بث الروح في سلام دارفور بقلم عمر قمر الدين إسماعيل، لورا جونز، وجون برندرغاست

بث الروح في سلام دارفور بقلم عمر قمر الدين إسماعيل، لورا جونز، وجون برندرغاست ترجمة صلاح شعيب

وصلت عملية السلام في دارفور، علي نسقها الذي عرفت به، إلى نهايتها، كما نعلم. ومع ذلك أفضت إلى حصيلة متواضعة. إن الثلاث إتفاقيات الرئيسية التي أبرمت في الأعوام 2004 و 2006 و 2011 فشلت إما في أن تترك أثرا على الأحداث المعاشة هناك، أو لأنها في الحقيقة جعلت الأمور أكثر سوء ً في ربوع الإقليم. ولذلك نعتقد أنه قد حان الوقت للإعتراف بأن قضايا دارفور تماثل قضايا كردفان، والنيل الأزرق، والشرق، وبالتالي لا يمكن التعامل معها بمعزل عن واقع الأزمة السودانية. فالمجتمع الدولي بحاجة إلى التخلي عن نهجه التدريجي في التعامل مع السودان، وهو بحاجة، أيضا، إلى التوحد وراء المطالبة بإيجاد حل شامل لمشكلة سوء الإستخدام المفرط للسلطة في المركز، ذلك أن التوصل إلى إتفاق سلام عادل للجميع في البلاد، وإصلاح الدستور، وإجراء إنتخابات ديموقراطية، ينبغي أن يكون المحصلة النهائية لهذا الصراع، وذلك عوضا عن مبادرات السلام المتنافسة، والتي لا تصب إلا في صالح (إستراتيجية فرق تسد) التي تستخدمها الخرطوم.

الثابت أنه منذ توقيع إتفاق السلام في يوليو في الدوحة، إستعصى علينا أن نرى الوضع في دارفور صائر نحو التحسن. فوفقا للشهادة التي أدلى بها، مؤخرا، المبعوث الأميركي الخاص برينستون لايمان أمام لجنة مجلس النواب الفرعية لشؤون أفريقيا والصحة العالمية، فإن الصراع ما يزال محتدما، كما جاء ذلك على لسان لايمان، والذي يضيف أنه “ما يزال نحو مليوني شخص مشردين…وفي الحقيقة هناك ما بين ستين إلى سبعين ألف شخص نزحوا، ما بين يناير ويوليو من هذا العام، من مناطق شنقل طوباي، وشرق جبل مرة، وذلك بسبب إنتهاكات الحكومة المستدامة لقوانين الحرب، وإرتكابها لجرائم ضد مواطنيها تتعلق بحقوق الإنسان، يحدث هذا في وقت  تلوح في أفقه تهديدات بإغلاق المخيمات، وفرض العودة الجبرية للمشردين”.

ويشير لايمان إلى أن الوضع الحالي إنما هو معزز لإستمرار أعمال العنف التي برزت، ثانية، في عام 2010، وهو العام الذي تميز بتصاعد المأساة خاصة أن عدد القتلى كان ثلاثة أضعاف عما كان عليه في عام 2009 تقريبا”. وإنطلاقا من ما قاله المبعوث الأميركي نقول نحن إن الحالة الإنسانية الراهنة على أرض الواقع تعكس بشكل واضح تبعثر سنوات من الجهد الساعي إلى تحقيق السلام في دارفور، ولعل هذا التناقض نتج بسبب أوجه القصور في النهج الدولي تجاه السودان بشكل عام، وكذلك بسبب هشاشة جهود عملية السلام بشكل خاص.

وعلى الرغم من المساهمة الدبلوماسية التي ميزت الأشهر الأخيرة من مفاوضات سلام دارفور في العاصمة القطرية، فإن محصلة العملية السلمية إنتهت إلى إثبات عجزها، برغم أنها تضمنت وثيقة السلام التي وافقت عليها الحكومة وحركة التحرير والعدالة، وهو فصيل منشق غير أساسي في مشهد الإحتراب. وتضمنت الوثيقة أيضا بيان مؤتمر أصحاب المصلحة الذي عقد في مايو، والذي أيد الإطار الهيكلي لوثيقة السلام. وبعد عامين من الجهد وصرف الملايين من الدولارات، فإن وثيقة سلام الدوحة لم تثمر عن تغيير جدي لأهل الإقليم، في حين أن المحصلة الأكثر أهمية التي أبرزها مؤتمر أصحاب المصلحة الذي شارك فيه أكثر من خمسمائة شخص بدت لتكون ـ فقط ـ تعهد الحكومة، مجددا، بعدم التفاوض مع المجموعات المتمردة التي لم توقع على إتفاق الدوحة.

وفي حين أن هناك أسبابا متعددة لهذه الفداحة في محصلة العملية السلمية، فإن السبب الأبرز ـ بلا أدنى شك ـ هو النهج الدولي في تعامله العام مع السودان. وفي محاولته لإخماد أسوأ الحرائق بينما هي تشتعل، سقط المجتمع الدولي في نمط دبلوماسي معيب، حيث عبره تحصد كل منطقة من مختلف جهات السودان المسار الخاص بها لتحقيق السلام.

ومع ذلك فكل هذه الصراعات تملك في جوهرها نفس التظلم الجامع المتمثل في التهميش الإقتصادي، والسياسي، الذي أوجده قادة النظام الحاكم في الخرطوم. ولعل هذا النهج التدريجي لإنجاز السلام في السودان، والمستند على تركيز إتفاقات السلام المتعددة على أعراض الصراع بدلا من أسبابه الجذرية، أتاح للحكومة فرصة لإفساد، إن لم يكن ضرب، مختلف العمليات السلمية بعضها بعضا، وبالتالي ضمنت الخرطوم أن التقدم في عملية سلمية ما إنما يتم على حساب أخرى، مثلما ضمنت أيضا تجنب التغيير الديموقراطي الشامل. وفي حالة دارفور، فإن عدم التركيز الدولي على محادثات سلامها، نتيجة لقيام الاستفتاء وإنفصال الجنوب، خلق فرصة لإنحراف عملية السلام برمتها عن جدواها القصوى.

إن المظالم الشخصية للوسطاء، ومنازعاتهم المعلنة، ونهجهم التنافسي لتأمين السلام، لم يؤد إلا إلى مزيد من ترسيخ الإنطباع بأن المجتمع الدولي يفتقر إلى الطاقة الخلاقة لإعطاء الإقليم إهتمامه الكامل، فوقا عن إفتقاره إلى توحيد هدفه المتمثل في جلب، وتأمين، السلام الدائم. هذه المثالب الدولية منحت حزب المؤتمر الوطني الحاكم عبر مشاركته في مفاوضات الدوحة مشاركة اسمية، في أحسن الأحوال، وأما في أسوئها، فقد كانت مشاركة اعاقت جدوى التفاوض. والحال هكذا، ربح الحزب الحاكم في الجولة، دون أن يفضي به خطله هذا إلى مورد الازدراء وسط أعضاء المجتمع الدولي، والذي قضى ـ هو الآخر ـ معظم طاقته المحدودة على مهاجمة إنقسامات الحركات المسلحة. ونتيجة لذلك، فإن الوثيقة النهائية للدوحة، والتي لحظنا أن ماكنيزم آلياتها معيب على نحو خطير، تفتقر الى إلتزام جاد بالإصلاح. ومع ذلك فإننا نرى أن الوضع الحالي يوفر فرصة لتصحيح العيوب الهيكلية الرئيسية في البرنامج الدولي للتعامل مع السودان وإنهاء الصراع الذي استمر ثماني سنوات في دارفور.

وبينما يتصاعد النزاع في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، فإن الدعوة إلى الإصلاح الشامل أصبحت شائعة على نحو متزايد، كما أن بيئته صارت مواتية لإحداث تحول في الإستراتيجية الدولية. وبالنظر إلى القاسم المشترك للتهميش الذي يكمن في كل المجتمعات الطرفية، فإن الأسبقية الأولى للمضي قدما ينبغي أن تكون شاملة وأن عملية السلام لا بد أن تتعامل، في المرحلة الأولى، بشكل جماعي وليس فرديا، مع جميع الأقاليم المحتربة في السودان، مع المساعدة في وضع آليات لمعالجة القضايا الوطنية الجوهرية، مثل إقتسام السلطة والثروة في البلاد. هذه العملية السلمية، والتي تفرض عقد مؤتمر دستوري، تليها انتخابات حرة ونزيهة، ينبغي أن تعالج عددا كبيرا من الشكاوى التي جري التفاوض بشأنها بطريقة غير فاعلة على المستوى الإقليمي.

وفي المرحلة الثانية من هذه العملية السلمية، فإن أصحاب المصلحة من مختلف المناطق في السودان، بما في ذلك دارفور، يمكن أن يتفاوضوا حول تلك القضايا المعلقة، خصوصا هذي الفريدة من نوعها بالنسبة لمناطقهم. فوثيقة الدوحة، وفي حين أنها معيبة، كما أشرنا، يمكن أن توفر نقطة إنطلاق جيدة لمناقشات دارفور. ومن أجل ألا تعاني هذه العملية السلمية من نفس أوجه القصور الهيكلية السابقة، ، فإن الحاجة ملحة، على أي حال، إلى قيادة جديدة.

إن إستقالة المبعوث الأممي المشترك جبريل باسولي وتعيين المبعوث الأميركي الخاص برينستون لايمان خلق نافذة لتفكير جديد حول إتجاه عملية السلام في مرحلة ما بعد بيئة الدوحة التفاوضية. لكن تعيين الممثل الخاص المشترك ابراهيم قمباري ليحل محل باسولي عمق، على الأقل بشكل مؤقت، أزمة العملية السلمية إلى حد ما، آخذين في الإعتبار سمعة قمباري المشوهة وسط أبناء دارفور، وحاجته إلى تركيز الانتباه، فقط، على مهمة حفظ السلام. ولهذا على المجتمع الدولي، وبالضرورة من أجل المضي قدما، إعادة هيكلة العملية السلمية بطريقة تضع أسباب الصراع في كل مناطق السودان في قلب التفاوض، وعليه أيضا أن يضطلع بإشراف جديد على العملية السلمية يجمع عزم القيادة الأفريقية المستقوي بالنفوذ الدولي الأوسع.

عملية سلمية وطنية واجب الساعة

إن واحدة من القضايا الهيكلية الرئيسية التي تؤثر على عملية السلام في دارفور هي أن الصراع في الإقليم، مثله كمثل كل الصراعات في السودان، تم إلتقاطه من خارج السياق القومى، بمعنى أنه عومل كما لو أنه صراع حادث بمعزل عن المشكل السوداني. يحدث هذا في الوقت الذي وجدنا أن صراعات دارفور، وأبيي، والشرق، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، والتي قد أظهرت التوترات، والمظالم، تملك جذورا مماثلة متعلقة بالتهميش وحرمان شعب السودان من حقوقه بواسطة حكومته المركزية.

إن محاولات معالجة هذه المشاكل كجزء من اتفاقيات سلام فردية متعددة لم تكلل بالنجاح. ونذكر أن حركة العدل والمساواة ـ ضمن مقترحاتها للتفاوض التي قدمت إلى الوساطة في الدوحة ـ أقامت الحجة لمعالجة بعض القضايا الوطنية بمفهوم أوسع، حيث طرحت إمكانية بحث قضايا مناطق أخرى من السودان وشملها في موضوع تقاسم السلطة وغيرها من المواضيع، غير أنه تم تجاهل هذه الاقتراحات في وقت لاحق. وبالمثل، في إتفاقها الإطاري مع الحكومة بشأن النيل الأزرق وجنوب كردفان، إقترحت الحركة الشعبية، قطاع الشمال، عبارات مثل ” لا بد أن تحل مشاكل الحكم على أسس جامعة، ومعززة بالشراكة، وبناءً على تلبية المصالح الجمعية، وتضمين رؤى كل السودانيين” ومع ذلك، لم يكن من المستغرب رفض هذه المقترحات من جانب الحزب الحاكم، في الحالة الأولي، بحجة أنها لا تمت بصلة إلى التفاوض، وفي الحالة الثانية، رفض الرئيس البشير في فترة وجيزة الإتفاق الإطاري بعد توقيع حزبه عليه.

ونتيجة لذلك، فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان، قطاع الشمال، وكلا من حركة تحرير السودان، جناحي عبد الواحد وميناوي، شكلوا تحالف الجبهة الثورية السودانية في أغسطس من هذا العام (كاودا). هذا التحالف أطلق منذ الوهلة الأولى إعلانه السياسي الذي فيه حدد قناعته بـ “تحرير الشعب السوداني من القهر، والظلم، والكراهية، وتحقيق قيم الحرية، والديمقراطية، والسلام العادل لإقامة الديمقراطية الليبرالية، وسودان موحد على أساس طوعي، والتغلب على فشل حزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي يمثل إمتدادا لنظام مركزي سيطر على السلطة منذ الاستقلال”

الحقيقة أن هناك بعض الجدل حول مدى صدق رغبة هذه الحركات المتمردة لإحداث التحول الديمقراطي، وقدرتها على خلق بديل ذى فعالية لحكومة الخرطوم. ومع ذلك، فإن التواثق الأخير لمختلف حركات التمرد في الدعوة إلى هذا النوع من التغيير الشامل يشير، على الأقل، إلى وجود إعتراف بحقيقة أن جذور جميع مشاكل السودان متشابهة، ويمكن، على الأقل حلها من خلال عملية واحدة شاملة. علاوة على ذلك، فإن تحالف الحركات المسلحة يعكس حقيقة النداءات التي بذلت من قبل المعارضة، وجماعات المجتمع المدني، مثل جماعة (قرفنا) والمبادرة السودانية لصياغة الدستور، وذلك لإجراء مزيد من الإصلاحات الدستورية الشاملة.

والملاحظ أنه في مفاوضات السلام المتزامنة المختلفة تقبل المجتمع الدولي، في كثير من الأحيان، رفض الخرطوم معالجة الأسباب الجذرية لنزاعاته، وذلك بزعم أن مناقشة هذه المسائل سيثير غضب الخرطوم ما قد يعني تهديد إستمرارية تلك المفاوضات، وبالتالي لم يحدث التقدم في حل قضايا البلاد. وفي حالة دارفور وجدنا أن محاولة حركة العدل والمساواة لشمل قضايا كردفان في مفاوضات الدوحة قوبلت بإستهجان بعض مسؤولي الحكومة الأميركية، والذين أبلغوا المجموعة المتمردة التي تدعو إلى إصلاح أوسع بان تضمين كردفان ليس مناسبا في مفاوضات هدفت لمعالجة قضية دارفور فحسب، وللأسف فإن النهج الدولي الحالي جعل الأمور، في نواح كثيرة، أكثر سوء ً.

وقد أثبتت سنوات من جهود السلام الفاشلة أن أخذ هذه الصراعات خارج سياقها القومي يساعد، فقط، في الحد من إستدامة أي اتفاق للسلام. ومن أجل التحرك في إتجاه السلام في كل من الأقاليم الشمالية، فإنه ينبغي على المجتمع الدولي، أولا وقبل كل شيء، أن يدفع بعملية سلام شاملة للجميع، تلك التي توجد نظاما يعبر عن إرادة الشعب السوداني. وهذه العملية تشمل مفاوضات، تتوسط فيها القوى الدولية النافذة، وتركز على حل القضايا المشتركة لجميع المناطق في الشمال، وكذلك لا بد من إنشاء آليات من خلالها يمكن حدوث عملية مراجعة دستورية، ومراقبة دولية لإجراء إنتخابات ديموقراطية.

إن العملية الانتخابية التي تجري بوساطة خارجية، مع تعهد كامل من جانب المنظمات الدولية يمكن أن تضمن المساءلة الحكومية، فضلا عن أنها تحد من إمكانية الحزب الحاكم للتلاعب بالإنتخابات إن هي جرت تحت الرقابة المحلية. ومن أجل تحقيق إعادة هيكلة حقيقية، فإن الجماعات المعارضة ينبغي أن تخفف من لهجتها القائلة بأن الصراع يأخذ طابع الأفريقانية ضد العروبية (أو هو صراع هامش إزاء مركز)، وبالتالي يتأتى ضمان مشاركة جميع أعضاء المجتمع السوداني، بما في ذلك النخبة النيلية في هذه الهيكلة. هذه العملية السلمية، في حال إجرائها بصورة نزيهة وشفافة، فمن المرجح أن تعالج العديد من المواضيع التي تم نقاش حولها من خلال المفاوضات المختلفة، ومن دون إثارة مفهوم “عقلية الحصار” التي مكنت حكومة الخرطوم للسيطرة لفترة طويلة. والحقيقة أن بعض قضايا حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وتقاسم الثروة والسلطة، والوضع الإداري لدارفور والتي نوقشت في الدوحة من المرجح أن تحل من خلال هذه العملية السلمية الشاملة.

إن الإنطلاق من تراث قضايا دارفور من أجل حل القضايا الإقليمية المشابهة في السودان، وإطلاق مفاوضات أوسع نطاقا تتضمن عقد مؤتمر دستوري، إنما هي واجبات ملحة للمرحلة الأولى، ولكن سوف لا تكفي، بالطبع، لمعالجة كافة المخاوف الخاصة بالإقليم. ومن أجل تحقيق السلام المستدام في دارفور فالمفاوضات التي تهدف إلى حل القضايا الخاصة بالإقليم سوف تحتاج إلى الإنطلاق تحت مظلة هذه العملية السلمية الوطنية. فالتفاوض الذى يهدف إلى حل قضايا مثل التعويضات، وعودة المشردين داخليا واللاجئين، والترتيبات الأمنية في دارفور، يمكنه إعتبار وثيقة مؤتمر الدوحة بمثابة نقطة الإنطلاق، خصوصا وأن مؤتمرأصحاب المصلحة كان قد أقر “مشروع وثيقة الدوحة كأساس للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتسوية شاملة وجامعة لتحقيق السلام المستدام والاستقرار في دارفور. ودعا المؤتمر حكومة السودان والحركات المسلحة إلى بذل كل جهد للتوصل إلى وقف دائم للنار وتسوية شاملة للسلام على أساس هذه الوثيقة.”

من أجل إعطاء فرصة لهذه العملية الوطنية المكونة من مرحلتين، فإنه ـ على كل حال ـ يجب على النافذين السودانيين، والإقليميين، والجهات الفاعلة الدولية العمل معا لضمان وضع اللبنات الأساسية في مكانها الصحيح. وهذا الحراك الجديد يتطلب، أولا وقبل كل شيء، تأمين إختيار الشخصيات المناسبة لتوجيه هذه العملية، وأيضا الإطار الذي يحد من قدرة جميع الأطراف على التلاعب بها.

ضمان القيادة الرشيدة

ينبغي على صانعي السلام أن يؤدوا  قسما شبيها بقسم أبقراط للأطباء، ويتمثلوا معانيه في عدم إيذاء المرضى. فطريقة التعامل مع عمليات السلام في دارفور قد أدت، في كثير من الأحيان، إلى خلق مزيد من الانقسام وسط الحركات المسلحة، وتكاسل الحكومة دون المساهمة في السلام، واستمرار الصراع على الأرض. إن الفصل الأخير في هذه القصة يتموضع في عجز الوسطاء الذين عهد إليهم المجتمع الدولي أمر المساعدة في حل نزاعات متعددة هناك، ومعالجة المشاكل المتأصلة عبر إجراءات عملية الهجين، سواء كان ذلك في مجال حفظ السلام، أو بسط السلام. ولا نملك، في الواقع، إلا القول إن فشل العملية يكمن في الحمض النووي للوساطة.

المعروف أن القادة الرئيسيين في مشهد دارفور كانوا جبريل باسولي، ورئيس جنوب أفريقيا السابق ثامبو أمبيكي، وإبراهيم قمباري. لقد أدى الأسلوب التنافسي  فيما بينهم للتعامل مع عملية السلام إلى تقويض أي خطوات نحو السلام تحت رعايتهم. فعلى الرغم من تعيين باسولي كوسيط مشترك للأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي في يونيو 2008 إلا أن سلطته تقوضت عن طريق تعيين الإتحاد الافريقي لثامبو أمبيكي كرئيس للجنة الحكماء الأفارقة بشأن دارفور في يوليو 2008، والذي كلف لبحث قضايا السلام والعدالة في الإقليم. وبدا لاحقا أن طموحات أمبيكي الشخصية، وتاريخ تنازعه مع باسولي، علاوة علي عدم ثقة جان بينج رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي، في الوسيط، قد وضعته على خلاف متبادل مع باسولي.

ونعتقد أن توسيع دور أمبيكي كرئيس لفريق الإتحاد الأفريقي عالي المستوى للسودان، والتي شملت قضايا الشمال والجنوب، بالإضافة إلى دارفور، لم يؤد إلا إلى زيادة تفاقم التوترات القائمة بالفعل. ومما زاد الطين بلة أنه في ديسمبر من عام 2009 تم تعيين الأمم المتحدة والإتحاد الافريقي لإبراهيم قمباري لقيادة المنظمتين في عملية حفظ السلام المختلطة في دارفور. فقمباري منذ وصوله الى الإقليم المضطرب تناطح مرارا مع عدد من المبعوثين الخاصين للسودان، وهذه حقيقة أثبتها غياب لافت للثلاثة مبعوثين في إجتماع المبعوثين الدوليين الذي عقد في مدينة الفاشر في عام 2010. ليس ذلك فحسب فقمباري نشد تولي دور قيادي في عملية السلام، على الرغم من حقيقة أن دور البعثة في المقام الأول هي الحفاظ على السلام على أرض الواقع، الشئ الذي إستعصى حتى الآن على البعثة. تأسيسا علي ذلك، فانه لم يكن من قبيل المصادفة المحضة أن تم تعيينه مؤقتا كوسيط مشترك للأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي عقب تقاعد باسولي. إن طموح قمباري بدا أيضا في أن يكون عاملا رئيسيا في السعي لعملية الحل الدارفوري الدارفوري، حتى يكون له دور أكبر. وهذه الفكرة، والتي كما تمت بدعم من أمبيكي لم تجد التطبيق على المدى القريب نظرا لمعطيات الوضع الراهن على الأرض في دارفور، وبالتالي خدمت فكرة الحل الدارفوري ـ الدارفوري كوسيلة أخرى لتقويض المفاوضات الرسمية. وعلاوة على ذلك فإن دعم أمبيكي وقمباري لخطة اليوناميد تماثل، إلى حد مخيف، مع خطط الحكومة الخاصة للتدجين، وقادت خطة المبعوثين العديد من سكان دارفور إلى الشك في نزاهتهما. فضلا عن ذلك فإن مقترحات خطة قمباري وأمبيكي ولدت ميتة بالنسبة لمعظم سكان دارفور الذين خاب ظنهم الحسن في هذه المؤسسات على مدى السنوات التي تلت التقاعس المتكرر، والتحيز الواضح. وفي غياب الشروط الأساسية لحرية التعبير والتجمع، فإن أي نوع من العملية السلمية الداخلية تتمظهر لدى العديد من أهل الإقليم بكونها معيبة بطبيعتها، بل وربما أكثر إثارة للقلق، ومع ذلك، فان الضرر الهيكلي الذي قامت به مناوشة باسولي ومبيكي مجتمعين، مع مشاركة غرايشن فيها، قد جلبت مزيدا من التعقيد، حيث إنتقد أمبيكي علنا نهج باسولي بشأن مشاركة المجتمع المدني في عملية السلام، مشيرا إلى أنه “قد قوى الحركات المسلحة لتكون بمثابة مخربين للعملية السلمية”.

هذه الإنتقادات، وغيرها تشير إلى أن أي شيء من شأنه أن يكون محل التفاوض من قبل باسولي في محادثات الحكومة والمتمردين في الدوحة يجب أن يكون محل نقاش ثان في عملية تفاوضية أخرى تعقد في دارفور. وهكذا ظل الوسطاء في الدوحة عاجزين عن شحذ الروافع التي من شأنها إيجاد أي وسيلة ممكنة للتوصل إلى إتفاق سلام ما جعل أمر إنجازه بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلا. وجاءت الطامة الكبرى متمثلة في إجتماع لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الافريقي، والذي عقد في أبريل نيسان 2011، وجعل الوضع يزداد سوء بسبب إنتقاد المجلس علنا لباسولي وحده لفشله في “إقامة إتصال وثيق مع لجنة الإتحاد العليا” وطلب الإجتماع من باسولي “عدم اتخاذ أيا من القرارات، ولا سيما تلك المتصلة بأي تمديد لعملية السلام في الدوحة دون التنسيق مع المجلس ولجنته العليا”. وكان باسولي أيضا مذنبا في سعيه الدؤوب لإبراز شخصيته كفرد فاعل في عملية السلام أكثر من نشده السلام في الإقليم.

الواقع أن هناك إجماعا واسعا أن عدم وجود القدرات والدعم كان له تأثير ضار بدرجة كبيرة علي عملية الدوحة السلمية، والتي بدورها ساهمت في خلق وثيقة ضعيفة فشلت في معالجة بعض القضايا الأساسية، بشكل صحيح، وتوفير خريطة الطريق المحددة بشأن وسائل التنفيذ. وبدلا من اعتبار هذا الاتفاق كمرحلة أولى من عملية سلام أكبر، على أي حال، أصر باسولي على وضع مؤتمر أصحاب المصلحة في دارفور، المؤتمر الذي كان من شأنه أن يعطي “شعب دارفور ” الفرصة لإبداء رأيه في إعداد ما كان يعتبر مسودة للوثيقة . ونظرا لفشل مؤتمرات أصحاب المصلحة السابقة، بدا أن هذه الخطوة ببساطة هي محاولة من جانب باسولي لتأمين نوع من النجاح لعملية سلمية كي لا يلازمه الفشل. نتائج هذه الخطوة كانت عكسية تماما. فالمشاركون في المؤتمر، الذين لم يسمح لهم قط المساهمة في مشروع مسودة الوثيقة، أيدوا، في نهاية المطاف، الورقة التي قدمتها يوناميد، والتي فتحت بذلك الباب أمام الحكومة لتقول إن شعب دارفور قد أيد الوثيقة بالكامل. وعلاوة على ذلك، فإن حكومة السودان تمكنت مرة أخرى من التلاعب بالعملية السلمية، وإعتقلت بعض المشاركين الذين كان من المفترض أن يشاركوا في مقابل الذين حشدتهم الحكومة من ممثلي المجتمع المدني التابعين لها. ونتيجة لذلك، فإن ممثلي شعب دارفور المهمشين أصلا قد همشوا مرة أخرى جراء مشاركتهم في وقائع المؤتمر. ومن خلال توفيرهم منابر متعددة لإنهاء الصراع في دارفور، مع عدم التنسيق مع بعضهم البعض، فقد سمح الدبلوماسيون الدوليون الثلاثة لنظام الخرطوم بتوظيف واحدة من إستراتيجياته المفضلة، وهي ضرب مختلف هذه العمليات السلمية بشأن دارفور بعضها البعض، والتعهد بلا شئ، وهكذا أظهرت الخرطوم نفسها لتبدو متعاونة بينما هي تقوض الجهود الهادفة إلى السلام. إن عدم استعدادها لقبول إصلاح جدي على الصعيد القومي قد جعل نواياها الحقيقية ماثلة للعيان.

من هو المسؤول؟

عموما هناك سانحة للرغبة الدولية لإنجاز السلام في الإقليم، فرحيل باسولي يوفر فرصة لمجلس الأمن، وللأمين العام للامم المتحدة بان كي مون والمتنفذين الإقليميين لوضع إطار معين لهذه العملية السلمية الشاملة، والتي تهدف إلى تحقيق السلام في كل السودان. وفي حين أنه من الضروري إعتماد هذه الخطة بكلياتها من قبل الاتحاد الأفريقي، فمن المهم أيضا لضمان وجود جهة واحدة تشرف على هذه العملية، وينبغي أن تكون الأمم المتحدة نفسها. ولا بد من وجود وسيط فاعل مدعوم من قبل كل الأطراف في صلب هذه العملية النافذة، على أن يحظى بمساعدة فريق من الخبراء الدوليين. وهذا التوجه، أيضا، يشمل توضيح دور الرئيس أمبيكي، والذي ينبغي أن يركز، فقط، على دوره الأساسي المتمثل في التوصل إلى إتفاق بين السودان وجنوب السودان بشأن القضايا العالقة بين الدولتين. كذلك يتطلب التوجه الجديد ضمان قصر نطاق عمل قمباري على حفظ السلام وألا يكون تحقيق السلام جزء من مهمة تكليفه .

هذه العملية السلمية سوف تتطلب، أيضا، قيادة حقيقية من جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن: بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا والولايات المتحدة. ولعل هذه البلدان سوف تكون بحاجة إلى العمل مع الدول المؤثرة داخل الاتحاد الأفريقي من أجل التوصل إلى توافق في الآراء، ذلك إنطلاقا من مهمتها لإجراء عملية سلمية وطنية بشكل أكبر. العملية التي تتضمن قيام إنتخابات ذات مصداقية، وإجراء إصلاح دستوري، ومقاربة معقولة للقضايا الأقليمية المعنية. فضلا عن ذلك فهناك حاجة لعبارات واضحة توجه لجميع الأطراف الدولية حتى يتسنى للجميع العمل بفاعلية لإنفاذ خطة هذه العملية. إن أي شئ أقل من هذه الآمال سوف يضع دارفور ومناطق أخرى من السودان في صراع مع  جولات من محادثات سلام تنافسية وسقيمة، وربما تزيد من إحتمالات إستمرار الحرب.

إن حكومة الولايات المتحدة لديها دور خاص في توفير الدعم الدبلوماسي لخلق وساطة فاعلة بحق، علي الرغم من أن التركة المثقلة التي خلفها المبعوث الخاص السابق سكوت جريشن قد يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة. لقد ساعد غريشن، عبر جهوده لتوحيد متمردي دارفور، في خلق حركة التحرير والعدالة بمساعدة من ليبيا. ولقد أدي تحيزه الصارخ تجاه هذه الحركة، على كل حال، إلى استعداء الجماعات المتمردة الأخرى، وتقويض العمل الذي أنجزه بقية أعضاء فريقه لتوحيد الحركات المسلحة. والحقيقة أن غريشن يتحمل، جزئيا، مسؤولية الحصيلة المعيبة لمفاوضات الدوحة، وذلك بتجاهله لأهم حركة من جهة القوة العسكرية وهي العدل والمساواة وذلك على خلاف خطة سعي الوسطاء في الدوحة.

خلاصة:

إن المجتمع الدولي بحاجة إلى إتخاذ نهج جديد للسلام في دارفور، وعليه أن يبدأ في تغيير أسلوبه في التعامل مع السودان كله. ونعتقد أن الأولوية القصوى الآن تكمن في إبتدار مفاوضت سلام شاملة لكل السودان، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإصلاح دستوري، على أن يكون معلوما أن هذه هي الخطوة الأولى في عملية ذات أبعاد متعددة ترمي إلى تحقيق السلام في جميع أنحاء البلاد. وإذا كان القصد من ذلك كله هو الإذعان لإرادة الناس على المستوى الوطني، فإن كثيرا من التظلمات الشاملة التي لها جذور في الصراعات الإقليمية المختلفة في السودان سوف تجد المعالجة. ولضمان نجاح هذه العملية يجب أن يكون هناك أيضا أسلوب جديد للقيادة. ويتعين على المجتمع الدولي على أقل تقدير، التوقف عن التورط في إستراتيجية فرق تسد التي برع فيها حزب المؤتمر الوطني، وذلك من خلال إنتهاج عملية سلمية إقليمية متعددة بدلا عن عملية وطنية شاملة واحدة. إن حقوق الإنسان، والتمثيل السياسي المتوازن،والسلام، سوف لن تجد حظا للتحقق في دارفور إذا لم تعالج المشكلة الأساسية، وهي تراكم الثروة والسلطة في المركز.

نقلا عن سودانيز أون

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.