شهادة ياسر عرمان أمام لجنة توم لانتوس لحقوق الانسان بالكونغرس الأميركي

شهادة ياسر عرمان أمام لجنة توم لانتوس لحقوق الانسان بالكونغرس الأميركي
عضو الكونغرس وولف،
عضو الكونغرس ماكغفرن،
اعضاء لجنة توم لانتوس لحقوق الانسان بالكونغرس،

أعرب لكم عن امتناني العميق لاتاحة الفرصة لي للشهادة أمامكم اليوم بشأن الانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان في السودان.
كنت- ولا زلت- منذ خمسة وعشرين عاماً ناشطاً في نضال الشعب السوداني من أجل تحقيق السلام العادل والديموقراطية في السودان، ومن أجل الاعتراف بالتنوع بأشكاله كافة. وبدأت نشاطي السياسي ومساندتي لحقوق الانسان في السودان وأنا بعد طالب بالجامعة، حين تركت الخرطوم وانضممت إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة (الراحل) د. جون قرنق. وكنت أحد حفنة قليلة من السودانيين الشماليين في قيادة الحركة. وشغلت منصب المتحدث باسم الحركة حتى العام 2005، حيث جرى توقيع اتفاق السلام الشامل، وشغلت بعده موقع نائب الأمين العام للحركة.

وكنت مرشح الحركة الشعبية لرئاسة السودان في مواجهة الرئيس عمر البشير، لكنني انسحبت احتجاجاً على تزوير الانتخابات. ولما انفصل الجنوب عن الشمال، استمر نشاطي في الحركة الشعبية قطاع الشمال في موقع الرجل الثالث في قيادتها.

ولما كنت قد وصلت للتو إلى الولايات المتحدة قادماً من السودان، فبمقدوري أن أقدم للجنة وللكونغرس تقارير ذات معلومات حديثة عن الوضع الراهن. لكن يجب أولاً وضع الاحداث الحالية في سياقها التاريخي.

هناك أربعة أحداث تاريخية هددت استقرار وهناءة البشرية خلال القرنين الحالي والذي سبقه، هي الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، وأخيراً وليس آخراً الحرب على الارهاب. وهذه الأخيرة اشتركت فيها حكومة المؤتمر الوطني والرئيس البشير.

فالسودان- تحت حكم المؤتمر الوطني والبشير- كان موئلاً لقادة المنظمات الارهابية العالمية، بمن فيهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. هذان الارهابيان، ضمن آخرين، لم يهددوا أمن واستقرار السودان فحسب، بل والعالم كذلك. وهؤلاء لقوا وجدوا الترحاب للعيش في السودان، بل واتخاذه قاعدة لعملياتهم ومنطلقاً لنشاطهم.

ومن الأهمية بمكان أن هذا الارهاب طال السودانيين أولاً، ثم امتد بعدهم ليشمل العالم كله. فالمؤتمر الوطني والبشير شنوا حرباً على جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق، ووسعوا نطاقها ليصل إلى شرق السودان ودارفور، حتى لم تبق شريحة من الشعب السوداني إلا وحاربوها أو همشوها. وهم فصلوا تسعفياً الآلاف من ضباط الجيش والمهنيين والنقابيين، ودمروا حياة آلاف المزارعين والعمال في سائر أرجاء السودان.

ونتيجة لذلك، أزهقت أرواح مليوني سوداني من مختلف أنحاء البلاد، حصدتهم الحرب في جنوب السودان وأجزاء أخرى من شمال السودان، خاصة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وشرق السودان.
وبرغم قرار المحكمة الجنائية الدولية باتهام البشير وأحمد هارون، لكنهما ما زالا يحكمان السودان وجنوب كردفان متحدّين للمجتمع الدولي وللضمير الانساني.

إن المؤتمر الوطني هو جماعة فاشية، عازمة على فرض مذهبها الفكري باسم الاسلام. والاسلام السياسي عندهم هو مجرد أجندة يتوسلون بها للبقاء في السلطة بالحديد والنار والدم. وقد رأينا كيف انتهت جمهوريتهم الاسلامية الاولى بتقسيم السودان إلى دولتين. ومن شأن النسخة الجديدة من جمهوريتهم الاسلامية الثانية أن تقسم السودان أكثر ان بقوا في السلطة.
وقد بدأت الجمهورية الاسلامية الجديدة بحرب على جبال النوبة والنيل الأزرق، تسببت حتى الآن في نزوح ما يزيد على ثلاثمئة ألف شخص في ثلاث مناطق: جبال النوبة والنيل الأزرق وأبيي. ووقعت هذه الفظاعات تحت سمع وبصر المنادين بحقوق وكرامة الانسان وحكم القانون والديمقراطية. لهذا فمن الأهمية البالغة أن تركز هذه اللجنة على هذه الاحداث.

والمؤتمر الوطني لا يأبه لارادة المجتمع الدولي. ففي اللحظة التي نجلس فيها هنا، ألقي القبض على أكثر من مئة وأربعين من قيادات الحركة الشعبية- قطاع الشمال وأودعوا السجن، من بينهم سلوى آدم رئيس الحركة الشعبية في ولاية القضارف، وآدم علي رئيس الحركة الشعبية في ولاية شمال كردفان، وعبدالمنعم رحمة الشاعر والكاتب الذي يخضع للاحتجاز والتعذيب في النيل الأزرق.

وعدا هؤلاء، هناك الآلاف ممن عذبوا وقتلوا في جبال النوبة والنيل الأزرق، ودونهم كثيرون قابعون في القيد داخل بيوت أشباح المؤتمر الوطني في سائر أرجاء السودان.

وقد كوّن قادة المؤتمر الوطني لجنة برئاسة حاج ماجد سوار- وزير الرياضة- لتحويل مكان المقابر الجماعية في جبال النوبة التي تضم رفات أكثر من خمسة آلاف مدني ذبحوا بدمٍ بارد.

كل ذلك يجري الآن في السودان، خاصة في جبال النوبة وجنوب كردفان. ولهذا من المهم أن يكسر الكونغرس والشعب الأميركيين صمتهما عن الفظائع والابادة الجماعية والتطهير العرقي التي تمارس يومياً في السودان.

وفيما نحن مجتمعون هنا، تستهدف قوات المؤتمر الوطني الجوية المدنيين يومياً، قصفاً وقتلاً وتشريداً. لذلك، نعتمد عليكم لقيادة المجتمع الدولي لوضع حد لهذه الفظاعات عبر فرض منطقة حظر جوي فوق دارفور والنيل الأزرق. فذلك هو السبيل الوحيد لحماية ملايين المدنيين السودانيين.

وفي تجربتنا، كما في خبرتكم، أن المؤتمر الوطني لا يستجيب للحسنى، ولا يرعوي إلا بالشدة. والولايات المتحدة سبق وأن قادت العالم لتحقيق سلام نسبي في السودان، ويجب ألا تتوقف هذه الجهود. فالآن هو الوقت الأنسب لوضع حد لامتهان كرامة الشعب السوداني المستمرة منذ ما ينيف على العقدين، وما خلفته من فقدان لأرواح أكثر من مليوني سوداني ونزوح ملايين آخرين داخل بلادهم وخارجها.

والولايات المتحدة، من بعد، هي مأوى آلاف السودانيين من احتموا ببلادكم العظيمة، وسيلحق بهم- بلا شك- آلافاً آخرين إن لم نقوض سلطة الديكتاتور المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. وفي السودان، هناك منظمات مجتمع مدني وجمعيات تطوعية مثل رابطة ابناء جبال النوبة والنيل الأزرق، ومثل مؤسسة كوش، بحاجة للعون على القيام برسالتها النبيلة.

وإذا لم نضع حداً للمؤتمر الوطني، فقد نرى اجندة الحرب تعلو وتمتد لتجدد الحرب بين الشمال والجنوب كرة أخرى. وهو مسار نرى دعاته يكرسونه علناً في وسائط الاعلام والصحافة المملوكة لمتشددي المؤتمر الوطني، مثل صحيفة “الانتباهة” التي يملكها ويرأس تحريرها خال الرئيس السوداني.
والمؤتمر الوطني يستخدم العنف والحرب للابقاء على مقاليد السلطة في يده، وقادته يرغبون في الزج بالشعب السوداني في أتون الحرب تفادياً لاستحقاق الأزمات السياسية والاقتصادية من صنعهم وحدهم. مع أنهم يكثرون الحديث عن دولة جنوب السودان الوليدة ككبش فداء لمشاكلهم الخاصة، لكن من الجدير ذكره أن الأزمات في جبال النوبة والنيل الأزرق تعود جذورها إلى نحو اثنين وعشرين سنة مضت- أي قبل أمد بعيد من ظهور دولة جنوب السودان، فيما تكبر أزمة دارفور عمر الدولة الجنوبية بعشر سنوات.

والحق أنهم (في المؤتمر الوطني) بدأوا الحرب الحالية في جبال النوبة قبل شهر من ولادة دولة جنوب السودان. لكن، ونتيجة للهجمات والعنف، فإن جنوب السودان، والدول المجاورة، تحتاج للمساعدة على ايواء النازحين من شمال السودان
وكان الشعب السوداني، بعد نضال عشرين عاماً ضد حكم المؤتمر الوطني، حقق السلام- بمعونة المجتمعين الاقليمي والدولي- بتوقيع اتفاق السلام الشامل في نيفاشا الكينية. وهو اتفاق نهض لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: أولها تحويل سياسات الخرطوم من الحرب إلى السلام، من الديكتاتورية إلى الديموقراطية، واعادة هيكلة مركز القوة، وثانيها تأسيس الوحدة على الاختيار الحر للشعب السوداني بالسماح للسودانيين الجنوبيين ممارسة حقهم في تقرير المصير، وثالثها حل مسألة المناطق الثلاث (أبيي وجبال النوبة والنيل الأزرق).

ولم يتحقق من هذه الأهداف- رغم كفاح طويل ومرير- إلا هدف واحد، هو حق تقرير المصير. وبقيت الخرطوم على سيرتها الأولى، وظلت قضية المناطق الثلاث معلقة دون حل. بل حتى إن استقلال جنوب السودان يبقى شأنا غير محسوماً بالنسبة للخرطوم التي عاودت القتال في المناطق الثلاث، وأخذت تعزز سيطرتها على المركز، وتهدد حالياً بتوسيع نطاق الحرب إلى جنوب السودان.

لكن، ما مغزى ذلك؟
ترجمته على الواقع: نزوح ما يربو على الثلاثمئة ألف شخص في المناطق الثلاث، وعزل حاكم النيل الأزرق المنتخب، وحظر الحركة الشعبية- قطاع الشمال، وتمدد الحرب من دارفور إلى النيل الأزرق في الجنوب الجديد، ورفض التنوع وعدم الاعتراف به، وتبني الابادة الجماعية والتطهير العرقي والمقابر الجماعية سياسة اللحظة الراهنة تحت بطش حاكم جنوب كردفان المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية الذي عهد إليه المؤتمر الوطني قبلها بتنفيذ السياسات ذاتها في دارفور؛ ومعناه حرمان الآلاف المؤلفة من المدنيين من الحصول على المساعدات الانسانية، كل ذلك والعالم بعتصم بالصمت التام.

وقد قتل كثيرون أو عذبوا واتقلوا بأوامر مباشرة من رأس الدولة الرئيس البشير، الذي يتوجب التأكيد على أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.

وبرغم المساعي الاقليمية والدولية للتوسط في تسوية سلمية نتج عنها اتفاق أديس أبابا الاطاري، لكن هناك البعض ممن لا يزالون يطالبون بمكافئته (أي البشير). وقد بذلت الحركة الشعبية- قطاع الشمال كل ما بوسعها لتعزيز فرصة التوصل إلى تسوية سلمية عبر عملية سلام أديس أبابا التي تبخرت هباء بعد أن رفضها البشير.

وبسبب هذه التجربة المؤلمة، فإننا نعتقد أن الخيار الوحيد امام الشعب السوداني هو اسقاط نظام المؤتمر الوطني والبشير.
على أن سؤال من يخلف البشير هو مسألة مهمة، بل تم توظيفها في التبرير للابقاء عليه في السلطة بذريعة خوف الفوضى إذا أطيح به. وهي حجة واهية. فالسودان كان موجوداً قبل البشير بسبعة آلاف سنة، ولا يمكن تعليق مصيره ومستقبله برقبة رجل مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. والحياة السياسية السودانية والفعالين فيها أكثر نضجاً وأرسخ تجربة من بلدان كثيرة جربت التغيير في الآونة الأخيرة.

بل إن السودان سبق وأن شهد انتفاضتين شعبيتين أطاحتا بنظامين ديكتاتوريين في العامين 1964 و1985. والسودان- عبر عقود طوال- جرب التعددية الحزبية وجرب حركات التحرر القومية المسلحة. والسودان أغنى من بلدان كثيرة بتنظميات سياسية ناضجة ذات أجندة واضحة. والقوى السياسية السودانية منخرطة بعمق في حوار سياسي سيثمر في القريب العاجل مظلة لاحداث التغيير ولارساء الديموقراطية وتحقيق السلام. ولا شك في أن ذلك مما يجب على المجتمع الدولي مساندته.
والولايات المتحدة كانت سباقة في دعم الديموقراطية والسلام في السودان، ويجب عليها أن تفعل ذلك مرة أخرى الآن، فهي قيم مشتركة بين شعبي الولايات المتحدة والسودان. ولن يتحقق السلام الدائم في شمال السودان وفي جمهورية جنوب السودان إلا بوجود حكومة ديموقراطية في الشمال، وفي ظل نظامين حاكمين جنوباً وشمالاً يتقاسمان القيم ذاتها.

إن بقاء البشير والمؤتمر الوطني في السلطة لهي وصفة لاستمرار الحرب، والمعاناة، والتهميش، والتفرقة، والابادة الجماعية، والتطهير العرقي. وعلينا أن نختار الآن بين هذه الفظائع، وبين الديموقراطية وحكم القانون. إننا نؤمن بشعب شمال السودان، وهو يستحق نظاماً يعيد له الكرامة وحقوق الانسان، وبالضرورة يحظى بدعم الولايات المتحدة.

إنني، وزملائي في الحركة الشعبية- قطاع الشمال، نعتقد أن السودان والمنطقة والعالم بأسره سيكون أفضل حالاً ومآلاً من دون البشير والمؤتمر والوطني، ونعتقد أن السودان يمكن توحيده مجدداً في اتحاد بين دولتين مستقلتين. ويمكن للسودان اقامة علاقات استراتيجية مع جيرته والاسهام في أمن واستقرار العالم كله من دون البشير والمؤتمر الوطني.

إن أولى أولوياتنا- نحن السودانيين الذين عارضنا البشير طوال الاثنين وعشرين عاماً الماضية، ونحن الغالبية العظمى- أن نرى المساعدات الانسانية تصل إلى من يحتاجونها. ويجب ألا يسمح للبشير والمؤتمر الوطني بحظر عمليات الاغاثة. وهناك حاجة أيضاً لتحقيق دولي مستقل في وقوع جرائم ابادة جماعية وتطهير عرقي، خاصة في جبال النوبة. فقد ثبت بلا أدنى شك أن ارادة المجتمع الدولي تصنع العجائب في حماية المدنيين، لذلك ندعو إلى فرض حظر جوي لحماية المدنيين في المنطقة ممتدة من دارفور إلى النيل الأزرق.

إننا نتعشم من اصدقائنا في مختلف أرجاء العالم الاستمرار في الدفاع عن حقوق الشعب السوداني في الديمقراطية والسلام العادل. إن كونغرس الولايات المتحدة كان حامل لواء السبق في المدافعة عن حقوقنا، ولعل أسماء مثل أعضاء الكونغرس دونالد باين وفرنك وولف وجيم ماكغفرن تحظى بمكانة سامقة في وجدان العشب السوداني.

ختاماً، أود التعبير عن امتناني لتشريفي بهذه الفرصة التاريخية النادرة. فهي تعني الكثير لشعب السودان، ولذلك أزجي لكم شكري.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.