دين الطيب مصطفى !

التيار – عثمان ميرغني: الأستاذ الطيب مصطفى – كعادته- يجيد الإفلات من الفكرة والإمساك بخناق كاتبها.. فالرأي عنده ممهور ببطاقة صاحبه.. وفي عموده “زفرات حرى” بصحيفة الانتباهة يوم الخميس الماضي.. كتب محتجاً على عمود “حديث المدينة” بعنوان (تصحيح مفاهيم). الذي حاولت من خلاله تصحيح مفهوم الهوية والدين على خلفية تصريح لوزيرة الدولة بالإعلام، الأستاذة سناء حمد، قالت فيه: (بما أن السودان بعد انفصال الجنوب سيصبح 96.7% من سكانه مسلمين.. فلا مجال بعد اليوم للسؤال حول هوية الوطن).
وأهمية الرد على الطيب مصطفى أنه ليس مجرد كاتب أو ناشر. فهو من آل البيت! ومن البطانة! (لا أقصد بطانة الشيخ أبي سن).. بدرجة نافذ خارق (وأيضاً حارق).. قادر على الوصول إلى مراكز القرار وترهيبها.
وبعيداً عن مكاييل الشتائم والسباب التي أوغل فيها وأدمنها في عموده.. دعوني أوضح الفكرة أكثر.. حتى تصحح مفاهيم الدولة التي نعيش فيها الآن. ويرتاح السودان من رهق التنابز الوطني.

دين.. سادة وعبيد.!!
(دين!!) الطيب مصطفى هو دين آخر غير الإسلام الذي نفهمه.. (دين) عنصري فيه سادة وعبيد. دين بالبطاقة الحزبية والجهوية والقبلية.
دين ليس فيه معنى (الدين) بما قصده المصطفى صلى الله عليه وسلم. الذي قدمت سيرته الحياتية الشريفة أعظم الأمثلة في التعامل مع الآخر. اتسع صدره لليهودي والمسيحي بل حتى الوثني. الدين الذي رفع بلالاً الحبشي –في يوم الفتح- في أعلى الكعبة المشرفة بينما سادات قريش ينظرون إليه في حسد.
في عز الحرب الجسدية والنفسية عليه صلى الله عليه وسلم. وفي أضعف أوقاته وهو طريد تحاصره قريش ويقذفه غلمان الطائف بالحجارة. عرض عليه ملك من السماء أن يطبق الأخشبين (جبلان في مكة) على قريش. فيرفض العرض الرسول الكريم ويقول: (عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا).. كانت نظرة (استراتيجية) من النبي صلى الله عليه وسلم.. غير مبطنة بأحاسيس الغبن أو الثأر ممن عذبوه جسدياً ونفسياً.. فالرسول الكريم ينظر إلى المرامي والغايات لا إلى الثارات.
أما (دين الطيب مصطفى) فلم ينظر لمشكلة جنوب السودان بأكثر من أنها قضية مع (الشيطان!!) باقان أموم، و(الروبيضة!!) ياسر عرمان، و(العميل!!) منصور خالد.. وما إلى ذلك من الألقاب التي أدمن التنابز بها. استلّ سيفه واستخدم كل أدواته في الحكومة وخارجها لينفخ في أشرعة الانفصال حتى تكلّل النصر على يديه وأكمل انفصال جنوب السودان. دون أن ينظر لقول المصطفى: (عسى أن يخرج الله من أصلابهم…). إن كان فقد الأمل على الأقل في من هم في المشهد الراهن.
لم ير (دين!) الطيب مصطفى في جنوب السودان إلاّ (بعض!) الحركة الشعبية. ونسي ملايين من شعب الجنوب، الذين عندما أضرمت النار في قراهم ما نزحوا إلا إلى الشمال. ولكن الشمال لم ينظر إليهم إلا من وراء زجاج سميك وهم معزولون في معسكرات وأحياء بائسة في أطراف المدن.
ومن عجيب أن يصبح (انفصال!) جنوب السودان الآن (تفريج هم) أمام الهوية الإسلامية للدولة.. بينما انهمرت في تراب الجنوب دماء عشرات الآلاف من شباب السودان الذين هبّوا إلى (الجهاد!) في سبيل إبقاء الجنوب داخل حدود الدولة الإسلامية.. فهل بذلوا أرواحهم من أجل الحفاظ على جنوب يهدر الهوية الإسلامية؟ لماذا لم نترك الجنوب يمضي في حال سبيله من سنوات طويلة حتى نوفر أرواح الشهداء، ونزداد كيل بعير، بالمحافظة على الهوية الإسلامية. طالما أننا (فرحانين أوي) بتغير نسبة المسلمين في البلاد ووصولها 97% بعد أن خرج منها الجنوب. لماذا ضحينا بأرواح الشهداء؟

الطيب مصطفى بعلم أو بدونه أدار، ولا يزال، (يوميات!) حرب ضروس من أجل تطهير البلاد عرقياً. أكمل المهمة بنجاح في جنوب السودان.. ويستمر -بنجاح حتى اللحظة- في جنوب كردفان.. وقريباً سينتقل إلى دارفور. يوميات حرب عارية من ريح الإسلام. فـ(دين الطيب مصطفى) ضيق حتى عن المسلمين أنفسهم من غير حاملي البطاقة الحزبية.
ربما الذين يقرؤون صحيفة الطيب مصطفى الآن يتسلون بتطرّفها، من واقع الأخبار اليومية عن حال الدولة، وما تكابده من حالة انفصال وشدّ وجذب بين المكونات السياسية في الشمال والجنوب. لكن من اليقين بعد أن يمضي جيل إثر جيل ويأتي جيل لا يطالع (الانتباهة) إلا في دار الوثائق.. سيحتار ذاك الجيل كيف انتصر الجنون على العقل. بل كيف من الأصل دولة محترمة تسمح لبعض بنيها أن يحملوا الفؤوس ويخرقوا المركب. تماماً كما نقرأ نحن الجيل الحاضر قصة الدولة المهدية بعد انتقال المهدي عليه السلام إلى الرفيق الأعلى. ونحتار كيف لم ينجح خلفه وخليفته في المحافظة على الوحدة الوطنية التي أنجزها المهدي الذي كان جيشه من كل مكونات المجتمع السوداني. فانهارت الدولة المهدية على يد العنصرية الكاسحة التي سادت بعد المهدي. ورجع المستعمر بجيش قوامه من السودانيين أنفسهم الموتورين بالغبن والقهر.

غريزة الدين ..!!

هل تذكر – عزيزي القارئ- بواكير تجربتك عندما كنت تحاول تعلم قيادة السيارة لأول مرة.. تعليمات مدربك كنت تنفذها بكامل وعيك وشحذ عقلك.. تتحسس الفرامل.. بل أحياناً تحاول أن تنظر إلى موضع رجليك لتدوس على البنزين أو “الكلتش” أو الفرامل..
لكن بعد أن تعلمت وتدربت على القيادة، ومع مرور الزمن صارت قيادة السيارة (غريزة) تمارسها بعفوية دون حاجة لإرهاق عقلك بالتفكير في التصرّف المناسب في الوقت المناسب.. فإذا ظهر أمامك في الشارع فجأة عابر فإن رجلك اليمني تتحرك نحو الفرامل وتضغط عليها بلا تفكير.. بالغريزة.
كذلك الدين..!!

تتعلم مبادئه وتتلمس مفاهيمه، فتخالط روحك، وبمرور الزمن يصبح جزءاً من غريزتك تمارسه دون الحاجة لشحذ الذهن أو استدرار الفطنة والتعاليم الدينية.. مثلاً..
إذا كنت موظفاً في الحكومة بيدك القرار.. وعرض عليك أحدهم رشوة مغرية.. قياس علاقتك بالدين تتوقف على الطريقة التي (ترفض!!) بها الرشوة.. إذا تحوقلت وتعوذت واستدعيت في عقلك النصوص الدينية التي تحرم الرشوة.. فأنت تمارس الدين بعقلك.. مثل قيادة السيارة في أول أيام تعلمك، بالعقل.. لكن إذا نظرت للرشوة كما تنظر للجيفة النتنة.. وعافتها نفسك بصورة (غريزية) عفوية.. فالدين –إذاً- مخلوط في كيانك جزء لا يتجزأ من (هواك) ينطبق عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). والهوى هنا مقصود به ميول النفس الطبيعية بلا حاجة لزجر أو جر.

كذلك الدولة.. الدولة التي تمارس الدين بالنصوص الدستورية، و(الأكليشيهات) النصية. هي دولة لا تعرف معنى الإسلام الحقيقي وتمارسه عنوة كابتلاع المريض للدواء المرّ.
الدولة (الإسلامية!) الحقيقية ليست بحاجة لنص دستوري أو ديباجة تعلن الإسلام. إلا إذا كان الإسلام في مفهموها (تعويذة) أو (حائط صدّ) يجعل الطعن فيها، طعناً في الدين. فالإسلام دين حياة شامل متكامل.. حزمة مبادئ تعنى بالحياة كلها على مستوى الفرد والدولة أيضاً. وأية محاولة للإشارة إلى الإسلام في لافتة (Label) تعني (التبعيض) و(التخصيص). مثلاً إذا أعلنت الدولة أنها تتبع وتنتهج الاقتصاد (الإسلامي!!) فذلك يعني (تبعيض) الإسلام في مفاهيم اقتصادية محددة.. والأجدر الإيمان بأن الاقتصاد هو جزء من منظومة الحياة الإنسانية الشاملة.. مباح إلا ما نهت عنه الشريعة. فالدولة التي تسمح مثلا بالربا في نظامها المصرفي (السعودية مثلا) هي دولة نظامها الاقتصادي (لم يتضمن بنداً) يحرم الربا. دون الربط مباشرة بـ (إسلامية!) الدولة. فإذا سمحت دولة أوروبية مثل ألمانيا بوجود نافذتين في البنوك.. واحدة تعمل بالربا والأخرى بدونه. فلا يعني ذلك أنها دولة نصف إسلامية لأنها مارست (نصف) تحريم للربا. بل يعني أنها دولة يسمح قانونها بـ(تحريم) الربا في العمل المصرفي.
أدرك أنه صعب على الطيب مصطفى تفهم -لم أقل فهم- مثل هذه المعنى. لكني أومن بأن أحد أكبر معضلاتنا اليوم، سيادة وغلبة (دين الطيب مصطفى) على المسلك الرسمي العام. الدين الذي يمنح الغفران أو يحجبه بعد التفرس في بطاقة السجل المدني.
الدين الذي يحتاج إلى لحية وجلابية ومسبحة لإثبات النسب إليه. ويحتاج موظف الحكومة فيه التوقيع على الحضور (Attendance) في صلاة الظهر التي يؤديها في موقع العمل.. حتى لا يحسب (ضد التوجه!).
الدين الذي إذا انتسب فيه الموظف إلى (جمعية القرآن الكريم) في موقع العمل جاز له ترك مصالح الناس والتفرغ لتلاوة القرآن خلال ساعات العمل. بينما صفوف المواطنين تنتظره لقضاء مصالحها. وويل للمدير إذا اعترض أو عارض هذا المسلك.. فهو إذاً (ثورة مضادة للتوجه).
بكل المقاييس الذي نمارسه الآن في السودان هو (فصل للدين عن الدولة) وبأعتى ما تيسر. فنحن نمارس (العلمانية!) التي يشتم بها الطيب مصطفى خصومه ويسميهم (بني علمان). نصر أن (الحركة الإسلامية) هي حركة لمن يحمل بطاقتها. وأن حزبها الرسمي (مثل الراعي الرسمي في كأس العالم) هو حزب المؤتمر الوطني. والأجدر أن نؤمن أنه ما دام الحزب الشيوعي (شخصياً) ارتضى أن يمتثل للشروط التي حددتها الدولة (الإسلامية!!) للترخيص للأحزاب فهو متساوٍ في الحقوق والواجبات مع أي حزب آخر.. ولو كان المؤتمر الوطني.. حزب الحركة الإسلامية الرسمي.
بغير هذا نحن نهدم مبدأ (الاستقامة!!) الذي أكده القرآن الكريم.. المبدأ الذي يأمر بالعدل والإحسان.. وهل هناك أكثر عدلاً وإحساناً من أن يتساوى الناس والأحزاب تحت القانون.

النموذج التركي..!!

حزب العدالة والتنمية في تركيا ما احتاج أبداً لـ(فقه الضرورة) ليحكم قبضته على البلاد. أمعن التمسك بشمولية الإسلام فلم يرهق نفسه بضخّ الشعارات المعبئة بالعلامة التجارية (إسلامية).. بل تعامل مع الواقع بما تفرضه روح الإسلام. لم يعتمد على دعم المؤسسة العسكرية في اكتساب القوة. بل على النقيض كان الجيش يكشر له أنياباً كاسرة. فاضطر حزب العدالة والتنمية إلى الاحتماء بالشعب عبر انتخابات نزيهة كانت في كل مرة ترفع أسهمه أكثر وتزيده قوة على قوته.
عندما تسلم حزب العدالة الحكم، لم يقطع –في اليوم التالي- العلاقات مع إسرائيل. سمح لكل شيء أن يسير في مجراه الطبيعي. فماذا حدث بعد سنوات قليلة.
استدعى وزير الخارجية الإسرائيلي سفير تركيا في إسرائيل. جلس السفير التركي في مقعد منخفض قليلاً أمام وزير الخارجية الإسرائيلي الذي كان في مقعد أعلى. خرج السفير التركي من مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية وأبلغ حكومته بما حدث. بعد ساعات قليلة كانت تركيا ترسل الإنذار الأول لإسرائيل تطلب منها الاعتذار فوراً.. بعد أقل من ساعة اعتذرت إسرائيل علناً وعلى رؤوس الأشهاد.. تركيا رفضت صيغة الاعتذار وطلبت فوراً وقبل انقضاء الليلة اعتذاراً واضحاً بكلمات سافرة.. لم تجد إسرائيل غير أن تمتثل وتكرر الاعتذار بالعبارات التي حددتها تركيا.
لم تكن إسرائيل تخشى من عمل عسكري تركي ضدها. لكنها كانت تعلم ما معنى أن تكون تركيا ضدها. هكذا كان يفهم حزب العدالة معنى القوة. قوة الاقتصاد والدبلوماسية والسياسة وقبلها قوة تماسك الدولة نفسها.
هوى الموت.. وهوى الحياة..!!
عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) كان يقصد أنّ (هوى) الموت في سبيل الله قد يأتي شجاعة أو ثأراً أو غيرة. بل هناك من يقتل نفسه إذا خسر فريق كرة القدم الذي يشجّعه نتيجة المباراة.. لكن (هوى) الحياة بالقيم التي رسمها الإسلام أشقّ وأصعب. كما قال الشيخ الغزالي عن بعض الشعوب المسلمة: (مستعدون للموت من أجل الإسلام.. لكنهم غير قادرين على الحياة بالإسلام).. تاجر -مثلاً- إذا دعا داعي الجهاد ترك كل شيء وجاهد حتى لو ضحى بروحه.. ولكن إذا عاد لمتجره مارس الغش في تجارته.. بدم بارد.
أو شاب مسافر للحج أو العمرة، لا يستحرم استخراج شهادة (زور!) من جهة عمل لا يعمل معها. من أجل تسهيل خروجه من البلاد. ففي ظنه أن شهادة الزور التي حرمها الإسلام، هي شهادة من يقف أمام القاضي في المحكمة. وفي ظنه أن سمو غاية (الحج) تمسح خطيئة الوسيلة إليه.
الذي يجهله (أو يتجاهله) الكثيرون. أن كل القيم التي فرضها الإسلام أو حرمها على الفرد هي نفسها حرام على الدولة أو أي جهة اعتبارية.
وأن ليس هناك صفة أو عمل واحد أحله الله للدولة وحرمه على الفرد. إلا ما ارتبط بخصوصية الدولة في مقابل الفرد. الكذب حرام على الفرد وعلى الدولة.. الخداع، الظلم، وكل الصفات.
على كل حال..!!
الإمبراطور نيرون الذي أحرق روما بمن فيها. لم يكن يقصد قتل شعبه، كان ينوي إعادة بناء روما. أشعل النار في المسرح فانتقلت إلى الأحياء وقضت على (10) أحياء كاملة من أصل (14) حياً.. لم يحترق شعب روما بـ(النوايا)، بل بـ(الأفعال).
(دين الطيب مصطفى) فصل الجنوب.. وسيحرق جنوب كردفان.. والإمبراطور فوق الجبل يغني أشعار “هوميروس” وهو ينظر للأجساد تتلظى.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.