مكافحة الفساد فى السودان واجب وطنى وأخلاقى

مكافحة الفساد فى السودان واجب وطنى وأخلاقى

 

    بقلم / آدم جمال أحمد – أستراليا – سدنى

أصبح تفشى الفساد بكل أنواعه فى السوادن وخاصة الفساد المالى والإدارى والأخلاقى فى الأونة الأخيرة موضوع كبير وخطير ، لأنه يتعلقُ بكرامةِ شعبٍ ذاق المرَّ ألواناً وأشكالاً ، ودفع فواتيرَ كثيرةٍ من دمائه ومعاناته وليست فاتورةً واحدة فقط ، وينبغي لنا عندما نتحدث عن الفساد وأشكال مقاومته يجب الحديث عنه بشفافية بعيداً عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية والفكرية ، وبعيداً عن الشتم والتجريح ، مع ضرورة وضع النقاط فوق حروفها بحكمة وبدراية مهنية ، فالفساد مرض عضال لا بد من استئصاله بإرادة المثقف والسياسي والعامل والطالب والتاجر والأكاديمي وحتى المواطن العادي ضمن سلطة القانون ؛ لأن الفساد وسيلة تخريب ومعول هدم وأداة تفرقة وضياع .. ولنا في الأمم السابقة لعبرة ، فقد أفل ظلها بسبب فسادها والباقية منها على الطريق فهذه قوانين الكون .. فما بالنا نحن ، ولا سيما فى ظل حكومة المؤتمر الوطنى (أهل الإنقاذ) أصحاب المشروع الحضارى ؟ فهل ستعصف بنا الرياح كما عصفت بمن قبلنا ؟.
الجميع يعلم أن الفساد هو أخطر أنواع التلوث ؛ لأنه يتعلق بفساد الثقافة ، وفساد الفكر ، وفساد الممارسة ، وفساد التصور والرؤية والتقدير والتحليل .. وهو أخطر من التلوث البيئي ، أخطر من تلوث الهواء والماء والطعام والتربة ، وأخطر من التلوث السمعي والبصري . أتعلمون لماذا ؟ لأنه يرتبط بمصير أمة .. مصير شعب .. مصير أسر وأفراد .. مصير أبنائنا وأهلنا.

صور الفساد المالي والإداري والأخلاقى كثيرة ، ولن ينجح في تحجيم الفساد ولا أقول القضاء عليه ، إلا من أوتي قوةَ البيان والتبيان ، والكفَّ الأبيضِ الطاهر النظيف ، والمنتمي الوطني ذو النفس الطويل ، الذي لا يمل ولا يتعب لوجه الله تعالى ، فالجنة عروسُ ومهرها الأرواح والنفوس ، فإذا كانت الجنةُ غاليةٌ في مهرها ، فإن الوطن غالى ومحاربة الفساد واجب وطنى وأخلاقى ، والعمل على نظافة وخدمة المجتمع السودانى هو غالى أيضاً يحتاج منا إلى حرقة الموقف ، وآلام الانتماء للوطن هوية وثقافة ، قولا وممارسة  ، وبعيداً عن مقولة : لا يصلح العطار ما أفسده الزمان .. فنحن ككُتاب وأدباء وأكاديميين ، وكوجهاء ومخاتير ومثقفين ومنتمين للفكر الوطني الوسطي المستقل في تجمع الشخصيات السودانية المستقلة ، لسنا عطارين ولا أصحاب دكاكين ، بل نحن حملةُ رسالةٍ وأمانة ، وقلمٍ حرٍ ومواقفٍ شريفة .. كما أننا لسنا أعداداً على هامش الحياة أو أرقاماً لا وزن لها ، ولسنا مناظر لزهريات ويافطات توضع هنا أو هناك ، بل لنا حراك قوي يتجسد في فعاليات تكاد أن تكون يومية ودائمة ، من أهمها العمل على كشف ألاعيب الفساد بكل أنواعه فى مرافق الدولة المختلفة ، وإقام المحاكمات الرادعة ضد كل من تسولت له نفسه وتلاعب وعبث بأموال هذا الشعب أياً كان موقعه أو إنتماؤه ، وذلك للتقليل من سرقات المال العام والتلاعب بقوت الشعب لتخفيف معاناة المواطن ما امكن .. وكل منا مسئول أمام الله يوم القيامة ، عملا بقول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ) ، ونسرد حديثنا ونخن نستند الى تقرير المراجع العام وما يحتويه من أنواع الفساد المالى والإختلاسات لأموال الشعب الضخمة والتلاعب به وليس من صعغار الموظفين ، والتى قد نعتقد بأن مرتبابتهم ومخصصاتهم ضعيفة مما جعلهم يمدون أيديهم الى هذه الأموال ، ولكن ما جاء فى تقرير المراجع يكشف لنا بوضوح بأن المختلسين هم كبار الموظفين ورجالات الدولة أصحاب المرتبات العالية والمخصصات المميزة !! فالسؤال لماذا يمد هؤلاء أياديهم لإختلاس أموال الشعب السودانى ؟ وما دور المسئولين وأين دور الأجهزة الرقابية والتشريعية ؟ ودور رئاسة الجمهورية التى تنادى بتطبيق الشريعة وترفض أن يتم تحقيق مع الشرطة فى فضيحة شريط فتاة الكابجاب !! ، ولقد إعتدنا سماع هذا التقرير سنوياً ، ولكن لم نسمع بمحاسبة أى شخص أو ردعه ، كنا نتوقع أن يحوى هذا التقرير بعد سرده لحجم الإختلاسات الكبيرة فى أموال الشعب ، ( لأن المال السائب بعلم السرقة ) فلم نسمع من خلال التقرير بأن عدد المختلسين من خلال هذه الأرقام الآتية وأن دور الأجهزة الرقابية وجهود الدولة فى مكافحة الفساد ومحاسبة المجرمين الذين تعرضوا لمحاكمات رادعة وعقوبات صارمة وتم سجنهم وأحالتهم الى الصالح العام وتم مصادرة ممتلكاتهم هم بالأسماء والأرقام التالية وأن أماكن عملهم كالآتى .. حتى يكونوا عبرة وعظة لكل من تخول له نفسه أو مجرد أن تحدثه فقط بأن يمد يده الى المال العام والتلاعب بأموال وقوت هذا الشعب ، فيجب على الدولة حينما تفلح فى محاربة هذ الفساد لمالى والأخلاقى وتصير صادقة ومخلصة فى توجهاتها وتطبق القانون بإعتبار الناس سواسية أمام القانون وليس ( إذا سرف الشريف فيهم تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ) ، فباللهه عليكم هل سمعتم أو قراتم بأن هناك مسئول كبير أو رفيع أو وزير تم محاسبته وإحالته للصالح العام لفساد أو جرم غرتكبه خلال عمر هذه الحكومة الحالية أو على مر كل الحكومات السودانية ، أو حتى تم إتهام وزير أو فشل فى شئ أو أخفقت وزارته فى إنجاز أى عمل أو حدث هناك مشكلة كبيرة فى وزارته أو مكان عمله ، قام بتقديم إستقالته ، وليس حادثة الفتاة عن الأذهان ببعيد ما كشفته من خلل كبير وعيوب وتجاوزات فى جهاز مثل جهاز لشرطة وديوان النائب العام ، مما يعنى خلل فى نظام الدولة ، فماذا كانت ردة الفعل ؟ لماذا لم يقدم وزير الداخلية أو مدير الشرطة أو النائب العام أو كل الإداريين فى مركز الشرطة التى تم فيها جلد الفتاة الى تقديم إستقالاتهم وإجراء التحقيق معهم لآ لشئ إلا لنبرهن بعدالة أجهزتنا والقضائية والرقابية والتشريعة والناس جمعيهم سواسية امام القانون ن حنى نقنن لثقافة الإستقالات ، ولكن إذا حدث مثل هذه التجاوزات فى أى دولة من دول الغرب لتى نكن لها العداء ولا علاقة بالإسلام وخاصة شريط جلد الفتاة لعصفت بالدولة وتم من خلاله إسقاط الحكومة بأكملها من رئيسها الى غفيرها ، فيجب على الرئيس عمر البشير أن يتقى الله فيما يقول وأن لا يدافع عن الباطل وأن يقوم بمحاسبة الشرطة وأجهزتها المختلفة وحل شرطة النظام العام الذى اساء للدولة والإسلام والشعب السودانى بتصرفاته غير المسئولة وليس ذلك من باب التكالب على هذه الأجهزة ولكن لبتر ووقف العبث الذى يحدث ، فلذلك حينما تقوم الدولة بواجبه تجاه مواطنينها ,ان توفر لهم العدل وحقوقهم وواجباتهم وأن تردع كل مفسد ، ثم بعد ذلك يمكن لها أن تفكر فى إقامة شرع لدين الله أو تحويل الدولة الى دولة إسلامية وأن تطبق المشروع الحضارى !! ولكن للأسف الدولة تشجع المجرمين فى أن يتمادوا فى إجرامهم بسرقة أموال الشعب وأن يمدوا ايديهم الى كل ما تسول لهم نفوسهم ، لا لسبب إلا أنهم يجدون الحماية والتحفيز والتشجيع من قبل الدولة ، فكل من يختلس أو يشكك فى ذمته أو يجرم فى موقعه يتم نقله لموقع أخر وبل يتم ترقيته وتحفيزه ، مما شجع الكثيرين أن يحذو ذلك حتى تكرمهم وتحفزهم الدولة.

أمامنا جميعاً ميادين خصبة وواسعة للعمل والعطاء الهادف إلى محاربة الفساد وتحقيق الأمن والسلم المجتمعيَّين ، والتكامل مع سلطة القانون والنظام ، باعتبار أن كلاً منا يكمل الآخر كأمر واقع مفروض ، خاصة أننا نتعايش يومياً مع الأسر والأفراد ، ونستمع إلى همومهم ومشاكلهم والتي منها من يقطع ظهر البعير ، كما نتفاعل مع المؤسسات الشعبية والرسمية ، وقيادات القوى والفصائل السودانية المختلفة ، بحكم أدائنا ولا سيما أننا نحمل الفكر ، ونهدف إلى تحقيق المصالحة والوحدةوالتعايس السلمى والدينى على مختلف التعدد العرقى والتباين الثقافى والدينى بين أبناء الوطن الواحد وما تبقى من هذا السودان حتى لا ينهار.


لذلك فعند الحديث عن محاربة الفساد فلا بد من الابتعاد عن أسلوب النقد السلبي وجلد الذات ، لأنك أن تضيء شمعة واحدة خير لك من ان تلعن الظلام ألف مرة ، كما جاء في المثل الصيني .. لأن طريق الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى ، أى بمعنى آخر وبسيط ، يجب أن نقول للظالم أنت ظالم ، وللفاسد أنت فاسد ، وأن نوقفه عن ظلمه وفساده بقوة الكلمة والحكمة والبرهان والإقناع ، أو بقوة القانون ، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً  ، فالأمر يتعلق بشجاعة الكاتب والسياسي والمواطن العادي والوجيه والمختار ، كما يتعلق في ذكائه وفطنته ودرايته ، وقبل ذلك كله بخشيته لله عز وجل وبانتمائه العميق إلى وطنه وشعبه .
وأما ما نسمع من أفواه البعض من عبارات لا تدل على المسئولية ، وكتعبير سلبي مرفوض عندنا ، كقولهم : وأنا مالي .. وأنا كيف أغير حكومة .. هؤلاء جبهجية عاوزين أن يقيموا الدين لا نستطيع محاسبتهم .. هم أحرار إن شاء الله يفعلوا مثل ما عاوزين .. فهذا أمر مرفوض بالمطلق عند أصحاب الأقلام الحرة والضمائر الشريفة التي هي ليست للبيع ولا للشراء.
نحن طالما آلينا على أنفسنا قول الحق وأن نقولها جهاراً لا نخشى فى الحق لومة لائم ، وأثبتنا تواجدنا ولا زلنا في صعاب المواقف والأحداث ، رافضين أن ندير ظهورنا لأحد ، فاتحين قلوبنا وعقولنا للجميع وبدون تمييز على الاطلاق ، نثبت تواجدنا من خلال سلوكنا اليومي ، ككتاب وصحفيين وأكاديميين مصلحين ، ومثقفين وجهاء ، وكأقلام حرة ومستقلة ، وكوطنيين غيورين ، لا نضعف ولا نستسلم أمام ضغط الفساد المجتمعي وظلم الواقع المَعاشي ، وما أجمل الإحساس بالانتماء الوطني ، وما أحوجنا إليه الآن أمام تجلي بوادر الإنفصال الخطير على جنوب السودان وما نخشاه أن تنتقل العدوى الى بقية الجسد وما تبقى من دولة شمال السودان من خلال سلوكهم وتصرفاتهم برفض التعدد والتنوع التى هى سمة وميزة خاصة لهذا الوطن القارة ، وما أحوجنا إلى الشعور بالهم الوطني الكبير، وإن لم نفعل ذلك فسينطبق علينا قول الحق سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .. وينطبق علينا قول الشاعر: يا أيها الرجل المعلم أهله هلا لنفسك كان ذا التعليمُ .. تصف الدواء لذي السقام وذى الفنا كيما يصح به وأنت سقي.

سدنى    استراليا               29 ديسمبر 2010 م

elkusan67@yahoo.com   

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *