للوليد .. قبل أن “تخندق” الانقاذ بديونه – صورة مكررة

سيف الدولة حمدناالله

في عام 1999 ، وخلال فترة عملي بشركة معروفة بامارة دبي ، كلفني صاحب العمل بالذهاب الى السودان في مهمة للمطالبة باسترجاع مبلغ خمسة مليون دولار كانت قد تسلفتها منه حكومة الانقاذ بعد شهور قليلة من قيام الانقلاب ، وذكر لي أنه وبحسب الاتفاق كان يتعين على حكومة السودان سداد الدين خلال فترة عام واحد من تاريخه ، الاٌ أنها قد أغفلت السداد لأكثر من عشر سنوات دون أن تكبد نفسها مشقة الاعتذار أو يظهر في الأفق ما يوضح نيتها في السداد .
بالسؤال حول الظروف التي تحصلت فيها الحكومة على الدين، حكى لي صاحب العمل أن مسئولاً حكومياً كبيراً زاره في مكتبه برفقة السفير السوداني بالامارات ، وطلب منه المبلغ لمساعدة الحكومة في فترتها الأولى لمقابلة احتياجات عاجلة ، كما قال أنها كانت المرة الأولى في تاريخ تجارته التي تتقدم اليه (حكومة) بطلب سلفية ، وبحسب حديثه قال أنه لم يشأ أن يرد الطلب لرغبته في دعم حكم كان يقول أنه يرفع راية (لا اله الاٌ الله).
بمثل هذا التكليف، وجدت نفسي كحال لاعب الكرة الذي يلعب لنادي أجنبي ضد فريق بلده القومي، وقلت أواسي نفسي: لعله من الأفضل أن توكل مثل هذه المهمة في كشف حال بلد لأحد مواطنيه بدلاً من أن يقوم بها محام من ألاردن ، وسافرت الى السودان وفي حقيبتي تفويض لانجاز المهمة ، وعند وصولي السودان ، تساءلت ، ترى أين يمكن العثور على (حكومة السودان) التي أخذت المبلغ لأتقدم اليها بالمطالبة !!! ، واهتديت لأن ابدأ بوزارة المالية ، وتسنى لي مقابلة وكيل الوزارة ، الذي افادني في جملة واحدة بأن وزارته لا علاقة لها بالموضوع ولا تعرف عنه شيئاً !! ، طيٌب ، ما هي الجهة ذات العلاقة ؟ قال الوكيل: ” كدي حاول مع بنك السودان” ، فذهبت الى بنك السودان وقابلت المسئول المختص ، فقال لي “شوفوا الزول الشال منكم القروش وطالبوه نحن ما لينا دخل بالموضوع” ثم اضاف المسئول يقدم نصيحة ” بصرف النظر عن الجهة التي استدانت المبلغ ، الحكومة حالياً ما بتقدر تسدده ليكم المبلغ ده نقداً ، واحسن تنصح (شيخك) ده تقول ليه يجي يشوف ليه أي حاجة يستعوض بيها قروشه يعني يشيل ليه مشروع زراعي او قطع اراضي أو شيئ من ذلك” .
لا يمكن للمرء أن يدرك قيمة (التأصيل) الذي أنشئت له مستشارية ، دون أن يتوقف عند تأصيل (الخندقة) التي كانت قد انتشرت في تلك الايام بتنامي أعداد المعسرين (الخندقة هي اختفاء المدين بجهة غير معلومة “غالباً ليبيا” لحين استسلام الدائن بقبول تسوية أي كلام) ، واذا كان هناك من تأصيل لهذه الكلمة فلا بد أنه يرجع ل(حكومة السودان)، فقد أضحت فص ملح وذاب، ولم أعثر لها على موطن، فلملمت عزالي ورجعت الى دبي بعد أن أوكلت متابعة البحث عنها – بحسب رغبة الدائن – لمدير بنك المشرق بالخرطوم في ذلك الوقت (اعتقد أن اسمه عبدالخالق).

لا أدري مصير مبلغ الخمس مليون دولار، وما اذا كان صاحبها قد تحصل عليها بعد ذلك أم لا ، فقد تركت العمل بالشركة بعد ذلك وعدت للعمل في موقعي السابق بسلطنة عمان ، وطويت عندي هذه الصفحة، حتى تاريخ مطالعتي للأخبار التي نشرت حول (الشرك) الرئاسي الذي نصب للأمير السعودي وليد بن طلال آل سعود.
على الصعيد الشخصي، لا علم لي بمدى جواز أن تقوم (دولة) لها علم بالاستدانة من كائن بشري من شحم ولحم من خارج رعاياها ، كما ليس لي علم بالظروف التي دفعت بحكومتنا للجوء لمثل تلك الاستدانة المهينة من رجل الأعمال الأماراتي، وأخيراً – للانصاف – ليس لدي شكوك حول حدوث تعدي بتحويل تلك الأموال لمنافع شخصية ، فحتى ذلك الوقت كان للمال العام حرمته، على الأقل على مستوى كبار المسئولين ، ولا بد أن مبلغ القرض قد أنفق فيما كانت تقوم به (الثورة) في بداية ايامها نحو تعمير (صواني) المرور (نشطت الانقاذ في أول أيامها في اقامة التماثيل على “الدوٌارت”) ، وفي تلك الفترة لم تكن مظاهر النعمة والرخاء قد ظهرت على ابناء الانقاذ ، حين كان نافع علي نافع لا يزال يدفع أجرة شهرية لمسكنه الشعبي بمنطقة شمبات ، ويوسف عبدالفتاح يسكن بغرفة وبرندة بمنزل الاسرة بحلة خوجلي ، وفي ذلك الوقت كان محمد البشير شقيق الرئيس الذي اضحى ضمن أثرياء البلاد يعمل (كاتب) بقسم المكتبة بجامعة العين بالامارات براتب شهري 3 ألف درهم ، وكانت منطقة (كافوري) أرض فضاء يقال لجزء كبير منها (حوش البقر) ، وهي الفترة التي كانت (الثورة) قد اعتبرت خلالها أن حيازة شخص لعملة صعبة من حر ماله جريمة يعاقب عليها بالاعدام .
في الواقع ، ليس من المروءة أن يقف المرء بين بلده وحصولها على مصدر للتمويل المالي حتى لو كان ذلك بالاستدانة من ثري عربي، ما دامت تلك الموارد تنفق في سبيل المواطن الذي تتم الاستدانة باسمه، ويرى المواطن حصيلة تلك الأموال قد انصرفت نحو توفير علاجه وتعليمه ، ولكن من المحزن أن تقوم الحكومة بالتسول باسم الشعب ، دون أن يدري الشعب دائنيه ، ومبالغ الدين الذي يلتف حول عنقه، فكلما ازداد الدين ازداد أهل الحكم ثراء ، وقصورهم اتساعاً ، فيما يزداد الشعب فقراً على فاقة ، حتى أصبحت الأم فيه تبيع أبناءها ، والآباء ينتحبون لعجزهم عن توفير الطعام لصغارهم ، وهو (الشعب) يطالع الطريقة المهينة التي تتحصل بها حكومته على تلك الديون ، (نشرت على نطاق واسع صورة عضو وفد اعداد الكمين المنصوب للوليد بن طلال وهو يجلس مطأطأ الرأس وهو يحمل بين يديه صندوق هدية ملفوف بورق السلفان) .
يا له من (تسول) شخصي يتم باسم شعب مقهور ،،، فليحذر الوليد ،،

سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.