الرئيس السودانى ينحاز الى مساعده نافع فى الازمة الناشبة داخل حزبه و يقيل مستشاره “قوش”

الخرطوم 26 ابريل 2011 – فى تطور لافت للازمة التى نشبت اخيرا بين متنفذين فى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم فى شمال السودان ، اصدر الرئيس السودانى عمر البشير مرسوما جمهوريا فى وقت متاخر من ليل امس الثلاثاء قضى بأعفاء مستشاره للشؤون الامنية ، الفريق اول صلاح عبد الله (قوش) .

و انفجرت الازمة بين متنفذى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم فى شمال السودان من ذوى الخلفيات الامنية حول الموقف من الحوار مع المعارضة السودانية بصورة لافتة الجمعة الماضية حينما صوب مساعد الرئيس نافع على نافع و نائبه فى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم انتقادات بصوت جهير حينما كان يتحدث فى برنامج “مؤتمر اذاعى” بالاذاعة السودانية الى الحوار الذى تضطلع به مستشارية الامن القومى و يشرف عليه صلاح “قوش” شخصيا مقللا من أهميته ، وقال إنه لم يجد القبول من غالبية قوى المعارضة لأنها رات انه يجري بعيداً من الحزب الحاكم و بأشراف جهة تنفيذية .

لكن صلاح “قوش” رد فى اليوم التالى بقوة على رئيسه الحالى فى الحزب و السابق فى جهاز الامن ، نافع على نافع عبر مؤتمر صحفى عقده خصيصا من اجل ذلك و وصف حديثه بانه «مضرّ ويشكك في الحوار ويجعل القوى السياسية تنفضّ عنه” و اضاف “ان حديث نافع يخصه وحده” ، مؤكداً أن حواره «يرعاه الرئيس البشير ويتابعه نائبه على عثمان ». وأشار إلى أن حوارهم فى المستشارية «سيستمر ولن يتوقف حتى لو انسحب ممثلو حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، لأن البلاد في حال احتقان” .

وفيما يبدو انه سباقا لكسب المؤيدين داخل اروقة الحزب الحاكم اعلن نائب رئيس حزب المؤتمر الوطنى بولاية الخرطوم ، مندور المهدى فى اليوم التالى مباشرة عن تأييده ل”قوش” وابدى ثقته في جدوى حوار مستشارية الأمن القومي ، وقال إنه يقود لنتائج إيجابية ، و وصف حوارها بحوار القاعدة العريضة الذي سيقود للتكامل بين الأحزاب والحكومة .

وقال مندور المهدي في مؤتمر صحفي عقب إجتماع مجلس الشورى لحزب المؤتمر الوطنى بالخرطوم : (أنا من أنصار حوار مستشارية الأمن)، ووصفه بالجيد لكونه يشمل أكثر من مائتي حزب. و اضاف مندور إن حزبه مسؤول عن وضع السياسات في الدولة .

وكان مساعد الرئيس السودانى و نائبه فى الحزب ، نافع على نافع قد اغلق الباب نهائيا فى حديثه للاذاعة السودانية الجمعة الماضية حول امكانية تنازل المؤتمر الوطنى عن حصته فى الحكم و قال بوضوح “لن نسمح بقيام حكومة قومية او ذات قاعدة عريضة تجعلنا اقلية فى السلطة و تكون اداة لتصفية الحسابات معنا الا عبر الانتخابات” .

لكن مندور اكد فى مؤتمره الصحفى إستعداد قيادات حزبة للتنازل عن مناصبهم لمشاركة الآخرين في السلطة ، وقال : نحن مستعدون للتنازل عن التفويض الممنوح لنا عبر الإنتخابات السابقة لإستصحاب الآخرين معنا . فيما بدا كأنه نزاع بين فرع الحزب و الرئاسة .

اتساع هوة الازمة بين المتنفذين فى الحزب و خروجها من الاضابير المغلقة الى الفضاء العام اثار جدلا كثيفا وسط المراقبين للشان السودانى و معارضى النظام الحاكم حول المألات التى يمكن ان ينتهى اليها الامر الذى حدا بالقيادى فى حزب المؤتمر الوطنى و وزير الاعلام ، كمال عبيد لوصف ما يدور فى حزبه بأنه “أمر طبيعي” ، ويأتي في سياق الأخذ والعطاء بين أعضاء الحزب لكنه شدد على أن أي قرار يخص الحوار مع القوى السياسية يجب أن يتخذ عبر قنوات الحزب .

وقال عبيد فى تصريحات الاحد الماضى “إن الذي يريد أن يدرس هذه الحالات يجب أن يتعمق في ما يعتبره خلافاً”، مضيفاً “أن العبقرية الإنسانية تقتضي فصل السلطات لجهة أن تتعامل كل سلطة بموجب التفويض الممنوح لها ، الأمر الذي قد يبدو للآخرين اختلافاً” وبدا عبيد مشفقا حينما اردف : “هذا هو الخلاف الذي يؤدي إلى الرحمة وليس إلى العذاب”، مشدداً على أن هنالك مرجعية لا يمكن تجاوزها مهما بلغت درجة التباين .

لكن عضو المكتب القيادى لحزب المؤتمر الوطني و وزيرة الرعاية الاجتماعية السابقة ، سامية أحمد محمد، اكدت للصحافيين، أمس الاول الاثنين أن المؤتمر الوطني لديه آلية مستقلة للحوار مع القوى السياسية ، وأن الرئيس البشير من حقه تكليف الأجهزة الاستشارية للقيام بنفس المهمة ، و اوضحت أن آليات الحوار تختلف بين الحزب والدولة . لكنها لفتت لأهمية اختيار التسمية المناسبة للمستشارية المعنية بقيادة الحوار مع الأحزاب الأخرى، و اعربت بوضوح عن رأيها المضاد لتبنى مستشارية “قوش” للحوار بقولها : “إذا كان الاسم مستشارية سياسية أفضل من أن تكون أمنية” .

و بينما تتفاعل الازمة بين متنفذى الحزب ، اعتصم الرئيس البشير و نائبه على عثمان بالصمت رغما ان “قوش” استنجد بهما حينما قال فى مؤتمره الصحفى السبت الماضى “ان حواره يحظى بدعم الرئيس و رعاية نائبه” .

لكن استعار حمى الازمة جعل الرئيس السودانى يخشى على تماسك حزبه و من ثم نظامه ككل فى ظل رياح عاتية تهب عليه داخليا و اقليميا و دوليا فتدخل طبقا لتقارير صحفية راجت فى الخرطوم الاثنين الماضى و اجتمع الى نافع و “قوش” و لكن لم ترشح اية معلومات حول فحوى الاجتماع .

لكن “قوش” بدا متمسكا بالمضى بمعركته الى نهايتها رغم بوادر هزيمته التى اخذت تلوح فى افق الازمة ، حيث قطع باستمرارية الحوار الوطني الإستراتيجي الذي تديرة مستشارية الامن القومي الوصول به إلى مبتغاه واعتبره “الطريق الوحيد” للخروج بالبلاد مما أسماه ب”النفق” الذي تمر به و اكد سعيهم فى المستشارية لاقناع حزب الامة بالعودة للحوار.

وقال “قوش” لدى مخاطبته أمس الاول الاثنين إجتماع الأمانة القومية للحوار الوطني الإستراتيجي مع مندوبي الأحزاب “نحن مقتنعين بضرورة وجدوى هذا الحوار بالصفات التي يتسم بها وتواضعنا عليها جميعاً” وكشف عن لقاء قريب له مع رئيس حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي لجهة إقناعه بعودة حزبه الى طاولة الحوار الوطني الإستراتيجي. معتبرا ان غياب بعض الاحزاب عن الحوار وعلى رأسها حزب الأمة يعتبر واحدة من بعض السلبيات التي تواجه حوار المستشارية .

غير ان القرار الرئاسى الذى صدر فى وقت متأخر من ليل امس الثلاثاء بأقالة “قوش” من منصبه مستشارا للرئيس البشير يترك سؤالا كبيرا ما اذا كانت الاقالة “طيا” لملف الخلاف و نزعا لفتيل الازمة داخل الحزب الحاكم ام انها ستصب مزيدا من الوقود عليها كما فعلت اقالة الامين العام لمستشارية الامن القومى مسؤول مبادرة الحوار الاستراتيجى مع الاحزاب ، اللواء حسب الله عمر و الذى اجبرت ضغوط مكثفة من مجموعات دينية متشددة و ذات نفوذ داخل حزب المؤتمر الوطنى الحاكم الشهر الماضى مستشارية الامن القومى على اقالته من منصبه بعد حديث ادلى به فى برنامج بالاذاعة السودانية قال فيه (اذا رأت غالبية القوى السياسية السودانية الغاء الشريعة الاسلامية فلتذهب الشريعة) .

وشن اللواء حسب الله فى رسالة نشرها بثلاث صحف فى الخرطوم عقب اقالته هجوما على مجموعات داخل الحزب الحاكم قال انهم (يطوفون حول الرئيس البشير دون أن تغيب عن ذواتهم أغراضهم الصغيرة، من جاه أو منصب أو مال أو انتصار لجهوية أو عرقية ، يتدافعون نحو تقديم المشورة الخاطئة والرأي التالف غير آبهين، لا يعصمهم عن ذلك عاصم” .

و تعزز رسالة حسب الله تحليلات رائجة عن الازمة الاخيرة داخل الحزب الحاكم ما هى الا تجلى لمعركة اكبر و اشرس للنفوذ داخل المجموعة الامنية المتنفذة فى نظام الرئيس البشير تدور رحاها منذ فترة برداء قبلى بين قطبين هما نائب الرئيس على عثمان محمد طه ، المنحدر من قبيلة الشايقية فى شمال السودان ، و مساعد الرئيس نافع على نافع الذى ينحدر من قبيلة الجعليين التى تقطن فى الشمال الاوسط على نهر النيل شمال العاصمة السودانية الخرطوم .

و يتشابه اسلوب اقالة “قوش” المحسوب على مجموعة على عثمان من المستشارية مع الطريقة التى اقيل بها فى اغسطس 2009 من منصبه مديرا لجهاز الامن و المخابرات السودانى حيث صدر القرار ايضا بصورة مقتضبة و فى وقت متاخر من اللليل بعد ان كان الرجل احد اكثر الشخصيات نفوذا فى نظام الرئيس السودانى عمر البشير من خلال تربعه على سدة الامن و المخابرات كأطول المداراء بقاءا من بين الذين تعاقبوا على المنصب حيث برز جهاز المخابرات السودانى فى عهده كحليف قوى للمخابرات الامريكية فى حربها على الارهاب و ارتبط هذا التعاون بأسم صلاح قوش خاصة بعد ان حملته طائرة اميركية خاصة من الخرطوم فى مايو 2005 وحطت به فى لا نغلى بولاية فرجينيا حيث مقر المخابرات الاميريكية ونقل خلالها قوش كما قالت صحيفة (لوس أنجليس تايمز) حينها, معلومات صنفت بأنها “دقيقة جداً” حول أنشطة زوار الخرطوم من الاسلاميين المتشددين في التسعينيات، وكذا بعض المعتقلين في معتقل غوانتانامو. وقالت الصحيفة إن قوش تعهد خلال الزيارة بالتعاون مع الأميركيين في العراق لرصد تنظيم القاعدة ، كما وافق على تقديم المعلومات التي يطلبها الأميركيون بخصوص الانشطة المعادية للمصالح الغربية في المنطقة .

وخلت صيغة قرار تنصيب قوش لأول مرة مستشارا للرئيس السودانى فى التعيين الاول له فى المنصب عقب الاقالة من رئاسة جهاز المخابرات مباشرة من اية صفة تخصصية لينضم بذلك الى ثلة المستشارين الرئاسيين و يصبح المستشار رقم 14 و لم يتم تكليفه بأى ملف ذى حساسية الامر الذى ترك انطباعا قويا بأن المقصود من ذلك اضعاف النفوذ الواسع الذى كان يتمتع به قوش الى ادنى حد .

ولم يحدد التعيين الثانى ل”قوش” عقب انتخابات ابريل 2010 و التى خاض التنافس فيها على مقعد الدائرة 10 بمحلية مروى ، ايضا صفة معينة للمستشارية التى عين فيها ، لكن قرار جمهورى مقتضب صدر قبل اربعة اشهر بتكوين مستشارية الامن القومى و تكليف قوش برئاستها هو الذى الصق به صفة “مستشار الامن القومى” ، لكن ظلت مهام المستشارية غامضة لدى الكثيرين اذ لم يتضح من صيغة القرار الجمهورى هل هى مركز بحوث و دراسات ام ذراع تنفيذى .

و تبقى لرجل النظام القوى “سابقا” صلاح قوش فقط ملف الحوار مع الجنوب فيما تبقى من قضايا ما بعد الاستفتاء حيث يترأس جانب حزب المؤتمر الوطنى و يناظره فى الطرف الاخر الامين العام للحركة الشعبية ، باقان اموم . ولا يعرف هل سيواصل “قوش” امساكه بهذا الملف ام ان رياح معركته مع مساعد الرئيس نافع على نافع ستلاحقه فيه ايضا خاصة و ان انتقادات لكتاب مقربين من تيار نافع تتهمه بمهادنة الحركة الشعبية ام يكتفى بالانزواء فى اضابير البرلمان السودانى نائبا عن الدائرة 10 بمحلية مروى بالولاية الشمالية .

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.