التجارب رغم تنوعها هو صمام اﻷمن للسودان والضامن لسلامه واستقراره، بل هو الذي  كان يمكنه أن يحمي النظام الحاكم من أي تقلبات سياسية قد تقضي عليه ، وهو الذي أتاح الفرصة للمؤامرات الخارجية أن تجد منفذا لتوجيه سهامها له على نحو مستمر.

فوزي منصور

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, خفايا وأسرار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.