البدوي يؤكد اعتذاره عن تولي منصب محافظ بنك السودان

البدوي : 80% من الصرف لقطاعات غير انتاجية
دكتور إبراهيم البدوي الخبير الاقتصادي السوداني المرموق والخبير السابق بالبنك الدولي، هاتفناه في (حريات) للاستفسار حول ما نشر بصحيفة الشرق الأوسط أمس عن رفضه تقلد منصب محافظ بنك السودان، وحول المشاكل في السياسة النقدية الحالية، وحول اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية في أجواء سودانية، فكان هذا الحوار الذي شملته أريحية البدوي وذهنه المتقد.
وأكد الدكتور البدوي اعتذاره عن تولي منصب محافظ بنك السودان.
وقال في تحليله الهام للوضع النقدي في البلاد بأنه مقدم على صدمة مزدوجة، بنقص الايرادات النفطية وايرادات الخزينة بما لايقل عن 40%.
واضاف بأنه لا يمكن معالجة الازمة الاقتصادية الا بمراجعة تخصيص الموارد، حيث تذهب حالياً ما بين 60 – 70% من الموازنة للجيش والأمن، و10% للقطاع السيادي، بما يعني أن 80% من الصرف يذهب الى قطاعات غير انتاجية.
وقال الدكتور ابراهيم البدوي بان حكومة السودان انسحبت من الصرف على القطاع الاجتماعي ( التعليم ، الصحة ، المياه النظيفة ، تقليل الفقر ..الخ) ، هذا في حين يتطلب تحقيق أهداف الالفية صرف ما لا يقل عن 35% على القطاع الاجتماعي .
(نص الحوار أدناه) :
* ما هي صحة خبر رفضكم لمنصب محافظ بنك السودان؟
في الحقيقة لم تتم مخاطبتي بشكل رسمي، في البداية اتصل بي صديق يعمل بالبنك وقال لي هناك اتجاه للاستعانة بخبراء اقتصاديين سودانيين غير موالين للنظام في وظائف عليا بالدولة وقال إن هناك حديث حول خبير سابق بالبنك الدولي يعمل الآن بالخليج وأنه يرجح أنني المقصود ولكني استبعدت ذلك وقلت له لو خوطبت فرأيي واضح المطلوب ليس معالجات فنية وعلى مستوى مهني بل المطلوب معالجة أعمق ولا بد لها من حاضن سياسي. ولكن بعدها اتصل بي بالفعل الصديق دكتور لوال دينق، وهو صديق قديم منذ ثمانينات القرن الماضي، وهو كذلك اقتصادي مرموق، وكنت قد شاركت في العام 2008م في سمنار بمروي تحت إشراف رئيس الجمهورية حول إدارة الموارد البترولية كان محضورا من عدد كبير من المسئولين، وعلمت منه أنني مرشح محتمل للمنصب وطلب مني إرسال سيرتي الذاتية لذلك الغرض. وتقديرا لدكتور لوال فقد شكرته على اختياري مرشحا لذلك المنصب الهام وطلبت منه إرجائي لإجراء مشاورات وبالفعل تشاورت مع عدد ممن أثمن رأيهم واتصلت به بالأمس لأقدم اعتذاري عن قبول المنصب وبالتالي اعتذاري عن إرسال سيرتي الذاتية، مشفوعا بشكري له ولمن أيد ترشيحي للمنصب وقد علمت أن نائب رئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان محمد طه كان مؤيدا للترشيح بالرغم من معرفته لصلاتي بحزب الأمة القومي، وقد حمدت لهم كذلك اتجاههم للانفكاك عن الاستناد على الموالين للنظام فقط وهذا اتجاه يجب أن يسود.
* طالما كنت تشجع فك احتكار المناصب للموالين لماذا إذن رفضت الترشح للمنصب؟
نعم برغم ترحيبي بفكرة فك الاحتكار إلا أنني لا أجد من الحكمة قبول المنصب لعدة لسببين أساسيين. أولاً بنك السودان مؤسسة خطيرة وسيادية فإذا عينوا شخصا ليس منهم فإنهم يتوقعون أن يتماشى مع الوضع القائم، وهذا يعني ألا يكون صاحب قرار أو تأثير حقيقي. ثانيا إن الظرف الوطني لا يحتمل اي نوع من المشاركة في مؤسسات الحكم القائمة ويجب أن تتبع المشاركة موقف سياسي بالاستجابة للمطالب التي أجمع حولها الناس وهي معروفة.
*برأيك ما الذي قاد د. صابر محمد الحسن إلى الاستقالة؟
ليست لدي معلومة ولكن حسب تحليلي فإني أرى أن الوضع النقدي مقدم على ومتأثر بصدمة مزدوجة إذ أن تقسيم البلاد سوف يؤدي لحرمان البلد من إيرادات نفطية وعملة صعبة بالإضافة لنقص مريع في إيرادات الخزينة التي ستتعرض لصدمة حرمانها على أقل تقدير من 40% من إيراداتها بينما النفط كان يشكل 90% من حصيلة النقد الأجنبي، أي نحن مقبلون على صدمة في الموازنة الخارجية وفي المالية. لقد دارت بيني وبين السيد صابر محافظ البنك المستقيل مساجلة في سمنار مروي سنة 2008م وقلت منتقدا السياسة المالية بأن التركيز على النفط بذلك الشكل يعكس نوعا من المغالاة لا تناسب ظروف الاقتصاد السوداني الذي أصبح ريعيا ويفترض أن يكون زراعيا وصناعيا لدرجة ما، بينما أصبح يخدم الشرائح الطفيلية وتشوه فصار اقتصادا خدميا مبنيا على الخدمات العقارية وهي –أي الخدمات العقارية- غير قابلة للتبادل التجاري في إطار التصدير. هاتان الصدمتان كان يفترض الاستعداد لهما قبل سنتين على أقل تقدير وكانتا متوقعتان، وكان يجب أن يحدث ضبط في الانفاق وإعادة هيكلته ليكون زراعيا وصناعيا، وهذا لم يحدث. كذلك لكي يتم أي تقدم لا بد من حدوث معالجة سياسية بإعادة تخصيص الموارد والآن فإن حوالي 60 إلى 70% من الموازنة يذهب للجيش والأمن و10% للقطاع السيادي، فالحكومة الحالية غير قادرة على مراجعة هيكلية تتناسب وفترة ما بعد البترول، وهذه كلها مسائل تجعل محافظ بنك السودان في وضع من الصعب أن يحتمل في الفترة القادمة، صحيح يمكن اتخاذ إجراءات لوقف التدهور في الجنيه السوداني وستتخذ العديد من الإجراءات التي يمكن أن تسكن ولكنها سوف تفشل في المدى البعيد، فالعملة تحتاج لقاعدة إنتاج لتدعم قيمتها وإذا لم توجد فلا بد أنها سوف تنحو لنقطة توازن اقل، هذا موضوع هام وأنا بصدد عمل ورقة عن هذه المسألة وأعتقد أن النقاش في المجال الاقتصادي misguided وليس مبنيا على أسس علمية. السبب الرئيسي الذي يؤدي لهذه المشاكل الآن هو التشوه في تخصيص الموارد إذ 80% يذهب لقطاعات غير منتجة لأسباب معينة ولا بد من أن يكون الطلب متوافقا مع الانتاج وإلا يؤدي لتضخم سعر الصرف، أي أن انهيار سعر العملة مجرد مظهر من مظاهر المعضلة وليس أس المشكلة. أعتقد أنه مدرك أنه لن يستطيع عمل شيء ولا يريد تحمل استحقاقات الفترة. وقد تكون أسبابا شخصية متعلقة بصراعات الاجنجة في النظام. وقد تكون الاستقالة متعلقة بالاحتجاج على السياسة المالية فالسياسة النقدية تعتمد على السياسة المالية وفي الدولة السودانية تاريخيا الموازنة قبل البترول معجزة بصورة كبيرة وصلت حتى 15% هذا يؤثر على السياسة النقدية، ومحافظ بنك السودان عليه الالتزام بسياسة وزارة المالية وليست لديه سيطرة عليها.
السبب الذي ذكره لي د. لوال هو أن مدته انتهت حسب القانون ولا أدري مدى الالتزام بالقانون في العادة، ولكن يشاع أن صابرا مسنود من الرئيس بينما نائبه لا يحبذه، أي الاستقالة في إطار الصراعات الداخلية. والبعض يقول إن ذلك بسبب بحثهم عن الاستفادة من الخبرة السودانية وإتاحة فرصة لشخص آخر غير موال، ولكنني لا أستطيع أن أقطع برأي.
*ما هو تعليقك يا دكتور على حلول اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي يصادف اليوم 20 فبراير؟
ليس سرا أنه فيما يخص مؤشرات الألفية وهي متعلقة بالعدالة الاجتماعية وتقليل الفقر والصرف على التعليم والصحة والولادة الآمنة ومياه الشرب النقية نجد السودان في أسفل القائمة حتى بمقاييس الدول الأفريقية. وأقرب حجة لتفسير ذلك تخصيص الموارد. إن الهدف الإستراتيجي للدول الساعية لتحقيق أهداف الألفية أن تكون نسبة التعليم 25% من الموازنة والصحة والمياه 15% أي أن يحوز القطاع الاجتماعي على 35% وهذا ما أجزناه في برنامج حزب الأمة، وهذا هو الـ Benchmark أو النسبة المطلوبة عالميا لتحقيق أهداف الألفية من قبل الدول. والسياسة الاقتصادية الحالية من أبعد ما تكون عنها، فالدولة انسحبت من القطاع الاجتماعي وحتى في الحالات التي زعموا أنه فتح مجال فيها للقطاع الخاص لدخول المجال في الخدمات التعليمية والصحية فإن الدولة لم تبذل اي مجهود في الرقابة. وحتى في الدول التي تفتح المجال للقطاع الخاص فإن القطاع العام يدير وينظم بمعايير وإشراف على خدمات القطاع الخاص ويجب أن يتحمل القطاع الخاص المسئولية ففي أمريكا مثلا الذي ليس لديه تأمين لا يطرد بل يعالج بالقانون. وفي هذا الصدد فإنني أشيد بالدور الذي يقوم به الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية بالتركيز على العدالة الاجتماعية وقد لاقيت الأخ صدقي عوض كبلو القيادي بالحزب الشيوعي وقلت له أعتقد أن هذا الدور يقلل من أثره الوصمة التي لحقت باسم الشيوعية في المجتمعات الإسلامية، ونصحته بتغيير الاسم حتى يستطيعون القيام بدورهم بدون معيقات غير موضوعية ففي السودان الآن مظالم طبقية حقيقية وقد لاحظت الأهمية التي تعطيها صحيفة كالميدان لقضايا العدالة الاجتماعية وهو اهتمام ضروري.
هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.