قراءة تحليلية لسيناريوهات إنتخابات جنوب كردفان التكميلية .. وتداعيات سقوط الحركة الشعبية

( 1 – 4 )

بقلم / آدم جمال أحمد – سدنى – استراليا

إنجلت المعركة وحسم الجدال وإنفضّ سـامر الإنتخابات – التكميلية – بولاية جنوب كردفان بفوز مرشح المؤتمر الوطنى أحمد محمد هارون بمنصب الوالى ، بفارق ليس كبيراً فى الأصوات بينه وبين مرشح الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو كما كان متوقعاً ، حيث أعلنت المفوضية القومية للإنتخابات .. حصوله على (201.455) صوتاً ، ولكن ما زالت النتائج محل جدل واسع مقابل (194.955) صوتاً للحلو مرشح الحركة الشعبية ، فيما حصل المرشح المستقل تلفون كوكو ابو جلحة على (9130) صوتاً ، وبذلك لقد أسدل الستار بأعلان النتيجة النهائية على كل التأويلات والتجاذبات والتهديدات بين الطرفين ، ومحاولتهما لإستعراض القوة وإبراز العضلات .. والتى ربما كانت تقود لعرقلة الأمور وخلق حالات من الفوضى في بعض مدن الولاية الكبرى ، وخاصة محاولات الحركة الشعبية وحشدها للآلاف من جنودها .. ومقاطعاتها لكل لجان الفرز للعملية الانتخابية ! ، بالإضافة الى عدم إعترافها بالنتائج ، وإعتبرتها عملية تزوير من قبل خصمها المؤتمر الوطنى ..

ورغم سقوط الحركة الشعبية وحصولها على أقل من ثلث مقاعد المجلس التشريعى بالولاية ( 10 ) ، وفوز المؤتمر الوطنى وحصوله على على أكثر من ثلثى مقاعد المجلس التشريعى بالولاية (22 ) من جملة (32 ) مقعدأ ، إلا إن هذه النتيجة والسيناريوهات التى صاحبت هذه الإنتخابات ، تحتاج منا لتحليل وقراءات دقيقة ، حتى نبين للقارئ كل الملابسات وتداعيات فوز المؤتمر الوطنى ورسوب وخسران الحركة الشعبية لماراثون هذه الإنتخابات التكميلية ، بعد أن إنتظمت الولاية خلال تلك الآيام حركة سياسية نشطة ومحمومة ، وسط إهتمام دولى كبير ربما تجاوز الولاية ومكوناتها الهشة أمنياً وسياسياً الى مكونات اخرى خارجها تتقاطع وتتطابق مصالحها بما جرى وما يدور فى رحم الغيب بجنوب كردفان ، ولقد إكتسبت هذه العملية الإنتخابية ما بين الشد والتجاذب وسط ولادة قيصرية بعداً آخر ، ولا سيما لقد دخلت العملية برمتها فى توازنات سياسية مرتبطة بمصالح محلية وخارجية من خلال تنافس عزز من مخاوف المراقبين بأن تعيد المنطقة مجدداً لدائرة العنف .. عنف بدأ فيها الطرفان يتهمان به بعضهما البعض من خلال التوتر الذى خيم على العملية الإنتخابية بعد الأحداث التى شهدتها الولاية مؤخراً فى منطقة “الفيض عبدالله” والتى راح ضحيتها أكثر من عشرون قتيلاً ، أو من خلال خطاب رئيس الجمهورية عمر البشير بمنطقتى المجلد وكادقلى ، والذى إعتبره قادة الحركة الشعبية بمثابة إعلان حرب .. بالإضافة الى خطاب مستشاره نافع على نافع ، أو كذلك من خلال تلويح الحركة بإستخدام القوة وتصريحات قادتها الإستباقية قبل بدء عملية الإنتخابات عدم إعترافهم بالنتائج حال فوز المؤتمر الوطنى بهذه الإنتخابات ، وكل ذلك وسط جو محلى مشحون حالياً بالتوترات نتيجة للإستقطاب الأثنى والقبلى الصارخ والصراعات الحادة بين المجموعات المتنافسة ، ينذر بإمكانية حدوث عنف سياسى مسلح يهدد الأمن والسلام والتعايش وجر الولاية مرة أخرى الى مربع الحرب من جديد .. إذا لم يتم التحكم فيها الى صوت العقل والحكمة ، والإرتضاء بالعملية الديمقراطية وقبول النتيجة من قبل كل الأطراف سواء كانت سلباً أم إيجاباً أى بوجود منتصر ومهزوم .. وفى هذا الجو المشحون بالتباين والإختلاف نحاول أن نوضح بعض الحقائق فى تجرد دون لى لعنق الحقيقة أو المظاهرة بدفن الرؤوس تحت الرمال كما تفعل النعام ، لكى نتعرف على خفايا وأسرار وملابسات هذه الإنتخابات المفصلية ، والتى كانت بمثابة أمل لكل مواطنى جنوب كردفان تمثل لهم نقطة فارقة لبداية تاريخ مشرق ونهاية لتاريخ قاتم عاشته الولاية خلال كل الحقب الماضية منذ تكوين الدولة السودانية ، وتكمن أهميتها فى جوانب عديدة للولاية ، لأنها مرتبطة بمستقبل شعب جنوب كردفان كله وعلاقته الكلية بدولة الشمال من حيث الحقوق المرتبطة بالمشورة الشعبية ، والتى ينتظر نتائج ثمارها الشعب ، من خلال هذه الإنتخابات .. وكانت فرصة لإعادة الحقوق وضمان إجراء عملية المشورة الشعبية بشفافية ، ولكن نتيجة فوزا الشريكين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية الثنائى فقط بكل الدوائر للمجلس التشريعى الولائى ، يوحى بعدم وجود ديمقراطية والتشكيك فى نزاهة هذه الإنتخابات ، وعملية إقصاء للقوى السياسية والأحزاب الأخرى ، فأضحى مصير الولاية مرهون لإرادة شركاء نيفاشا ، وهذا الشكل من الممارسة سيؤثر بصورة واضحة على إستقرار الولاية وشبح التوترات الأمنية والمشاكسات التى بدأت تلوح فى الأفق.

كيف بدأ توتر أجواء العملية الانتخابية بولاية جنوب كردفان:

بالرغم من أن صناديق الإقتراع لم تفتح وقتها للناخبين ، نجد أن الحركة الشعبية فى أكثر من منبر ومن خلال تصريحات قاداتها .. عبدالعزيز الحلو .. ياسر عرمان .. مالك عقار ، دوماً يؤكدون فوزهم بإنتخابات الولاية ، فيما ذهب المؤتمر الوطنى وقياداته لتأكيد ذات النتيجة لصالحهم ، وهذا ما زاد من المخاوف لكل المراقبين بأن تقود هذه العملية الإنتخابية لحالة من العنف مجدداً فى الولاية حال رفض أى من المتنافسين للنتيجة ، ويعزى ذلك لحساسية هذه الإنتخابات ، لأنها مرتبطة أولاً بالمشورة الشعبية بالنسبة للحركة الشعبية والمواطنون فى جبال النوبة وخاصة منسوبى الحركة ، وأصبحوا متعلقين بها ، بعد أن فشل بروتوكول السلام الخاص بجبال النوبة وبروتوكول الترتيبات الأمنية أن يحقق لهم شيئاً وخاصة للحركة الشعبية فى المنطقة ، مما أدخلتها فى حرج شديد مع مؤيديها وشعب جبال النوبة ، فأصبحت المشورة الشعبية لها بمثابة قارب النجاة الوحيد والقشة التى يمكن أن تتعلق بها ، بالإضافة الى أن الرأى العام لبعض أبناء النوبة يرون أن المشورة الشعبية يمكن أن تحقق لهم شيئاً .. وللولاية إذا أحسن إدارتها وتم تطويرها .. وثانياً تمثل صمام الأمان نسبة لموقع جنوب كردفان المميز والإستراتيجى والذى يحازى أربع ولايات جنوبية ومنطقة تماس ، فإستقرارها يعنى إستقرار دولة الشمال ، وأيضاً تمثل الثروة البترولية البديلة لبترول الجنوب بعد كشف كميات كبيرة من إحتياطى البترول فى باطن أراضيها بالإضافة الى الثروة الزراعية والحيوانية والغابية والمعادن الأخرى وبها منطقة أبيى المتنازع عليها ، وكذلك تخشى محاولة توسع حركات دارفور والسيطرة على الإقليم .. مما يعنى نهاية لحكمهم .. مما خلق حدة التنافس بين الطرفين.

بالإضافة الى ذلك الخلافات الحادة بين أبناء الولاية منذ إنطلاقة الحملة الإنتخابية لللمرشحين لخوض خمار هذه الإنتخابات الولائية التكميلة لمنصب الوالى والمجلس التشريعى ، والتى سبق أن تم تأجيلها نتيجة للخلافات ، التى نشبت بين الشريكين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية حول عدم قبول الأخيرة بنتيجة الإحصاء السكانى بالولاية وعدد تقسيم الدوائر الانتخابية ، والتى تم تحديدها بـ (54 ) دائرة جغرافية الآن ، والتى تعنى عملية فوز أحد الأطراف فيها بمنصب الوالى وغالبية مقاعد المجلس التشريعى المطروحة فى الإنتخابات ، يضمن له السيطرة والتمكن على مفاصل الحياة السياسية والأمنية والإقتصادية وأيلولة أمور وتصاريف المنطقة ، ويسهل له لعب موازنات .. وإجراء معادلات ومتغيرات على الخارطة السياسية والمستقبلية لولاية جنوب كردفان المأزومة .. مما جعل حدة التنافس لهذه الإنتخابات أن تكتسب أهمية كبرى ، وبذلك كانت تمثل هدف إستراتيجى ، للطرفين المتنافسين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية .. نسبة لعلاقتها المباشرة بالمشورة الشعبية المنوط تنفيذها من قبل المجلس التشريعى الولائى المنتخب ، وربما لموقع الولاية المميز وإرتباط بعض ابنائها بالجنوب وقتالهم ونضالهم بصفوف الحركة الشعبية ، فلذلك كان يأمل الجنوبيين فوز شريكهم عبد العزيز الحلو ، حتى يتمكن من لعب دور صمام الأمان لمناطق التماس والجوار ويصبح مسمار جحا لحكومة الشمال ، والحليف الإستراتيجى لدولة الجنوب بعد إعلان إنفصالها بصفة رسمية فى التاسع من يوليو القادم ، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن.

تعقيدات العملية الإنتخابية بولاية جنوب كردفان:

إن تعقيد البيئة الإجتماعية بالولاية والتى شهدت حالة من الإستقطاب الإثنى والقبلى بين المجموعات النوبية و المجموعات العربية بالمنطقة ، يقودها الشريكان المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية بتوجهاتهما المختلفه ساهمت بشكل مباشر فى تعقيد العملية الإنتخابية بولاية جنوب كردفان ، بالإضافة الى البيئة الأمنية الهشة نتيجة ، وخاصة بعد تداعيات إنفصال الجنوب ، وعملية فك الإرتباط المرتقبة على المستوى السياسى والعسكرى ، وذلك من خلال ما أقرته الإجتماعات المشتركة لقادة الحركة الشعبية فى الجنوب والشمال ، والتى سوف تشهد تشهد عودة الكثيرين من مقاتلى أبناء جبال النوبة فى صفوف الحركة الشعبية بالجنوب الى الولاية بعد ، بالإضافة الى الحشود العسكرية وحالة التسليح الواسعة فى صفوف المواطنون والقبائل المختلفة بالولاية ، والتى نحسب بأنها لقد ألقت بظلالها على مجمل الأوضاع .. ولا سيما المشهد السياسى والأمنى فى الولاية من خلال صدى الطبول التى تقرع هنا وهناك منذرة بوقوع صدامات وشيكة ، فى ظل التوترات القائمة وحالة الشد والجذب مما قد يؤدى بتبعاته الى مواجهات ومناوشات تشعل فتيل الأزمة وإشعال الحرب من جديد ، وخاصة أن هذه النتيجة لن تجعل الوضع فى جنوب كردفان ساكناً إذا لم يتدراك جميع أطراف خيوط اللعبة الإخفاقات وتلاقى أثارها وتداعياتها فى واقع الولاية ، الذى زادته الإنتخابات أكثر إهتراءً .. بعد ان إعتاد أهل الولاية على الظهور الحميم للوالى أحمد هارون ونائبه عبد العزيز الحلو ، وباتت من المشاهد المألوفة للناس فى جنوب كردفان .. لأن ما بين الرجلين من المودة لقد ذلك شكل قاعدة صلبة للإستقرار بالولاية طوال فترة حكميهما .. فالحلو دوماً ما يقول عبارته المشهورة: (هارون أخي). وكذلك بالمقابل كان أحمد هارون لا يمل من تكرار كلمة: (أنا وعبدالعزيز أخوى) .. ولكن أنهت نتيجة الإنتخابات التكميلية بالولاية تلك العلاقة النادرة بين الرجلين وحالتها إلى نوع من العدائية فى الوقت الراهن.

تداعيات فوز أحمد هارون وتفوق المؤتمر الوطنى:

إن نتيجة إنتخابات ولاية جنوب كردفان ليست بحاجة إلى عراف أو كاهن سياسى حسب التنبؤات والتكهنات بما سيفضى إليه السباق الإنتخابى ، أى تبدو شبه معروفة إن لم تكن محسومة لأن للمؤتمر الوطنى له نفوذ ومجالاً حيوياً على إمتداد مناطق المسيرية بالمنطقة الغربية ، والتى إنضم عدد من أبنائها الذين إنسلخوا من الحركة الشعبية إلى الوطنى مؤخراً، إلى جانب قبائل أولاد حميد وكنانة وتقلى بالمنطقة الشرقية ، ومناطق عرب البقارة الحوازمة بالمنطقة الشمالية حتى الدلنج .. بالرغم أن تلك المناطق ليست مقتصراً ولاؤها للمؤتمر الوطنى فقط أى بمعنى آخر ليس بالأحرى أن يكون كل عربى مؤتمر وطنى أو مشروعاً لذلك ، ولكنه الأوفر حظاً فيها .. وكذلك بنفس المنطق ليس كل نوباوى مشروع لحركة شعبية أو أن يكون فى المقابل حركة شعبية ، ولكن من أراد حصد أصوات الناخبين وإكتساح الإنتخابات عليه دفع وحث العضوية والمناصرين على التسجيل ، فلذلك لقد حسم المؤتمر الوطنى موقفه في تلك المناطق بعد إجتهاده فى تسجيل عضويته ومناصريه والغاضبين من الحركة .. وما صرفه من أموال ضخمة بالإضافة الى تسخير إمكانيات الدولة والولاية من وسائل حركة ونقل وأجهزة الإعلام المختلفة ، ووما تميز به رئيس حملته الإنتخابية من خبرة وسابق تجربة طويلة الأستاذ حاج ماجد سوار ، والذى كان رئيس حملة رئيس الجمهورية عمر البشير ولا سيما يعتبر احد ابناء الولاية خبيرلً بمفاصلها ، فلذلك كان وضعه مريحاً في (21) دائرة ، والحركة الشعبية وضعها مريح في (9) دوائر بينما كانت هناك دوائر أخرى للمنافسة للمجلس التشريعى الولائى ، أما فيما يتعلق بمنصب الوالى .. إستعداد المؤتمر الوطني المبكر للانتخابات بينما تقاعست الأحزاب الأخرى ، التى ما كانت تتوقع قيام الإنتخابات ، بالإضافة الى نتيجة الإنتخابات السابقة كمقياس رغم ما صاحبها الكثير من الجدل وعدم المصداقية بإعتبارها مزورة ، حيث نال المؤتمر الوطنى من خلال مرشحه للرئاسة نصيب الأسد من الفوز ، فلذلك بدأ مرشح المؤتمر الوطنى أحمد محمد هارون بتدشين حملته الإنتخابية من حاضرة الولاية كادقلى وشرفه نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب الدكتور نافع على نافع والذي حرص فيه على تأكيد فوز مرشح الحزب لمقعد الوالى ، ثم زيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية الأستاذ على عثمان محمد طه وإختتمها رئيس الجمهورية عمر البشير بفتح عدد من المنشئات والخدمات ، فلذا كانت كل الدلائل تتكهن وتتنبأ بفوز أحمد هارون فى هذه الإنتخابات على عبدالعزيز الحلو ، لإمتلاكه الكثير من أوراق القوة .. مثل نجاحه فى الإستقرار الأمنى والسياسى وتنفيذ العديد من المشروعات التنموية التى أحدثها فى ولاية جنوب كردفان منذ أن تم تعيينه والياً لها ، وبينما لم تكتمل مشروعات أخرى .. فلذا كان يأمل الكثير من مواطنى جنوب كردفان بأن فوز أحمد هارون يعني لهم إكتمال بقية المشروعات التى بدأها وإستقرار أمن الولاية .. أما فوز عبدالعزيز الحلو فى نظرهم إنه لن يستطيع أن يأتى بـ «طوبتين» من المركز للولاية .. مما يعنى التهميش والفشل وعدم الإستقرار السياسى والأمنى بالولاية ، لأن المواطن العادى المغلوب على أمره لا يهتم كثيراً الكلمات والعبارات المنمقة وأى حزب سياسى أو برنامج إنتخابى ، ولكن بقدر ما يهمه من يخدم له الخدمات الضرورية التى يحتاجها من مستشفيات ومراكزية للعلاج وأبار للمياه ومدراس لتعليم الأطفال وطرق وكبارى وتنمية وأمن وإستقرار ، فلذلك كانت فرص فوز أحمد هارون هى الأكبر بناءاً على تلك الحيثيات التى أشرنا إليها.

تداعيات فشل عبدالعزيز الحلو وسقوط الحركة الشعبية:

هناك جوانب مهمة تتشابك خيوطها وخطوطها أثرت فى المعطى المحلى ، وأخطاء تبين عدم تفوق الحركة الشعبية وإكتساحها للإنتخابات ، تستدعى التوقف لمحاسبة من تسبب فى عدم الفوز ، ولماذا جاءت النتيجة مخيبة للآمال بهذا الشكل ، والذى يحتاج لمراجعات بشدة لتصحيح المسار ومقابلة مطلوب المرحلة المقبلة وليس التعنت والإصرار ، فماذا اعدت الحركة فى جنوب كردفان لهذه المرحلة وماذا قدمت طوال هذه الفترة فى قطاعات الولاية فى غربها وشرقها وجنوبها وشمالها ، وقد يكون سوء التقدير وعدم إعطاء الأمور حجمها الحقيقى ، وعدم تقييم التجربة وإقامة مؤتمر جامع لتوحييد الصف والقيادة والخطاب السياسى والإعلامى وراء عدم الفوز ، بالإضافة الى أن الحركة الشعبية بجنوب كردفان لا تمتلك إرادة حرة فما زالت أسيرة تتلقى تعليماتها من السادة الجنوبيين من مدينة جوبا ، فلذلك تفتقر الى بوصلة خاصة بها مما جعل تتخبط فى قراراتها اللائية وفقدانها للتخطيط والتكتيك السليم ، إضافة لعدم وجود إستراتيجية دقيقة لخوض هذه الانتخابات ، بعكس المؤتمر الوطني الذي شرع في العمل لهذا اليوم منذ الإتفاق على إجراء إنتخابات تكميلية بهذه الولاية ! .. وكذلك عدم وجود مؤشرات أيدولوجية تؤهل الحركة الشعبية للفوز في انتخابات الولاية ، تتمثل فى عدم توافق سياسى وإجماع بين أبناء النوبة ووقوعهم فريسة للأطماع والإنقسام ما بين مؤيد للحركة الشعبية .. والمؤتمر الوطنى .. ومن هو ناقم للطرفين .. فلا إنجاز للحركة الشعبية يذكر طوال الفترة الإنتقالية أو من خلال فترة قيادتها للولاية فى عهد اللواء خميس جلاب كوالى .. أو عبدالعزيز الحلو كنائباً للوالى ، رغم حرصه على الطواف والتجوال على كل محليات ومدن وقرى الولاية ، وتدشين حملته الإنتخابية وسط إهتمام كبير من قادة الحركة الشعبية التى سخرت كل إمكانياتها لدعم ترشيح الحلو ، فكان حضور رئيس المجلس التشريعى لحكومة الجنوب وحرم الراحل دكتور جون قرنق ربيكا قرنق ، وكان خطاب الأخيرة أشبه بما يكون الرد على ما جاء في خطاب دكتور نافع، فجاء عدائياً واستخدمت فيه الكثير من المفردات التى تؤكد أن مرشح حزبها هو الأقرب لنيل مقعد الوالى .. رغم أن عبدالعزيز الحلو لقد فشل حتى ان يخلق صحوة وإنتباهة وسط ابناء النوبة والولاية للالتفاف حول قضاياه الجوهرية ، والتشبَث بمكتسباته المشروعة ، الا انه ما يزالون يعيشون بلا مبالاة وإنصرافية عن قضاياهم ويفتقدون القدرة على توحيد الجهود لتخليص رقابهم من جلاَّديهم ومغتصبي حقوقهم (شمالا وجنوبا)، و لا يدافعون عن الذين يقاتلون بإسمهم مما يجعل رموزهم دائماً اهدافاً سهلة لأعداء المنطقة وأعداء مصالحها ، فمثلاً رغم مرور ما يقارب العامين من إعتقال تليفون كوكو لايزال رد الفعل ضبابياً وبارداً وكأن ماجري حدث في ألاسكا ضد قيادي من (أنقواتيرا) .. بالإضافة الى أن الجنوبيين والشيوعيين هم من كانوا يقودون الحملة الإنتخابية وغرف العمليات والرصد والمتابعة ، ولا سيما الشيوعيين لهم أجندتهم وأهدافهم الخاصة فليس حباً فى النوبة أو ولاية جنوب كردفان ، وأيضاً تبعات إنفصال الجنوب لقد ألقى بظلاله وخلف ترسبات فى دواخل الكثير من أبناء النوبة بأن الحركة الشعبية (الجنوبيين) خدعتهم وخانت قضيتهم ، مما أضعف من نقاط قوة عبد العزيز الحلو لدرجة كبيرة فى الفوز بمنصب الوالى بينما ظلت حظوظهم فى كسب الدوائر على إمتداد مناطق الثقل فى المنطقة الجنوبية والغربية وأجزاء من الشمالية ، بإعتبارها من المناطق المحررة والمقفولة للحركة ، حيث يغلب فيها الإنتماء الإثني على السياسى ، ولا سيما أن الإنتماء القبلى والأثنى صار حاضراً فى إنتخابات الولاية ، وهذا يمثل خطورة على النسيج الإجتماعى والتعايش السلمى رغم هشاشته وضعفه بالمنطقة مستقبلاً إن لم يتم إدراكه .. فالحركة سسندها الجماهيرى إتبنى على السند الجهوى والقبلى ، وبالرغم لقد سبق أن تواثقت كل القوى السياسية بجنوب كردفان على إجراء إنتخابات نزيهة وآمنة ، واقترح مرشح حزب العدالة الأصل “المنسحب” لمنصب الوالى ، مكى على بلايل ، في وقت سابق ، تكوين لجنة مشتركة من القوى السياسية لإثبات هوية الناخبين الذين لا يملكون إثبات شخصية لإغلاق الباب أمام أى حديث عن التجاوزات وعدم النزاهة ، فلذلك أن حديث الحركة الشعبية عن تزوير الإنتخابات يعتبر فشل مبكر وشعور بالهزيمة السياسية مما ساعد فى سقوطها.

بالإضافة الى أن الحركة الشعبية لم تتخلص بعد من إشكالية أنها حركة عسكرية متمردة لا تأبه بالقانون أو الديمقراطية إذا لم يحقق رغباتها ، لذا نجدها دوماً تقوم بوضع العراقيل والسلوك السياسى غير الراشد الذى إنتهجته بالولاية .. لذلك لقد لعب الحلو دورا سالبا بالإنكفاء علي نفسه واللجوء الى الأساليب الرخيصة لإبعاد رفقاء الدرب والمناضلين الذين سطروا تاريخ النضال بأحرف من نور خاصة اللواءات الأربعة دانيال كودى وإسماعيل خميس جلاب وتلفون كوكو ويوسف كرة ، ورفضه لمجرد الإستماع الى أرائهم الإستشارية فى هذه المرحلة الحرجة والمنعطف الخطير ، والحركة مقبلة على خوض معركة الإنتخابات ، مما أعطى إشارات واضحة لتعمد الحلو ومحاولته للإنفراد ليفعل ما يشاء بكل خبث ودهاء ومكر من خلال صراعاته المختلقة مع قادة النوبة ، فصار يسبح عكس تيار قضية جبال النوبة ، وخاصة فى إعتقال تلفون كوكو وعمليات الفصل والإبعاد بل الإقصاء والتجميد لنشاطات الأعضاء والإنذارات النهائية للبعض الآخر في الفترة الأخيرة قبيل الإنتخابات ، مما أفقده صدق بعض القادة المقربين منه وخاصة الفريق دانيال كودى واللواء خميس جلاب الذين رحلوا اثناء الإقبال على الإنتخابات فى رحلة علاجية لأوربا فى ظروف غامضة عانوا ما عانوا من الإقصاء المخطط والمرتب والتهميش ، ولكن رفضه لقرارات وتوصيات ورشة كاودا الأخيرة بإعادة كل المفصولين وإطلاق العفو العام ، وللإقتراح المقدم من اللواء خميس جلاب والذى ساندته تابيتا بطرس ، لمجرد فتح صفحة جديدة من المصالحة وإعادة ترتيب بيت الحركة الشعبية من الداخل ، وكل ذلك لكسب المعركة الإنتخابية الأخيرة ، مما قطع الشك حول مصداقية الحلو للثورة فى جبال النوبة والنضالات المخلصة التى قدموها لتحرير كل شبر من تراب هذا الوطن من الظلم والفساد ، فكانت بداية قاسمة الظهر للحركة الشعبية وسقوط نجمتها.

وكذلك الإنفصال القادم بين قيادة الحركة الشعبيّة القائمة فى الجنوب ونظرائها من النوبة فى كادقلى وكاودا على المستوى السياسى والعسكرى ، ولقد أحبط هذا الإنفصال كل الجهود المبذولة لحمل حزب المؤتمر الوطنى على إقامة حكومة فعّالة في الولاية .. بالإضافة الى تغييب النوبة عن سلطة القرار في الحركة الشعبيّة لتحرير السودان ، فنشب نزاع بين ممثلى الحركة في كادقلى وجوبا ، وإتهم فيها الفريق الأوّل الثانى بأن لا مصلحة له في مأساته ، وقام قادة النوبة الميدانيّون المنتشرون في مناطق الحركة الشعبيّة لتحرير السودان التى يسيطر عليها النوبة مثل كاودا بإتهام الحركة الشعبيّة في كادقلى بالفساد ومحدوديّة التفكير .. وبدلاً من التركيز على الأهداف التي عبّرت عنها الحركة الشعبية، مثل التنمية الريفيّة والمصالحة وتحقيق الأمن ، ركّزت قيادة الحركة الشعبيّة بعد اتفاقيّة السلام على مجابهة سياسات حزب المؤتمر الوطنى الإنشقاقيّة عبر تدعيم قاعدتها المصدعة فى وجه إنشقاقات الماضى ، مما زادت التوتر بين المجتمع المحلّي وأوجدت إنشقاقاً فى داخل قيادة الحركة الشعبيّة لتحرير السودان بما فى ذلك بين ممثلى كاودا وكادقلى. ..

كما أن من أسباب فشلها أن سواقط الشيوعيين فى الحركة الشعبية بقيادة ياسر عرمان الذى كان مسئولاً عن ملف جبال النوبة بالحركة لمدة تفوق العشر سنوات وفشل حتى فى تقديم شئ ملموس لقضية جبال النوبة وبل كان يعمل وما زال ضد رغبة ابناء النوبة نتيجة لما يكنه من كره دفين لهم ، الآ ن يهيمون على مفاصل الحركة الشعبية بجنوب كردفان ، وبل أصبح عبدالعزيز الحلو أسير ورهن إشارتهم ، مما سهل لهم المساهمة والتخطيط فى تدمير الروح الوفاقية التى كانت تسود الشراكة بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية على مستوى جنوب كردفان .. أما السيد ياسر عرمان فما زالت تسود فيه روح الحماسة وحب السيطرة وعدم العقلانية والتصرف غير الحكيم أو العقلانى ، كما ان الروح العدائية العالية تجاه المؤتمر الوطنى جعلت منه مطية وأداة سهلة فى تمرير وتنفيذ كثير من المخططات وتقديم خدمات مجانية لنظام المؤتمر الوطنى أى أصبح (مغفل نافع) .. لذا نجده قد بذل المستحيل لتقديم الحلو والياً لجنوب كردفان ، وزين له وأصبح كالسامرى فقام بحشد كوادره من الشيوعيين لحملة الإنتخابات وإبعاد قادة النوبة المؤسسين للحركة الشعبية والإيعاز بإعتقال البعض منهم وعدم الإستعانة بأبناء النوبة مما يعنى عدم الثقة ، وأطلق الشائعات وروج الأكاذيب وحشد المتبرجات من ساقطات الشيوعيين لدعم الحلو ، ويكفى ما رددوه فى الصحف ، حتى تخيل البعض بأن المعركة بين الشيوعيين والمؤتمر الوطنى !

ونواصل فى الحلقة القادمة … لنتعرف على تداعيات ترشيح تلفون كوكو ضد عبدالعزيز الحلو ، والدوائر الجغرافية والأسباب الرئيسية وراء تأجيل زيارة سلفاكير لجنوب كردفان ودعم موقف الحلو .. وإرهاصات إندلاع الحرب وإنفجار الأوضاع بجنوب كردفان …

سدنى – استراليا – 20 مايو 2011 م

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.