المكتب الخاص للحبيب الإمام الصادق المهدي: نهارية مصير الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم

المكتب الخاص للحبيب الإمام الصادق المهدي

كلمة الحبيب الإمام

نهارية مصير الوطن

25/12/2010م

اليوم يحتفل المسيحيون في كل أنحاء العالم بميلاد السيد المسيح عليه السلام.

أزف إليهم التهنئة وأذكر لهم أن الدين الإسلامي كرم عيسى عليه السلام أكثر من أية ملة أخرى هو وأمه السيدة مريم ونص على خصوصية العلاقة بينه وبين المسيحية.

كان أعواني في المكتب وأسرتي من قبلهم يحيون سنة والدتي في إحياء ذكرى ميلادي هذا اليوم. ولكن في هذا العام الذي يشهد مغرب سودان المليون ميل مربع اقترحوا مشهدا بديلا يناسب ملوحة طعم الحياة فرحبت بذلك واخترت أن أساهم بوقفات مع الذات حول سبع قضايا هي:

         وقفة مع الذات الشمالية في وداع الجنوب.

         وقفة مع الذات في قضية التأصيل.

         وقفة مع الذات في قضية السلام في الشمال.

         وقفة مع الذات في ملف المعيشة.

         وقفة مع الذات في ملف الحريات.

         وقفة مع الذات في ديناميات التغيير المنشود.

القضية الأولى: وداع الشمال للجنوب

تختلف رؤى أهل السودان لانفصال الجنوب المنتظر.

         بعض أهل السودان من منطلق عنصري يعتبرون انفصال الجنوب نعمة تطهير عرقي يعود للشمال بالعافية الوطنية.

         بعض أهل السودان من منطلق انكفائي يعتبرون الجنوب جزءا من أرض الإسلام يحرم التفريط فيه.

         وبعض أهل السودان من منطلق اقتصادي ينظرون لانفصال الجنوب من زاوية تقليص الموارد الطبيعية للسودان.

    وبعض أهل السودان من منطلق علماني يخشون من أن انفصال الجنوب سوف يزيل حاجز التعددية من أجندات الأسلمة.

    ومن أهل السودان من منطلق وطني يرون انفصال الجنوب كبوة لرسالة السودان التاريخية ملتقى الإثنيات والثقافات وأنموذج القارة الأفريقية المصغر وواصل  ما فصلته الصحراء الكبرى.

أنا مع هؤلاء حزين لانفصال الجنوب، ففي عروقي تجري دماء مفرقة على إثنيات السودان تتألم للشتات القادم، وباعتباري من أوائل الذين رأوا أننا بحاجة لتحول راديكالي من ذهنية الأحادية الثقافية لاستيعاب التنوع وقدمت ما قدمت من مبادرات موثقة في هذا الصدد، وأعتبر نفسي مساهما أساسيا في بناء الأساس النظري لكافة لبنات التصالح الشمالي الجنوبي، أشعر بغصة خانقة لمآلات الفراق. وأعتبر نفسي من أوائل الذين قدموا اجتهادا إسلاميا يحتضن مشروعية التعددية الدينية والثقافية ومشروعية المساواة في المواطنة. صحيح اجتهاداتي تناوشتها جهات:

         إسلامية منكفئة حبست الدين في مفاهيم ماضوية.

         ترفض أي اجتهاد من منبع إسلامي مهما كانت تقدميته.

         جماعات جنوبية ترى أن هويتها الجنوبية توجب أبلسة الشمالي المسلم العربي.

هؤلاء ساهموا في التأسيس لقسيمة الطلاق.

وبصرف النظر عن هذه الرؤى الملغومة فإن ما سمعته من تقدير إيجابي لدوري من بعض أهم ممثلي الجسم الجنوبي أثلج صدري: ما قاله الكاردينال الكاثوليكي وكبير الأساقفة في جوبا، وما قاله رئيس مجلس الكنائس السودانية، ومطران مدني.. وهي مشاعر إيجابية تتناغم مع ما قام بيني وبين شخصيات جنوبية هم من أفضل العاملين في الحقل العام: السيد وليم دينق رجل الدولة، والسيد لويجي أدوك الحكيم، والسيد ماثيو أوبور السياسي، والسيد بيتر نيوك الأكاديمي، والسيد دافيد دقوك الصديق الوفي. هؤلاء نماذج سودانية ممتازة جمعتني بهم الصداقة والثقة المتبادلة. كذلك أثلجت صدري شهادات بعض الأكاديميين المشهود بموضوعيتهم في التوثيق لمساهمتي إبان حكومتي الأولى في ستينات القرن الماضي وأبرزهم سكرتير مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثنى عشر واتفاقية أديس أبابا المرحوم محمد عمر بشير. أما حكومتي الثانية وما بعدها فلا زالت الكتابات حولها مخلوطة بالغرض السياسي ولم تثمر الأكاديميا بعد كتابات بتلك السمة الموضوعية، وأعتقد جازما أنها إن أتت سوف تسير في ذات الدرب.

وبصرف النظر عن المسائل الشخصية فإن هناك عوامل موضوعية توجب التآخي بين الشمال والجنوب، هي:

         النهر المشترك.

         البترول الذي يفرض مصلحة مشتركة.

         الوجود الجنوبي الكبير في اقتصاد الشمال.

         المراعي والمشارع الجنوبية المطلوبة لرعاة الشمال.

         السوق الجنوبي لمنتجات الشمال والسوق الشمالي لمنتجات الجنوب.

         نموذج التعاون المطلوب برغم التباين الثقافي.

         الطرفان يستطيعان إيذاء بعضهما بعضا ما يوجب التعاون من أجل الأمن القومي.

منطق المصلحة المشتركة هذا تحجبه الآن مساجلة شوفينية بين شوفينية شمالية تنبذ الجنوبيين وتكفر تقرير المصير، وشوفينية جنوبية تنادي بتحرير الجنوب من استعمار شمالي داخلي. هذان التياران يعززان بعضهما ويبرران بعضهما ويمثلان أغلى أمنيات المتآمرين على الوطن لأنهما -علما بذلك أم جهلا- يحققان أهدافه.

اتفاقية سلام نيفاشا انحازت إلى الوحدة الجاذبة ولكن بعض ترتيباتها جعلت الانفصال جاذبا.

وبصرف النظر عن الاتفاقية، فهنالك عوامل تغذي الانفصال، هي:

         سياسة المناطق المقفولة منذ 1922م.

         ذهنية الاستعلاء الشمالي.

         ذهنية الانتقام الجنوبية.

         أيديولوجية انقلاب يونيو 1989م.

         أيديولوجية السودان الجديد.

         تحالفات الشريكين الداخلية والخارجية.

         النهج الثنائي الذي غيب المنطق القومي.

    لوبيات أمريكية قوية احتضنت إرادة الانفصال الجنوبية واتهمت إرادة الوحدة الشمالية ووجهت السياسة الأمريكية في اتجاهها.

انتخابات أبريل 2010 وضعت مصير الجنوب في يد الحركة الشعبية ومصير الشمال في يد المؤتمر الوطني بمباركة دولية ساذجة. أقول ساذجة لأنها لم تحسب حساب العواقب. قانون الاستفتاء وآليته أي المفوضية وكافة إجراءات الاستفتاء وضعت الأمر في يد الحركة الشعبية بلا منازع.

هذه المعطيات ستضع نتيجة الاستفتاء في يد الحركة الشعبية مثلما حال انتخابات أبريل 2010م.

كل الدلائل تدل على أن الحركة الشعبية تدرك حجم المشاكل التي سوف تواجه دولة الجنوب الجديدة لذلك اتخذت مواقف حكيمة أولها: مد اليد للآخر الجنوبي بصورة غير مسبوقة في مؤتمر الأحزاب الجنوبية في أكتوبر 2010م وما أسفر عنه ذلك المؤتمر من نهج قومي جنوبي. ومقولة السيد سلفا كير التصالحية الإيجابية عن الإسلام.

في المقابل نجد قيادات المؤتمر الوطني تنبذ الآخر الشمالي وترفع شعارات إقصائية للآخر باسم الإسلام والعروبة بنفس الصورة التي أفرزت مطلب تقرير المصير للجنوب وسوف تعزز مطالب مماثلة فيما بقي من الشمال.

سيكون للانفصال تبعات خطيرة في الجنوب تحدث عنها بعمق وإسهاب الباحثون أذكر منهم:

         كتاب الأستاذين ماريك شوميروس وتيم ألن بعنوان: جنوب السودان في تناقض مع نفسه.

         مقال توماس تالي المنشور في مجلة الحروب الصغيرة.

         ما ورد في مجلتي الأكونومست ونيوزويك.

         ما جاء على لسان مجموعة الأزمات الدولية، وجماعة كفاية.

         دراسة منظمة برنتهرست التي قام بها مجموعة من المتخصصين تحت عنوان: كل شيء يبدأ من الصفر.

هؤلاء يجمعون على أن الداخل الجنوبي والعلاقات الجنوبية الشمالية -ما لم تحدث إجراءات ضخمة وصفوها- مرشحة للويل والثبور وعظائم الأمور، كما يجمعون على أن الساسة ما زالوا كلهم الشماليون والجنوبيون والدوليون يعالجون الأمور بسطحية مفرطة.

ودراسة صدرت في نوفمبر 2010م بعنوان تكاليف النزاع القادم في السودان. هذه الدراسة أجرتها أربع منظمات هي: اقتصاديات على الحدود Frontier Economics، معهد دراسات الأمن ISS، جمعية التنمية الانتقالية SID، والسلام المستدام في السودان AEGIS. قالوا إن تقديراتهم للحرب القادمة إذا اندلعت أن تكون حربا رهيبة تكلف 100 بليون دولار في 10 سنوات، وتكاليف أخرى:

50 بليون دولار ما يفقده السودان من دخل قومي بسبب الحرب.

25 بليون دولار ما تفقده دول مجاورة.

30 بليون دولار ما تكلفه عمليات حفظ سلام لاحقة.

وهم يوجهون السؤال لكل صناع القرار الآن أن يسألوا أنفسهم: هل قمنا بكل ما يلزم لتجنب الحرب؟

ويقدرون 4 سيناريوهات:

         أسوأها الحرب التي تترتب على رفض أحد الأطراف نتيجة الاستفتاء.

         اقتتال محدود إذا قبل الطرفان نتائج الاستفتاء ولكن اختلفا فيما يجب عمله لتطبيق نتائجه.

         اقتتال متوسط إذا قبلت الخرطوم نتائج الاستفتاء والانفصال ولكن تعمل على العرقلة.

         وأفضل السيناريوهات هو سيناريو السلام. أن تقبل نتائج الاستفتاء وتعالج كافة النقاط الخلافية بصورة عادلة.

هذا الأخير هو الذي كنا نسعى نحن إليه وكل مبادراتنا هادفة إليه ولكنها كلها وقعت في أذان صماء.

ختاما: إن اتفاقية سلام نيفاشا وما أقامت من هياكل، وطريقة تطبيقها، وما خلفت من رواسب وأصداء، وما صنعت من سوابق، وفجوات الاتفاقية وما جرت معها من تدويل جعلت الدولة السودانية بعد الفترة الانتقالية دولة موقوذة محتاجة لهندسة جديدة لبناء الوطن. وإذا انفصل الجنوب وقامت دولتان فإنها تحتاجان لتصميم جديد يهندس لإقامة دولتين مجديتين تعيشان في سلام واستقرار. أي فإنهما حالتي الوحدة المرجوحة، والانفصال الراجح، بحاجة لتقرير مصير الوطن. وإلى حين أن تتوافر الإرادة السياسية لذلك أرجو أن نفكر معا في آلية مؤهلة لرسم الخريطة المناسبة ولا يعقل أن تكون دوائر الفلك الثاني (أي الفكري) في كل العالم مشغولة بدراسة خياراتنا ومآلاتنا ونحن أشبه ببني نمير:

ويقضى الأمر إن غابت نمير    ولا يستأمرون وهم حضور!

القضية الثانية: وقفة مع الذات في قضية التأصيل

ومثلما الحاجة ماسة لتقرير المصير الوطني فنحن أهل القبلة في حاجة ماسة لتقرير المصير الديني تجاذبتنا على الصعيد الفكري تيارات كثيرة أخص بالذكر أهمها وهي:

    التيار الفكري الليبرالي الغربي الذي في ظروف ركود مجتمعاتنا جعل كثيرا من مفكرينا مبهورين بالغرب لحد الثمالة على نحو ما قال سلامة موسى: أنا مؤمن بالغرب كافر بالشرق. وفكرة أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وقبل ذلك ضياء غوك ألب التركي الذي ساهم في التمهيد للمشروع الكمالي. ولكن الليبرالية ورافدها العلماني مهما كان لهما من تأييد أخفقا في استيعاب الخصوصية الثقافية.

    الفكر الاشتراكي وجد دعما من التطلع للتحرير من الاستعمار وللعادلة الاجتماعية ولكنه أخفق في التوفيق بين العدالة والحرية. بل ضحى بالحرية تضحية أقامت حكومات بيروقراطية أمنية فأهدرت العدالة أيضا.

    الفكر القومي العربي استصحب ما في التطلع الاشتراكي من تحرر من الاستعمار وتطلع للعدالة الاجتماعية وزاد عليه بالتصدي للقضية الفلسطينية، ولكن نظام حكمه ثبت أركانه بالفاشستية. ثم أخفق في أهم الواجبات: الدفاع عن الوطن.

هذه العوامل ضمن عوامل أخرى أفسحت المجال للخيار الإسلامي الذي صار الآن في العالم الإسلامي الحائز على رأس المال الاجتماعي. بل أقول إن عوامل مختلفة سوف أفصلها في كتابي القادم بإذن الله بعنوان (القضية الإسلامية) جعلت الإسلام اليوم رغم ضعف المسلمين الإستراتيجي والاقتصادي هو القوة الثقافية الكبرى في العالم.

المسلمون بمقياس القوة ضعفاء للغاية ولكن الإسلام بمقياس القوة الناعمة القوة الثقافية الكبرى.

لذلك نجح النداء الإسلامي في تعبئة الاحتجاج السياسي بل المقاومة المسلحة في أماكن كثيرة. ولكن مع نجاح النداء الإسلامي في المعارضة وفي المقاومة فإن البرامج الإسلامية التي طبقها الإسلاميون في السلطة في كثير من البلدان كالسودان، وأفغانستان، وباكستان، كانت بائسة.

الرصيد الأخلاقي والعبادي والشعائري الإسلامي عن طريق المؤسسات التقليدية، والطرق الصوفية، والجمعيات الدينية يرفل في قوة وتمدد.

ولكن الصورة في المجال الحركي أفضت إلى فشل التجارب الإسلامية بصورة تامة ولم يبق في الساحة إلا أنموذجان:

         أنموذج طالباني يضحي بالعصر لصالح الأصل ويلتمس التوجه الإسلامي في نهج خارج التاريخ.

         والأنموذج التركي الذي أخضع نهجه للدستور العلماني.

طبعا يحمد لتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا نقل العلمانية من علمانية معادية للدين لعلمانية صديقة للدين.

الطرح الإسلامي في السودان إذ تراجع بصورة غير منهجية خلف الآثار الآتية:

    انطلاق تيارات تأصيلية منكفئة تدين تراجع التجربة أمام مطالب الواقع السياسي وبعيدا عن الواقع ومطالب العصر تبث أجندة طالبانية.

    انطلاق تيارات علمانية تستشهد بالتجربة السودانية على إخفاق الحل الإسلامي وتدعو بصراحة لحصر الدين في المسائل الشخصية بين الإنسان وربه وإدارة الشأن العام على أسس لا مكان فيها لمرجعية غيبية.

إتباع النهج الانكفائي في بلاد كالسودان متعدد الأديان، والثقافات، والجيران الذين يتأثرون به، معناه الاستعداد للخروج بحياتنا خارج العصر. ولتعريض وحدتنا لمزيد من التفكيك،  وإزاء الاقتتال الذي سوف ينشب حتما فتح الأبواب لمزيد من التدويل.

في يوليو 2008م قدم وزير الأمن الإسرائيلي لافي رختر محاضرة قال فيها: إن خريطة الشرق الأوسط الحالية قامت على أساس تقسيم لم يراع التباين الديني، والمذهبي، والاثني، والثقافي، في البلدان. لذلك ينبغي الآن مراجعة تلك الخريطة ما يوجب تقسيم البلدان ليصبح: في العراق 3 دول. والسعودية خمس دول. وغيرها من التقسيمات. أما السودان فخمس دول.

دعاة النهج الانكفائي بعلمهم أم بغيره هم أدوات هذا التقسيم.

أما المطالبون بطرد الإسلام من الحياة العامة. فقد فاتهم الاتعاظ بالتجربة على نحو ما قال مارك تالي مراسل البي بي سي في الهند. في بلاد ذات انتماء ديني قوى الدعوة العلمانية الصارخة تقود إلى اتجاه معاكس تحتله قوى أصولية دينية. هذا بالضبط ما حدث فأدى لانتعاش أصولية هندوسية وصل على ظهرها حزب جانيتا الهندوسي للسلطة. وهي ظاهرة سوف تتكرر كلما أفلح علمانيون في طرد الدين من الحياة العامة.

الدين في السودان سوف يكون له دور هام في الحياة العامة حتى في الجنوب الذي يظنه بعضننا خلاءً دينيا، هذا غير صحيح فالكنسية قد كان لها دور سياسي كبير في الجنوب سوف يزيد قوة في دولة الجنوب القادمة.  بل الكنيسة هي أقوى تنظيم مدني في الجنوب والأكثر نفوذا، ومن ناحية أخرى لا زال للأديان الأفريقية دورها في الحياة العامة وحتى في الدستور. دستور الجنوب ينص على مصدرين للتشريع: الإجماع والعرف. والعرف هو الذي مصدره عقائدهم الدينية.

لتقرير مصيرنا الديني أقول:

·        نحن ندعو لدولة مدنية ديمقراطية تحقق المساواة بين المواطنين. وتؤكد أن الشعب هو مصدر السلطات.

·        ونحن ندعو لمراجعة إسلامية وهي تعني:

         تماهي المبادئ السياسية الكلية في الحرية، والعدالة، والكرامة، والمساواة، والسلام مع مبادئ الإسلام.

         التشريعات ذات المحتوى الديني تخصص لجماعاتها دون سواهم.

         لا تشريع مهما كان يعتمد إلا عبر آلية تشريعية منتخبة.

     جواز الترابط بين المسلمين فوق الحدود القطرية كذلك المسيحيين لتنظيم مصالحهم المشتركة بما لا يتعارض مع الدستور.

         يجوز للمسلمين معارضة أية تشريعات تتعارض مع قطعيات الشريعة بالوسائل الديمقراطية.

         لا يجوز إصدار أية تشريعات تنقص من الحريات الدينية.

         حرية الرأي لا تعني حرية الإساءة للمقدسات.

    أساس تمييز أهل الإيمان بثلاثة: التوحيد لله – النبوة – المعاد. من آمن بها وعمل صالحا حصل على جواز المرور الإسلامي.

·        مقاصد الشريعة هي:

         حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.

         أية أحكام تتعارض مع هذه المقاصد باطلة.

ههنا نحن بحاجة في نطاق المسلمين لآلية لرسم خريطة الطريق لتقرير مصيرنا الديني والحيلولة دون اختطاف الدين لصالح التغريب من الأصل أو لصالح التغريب من العصر.

القضية الثالثة: وقفة مع الذات في قضية السلام في الشمال:

في أسمرا في مؤتمر القضايا المصيرية قلنا: ينبغي ألا نتحدث عن قضية الجنوب، بل قضية السودان فيما يتعلق بالعلاقة الفاشلة بين المركز والأقاليم المختلفة وما ينبغي عمله من إصلاح هيكلي يحقق عدالة أكبر في توزيع السلطة والثروة وما ينبغي عمله لتحسين إدارة التنوع الثقافي في السودان، لذلك تقرر أنه فيما يتعلق بإعادة هيكلة السلطة والثروة ولامركزية الإدارة والتنوع الثقافي وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة لكفالة قوميتها فالمطلوب هو إصلاح شامل لكل السودان، الاستثناء الوحيد هو كفالة تقرير المصير للجنوب لخصوصية اعترافنا بها. ولكن وساطة الإيقاد وتوصيات مجلس الدراسات الدولية الأمريكي، حولت القضية من صورتها القومية إلى صورة ثنائية ما أدى إلى اتفاقية سلام نيفاشا التي سميت اتفاقية السلام الشامل في وقت كانت فيه الحرب مستعرة في غرب البلاد وشرقها.

تلك الاتفاقية أقامت سابقة بما تبنت من حلول، ولكنها قفلت الباب أمام إتباع تلك السابقة في إبرام سلام الغرب والشرق.  ولو أن سابقة اتفاقية نيفاشا اتبعت باستثناء تقرير المصير لأمكن إبرام اتفاقيات سلام مماثلة حقيقية. ولكن أبرمت أبوجا في مايو 2006م دون مراعاة لمطالب أهل الإقليم. ومنذ ذلك الحين تهاوت. وأبرمت بعدها اتفاقية الشرق الهشة. وأجريت دراسات، وعقدت مؤتمرات، وغيرها من قنوات تداول مسألة دارفور وكلها لا تخرج عن رؤية قرارات أسمرا.  وبعد طول تدارس تبنت وثيقة هايدلبرج الصادرة في أبريل 2010م تلك الرؤية.

لن تجرؤ حركة دارفورية على توقيع اتفاق ناقص بعد الذي  حصل لجماعة مني أركوي مناوي. ومحادثات الدوحة رغم ما صدرت من تصريحات متفائلة لم تكن في الطريق الجاد لاتفاقية لسبب بسيط هو أن قيادتها من الجانب الدارفوري عولت على تعويض نقصها في التفويض من حركات دارفور الأخرى على تحقيق مصالح قاطعة لأهل دارفور لا تجرؤ الحركات الأخرى على رفضها، وفي المقابل كان المفاوض الحكومي مخندقا في العمل على إبرام اتفاق مماثل حذوك النعل بالنعل لاتفاق أبوجا الذي مات وإن لم يقبر.

بعد انهيار اتفاقية أبوجا كل المعطيات تدل على أن حركات دارفور تستعد عبر اجتماعاتها في القاهرة، وفي ليبيا، وفي جوبا، وفي لندن، لتوحيد هدفها وتوحيد وسائلها وكلها تنطلق من أن الاتفاق مع نظام الخرطوم غير مجد. وحتى إذا أبرم لن ينفذ.  وكلها سوف تكون أكثر تشددا بعد استفتاء وانفصال الجنوب، فالقدوة الجنوبية كانت ماثلة في إلهام وتكوين كثير من تلك الحركات.

المؤتمر الوطني بدليل إستراتيجية سلام دارفور الجديدة صار أكثر تشددا في موقفه الانفرادي. ولم يستفد شيئا من دروس الجنوب بل يتجه ليصير أكثر تشددا في مواقفه باعتبار أن الشريك المناكف قد اختفى.

هذا التشدد المتبادل مع حقيقة أن الأسرة الدولية سوف تكون أكثر تشددا مع المؤتمر الوطني بعد استفتاء الجنوب يعني أن مشاكل السلام والاستقرار في الشمال سوف تزيد حدة.

الموقف الوطني يستوجب إبرام اتفاق دارفور وتعميم مبادئه بأسرع فرصة ممكنة قبل حلول العام المقبل. ولكن يبدو أن الفرصة قد ضاعت.

القضية الرابعة: وقفة مع مسألة المعيشة

منذ أن تدفق البترول وبدأ تصديره في 1999م أصيبت البلاد بنقمة البترول وبالداء الهولندي والنتيجة:

         صارت الميزانية السودانية تعتمد إلى حد كبير (65%) على إيرادات البترول.

         وصارت نسبة إيرادات البترول من صادرات البلاد تزيد على 90%.

         75% من إنتاج البترول في البلاد يقع في مناطق جنوبية.

نتيجة هذا كله هي أن نصيب الحكومة من دخل البترول بعد الانفصال سوف يقل. وكذلك نصيبها من إيرادات الصادر.

وقبل الانفصال وفي انتظاره تمت زيادات كبيرة في الجمارك وفي الرسوم لدعم إيرادات الميزانية.

ونتيجة لتوقع هبوط إيرادات البترول تمت هجمة على العملات الصعبة مما رفع سعر الدولار من 2500 جنيه إلى 3500 في شهرين. (بالجنيه القديم).

زيادات الضرائب المذكورة وزيادة سعر الدولار انعكست على الأسعار فزادت زيادات رهيبة.

قيل لنا إن الحكومة مثلما صمدت للأزمة المالية العالمية سوف تصمد لنتائج انفصال الجنوب.

الحكومة السودانية تأثرت سلبا بالأزمة المالية العالمية في حدود ما نقص من سعر برميل البترول. وعلى أية حال فقد ساعد على تحمل آثار الأزمة ما كان متاحا من احتياطات اختفت الآن.

الأزمة العالمية حدث طارئ. ولكن آثار الانفصال مسألة مستمرة توجب مراجعة هيكلية أساسية للاقتصاد الوطني.

إذا لم تجر هذه المراجعة الهيكلية في الاقتصاد بما يؤدي لاهتمام كبير وحقيقي بالإنتاج الزراعي والصناعي ومراجعة كبيرة في الصرف الحكومي فإن الاقتصاد قبل السياسة هو الذي سوف يحاصر النظام.

مجرد إرهاصات الانفصال أدت لاضطرابات في تصريحات المسئولين وتدمير الثقة في الإدارة الاقتصادية للبلاد، والنتيجة هروب في رؤوس الأموال، وارتفاع في سعر الدولار، وارتفاع جنوني في الأسعار وازدياد الضائقة المعيشية.. حالة سوف تستمر وتزيد بعد الانفصال هذا إذا لم تتجدد الحرب فإن تجددت فإن الحالة سوف تزيد سوءا.

التصدي للحالة الاقتصادية والضائقة المعيشية ممكن ضمن وحدة وطنية حقيقية وعبر مؤتمر قومي اقتصادي.

الاتفاق مع الجنوبيين لمعادلة كسبية حول البترول بما يخفف الآثار السالبة للشمال ممكن بل واجب.

وبما أن تدفق البترول ضروري للحزبين الشريكين فسوف يقبلان صيغة وفاقية يقترحها الوسطاء. أما اتفاق اقتصادي شامل، وهيكلة جديدة للاقتصاد الوطني، ونهج قومي فهذه خطوط حمراء تجنبها النظام دائما. فإذا استمر في نهجه القديم فإنه سوف يجعل الاقتصاد ومسألة المعيشة إحدى جبهات المواجهة بينه وبين الشعب السوداني.

الملف الخامس: الحريات:

في السودان حريات محدودة زادت القيود عليها مؤخرا.

إذا اتسع الاستقطاب بين الرأي والرأي الآخر في السودان فسوف يكون هامش الحريات هو أول الضحايا.

إذا كانت كل الملفات مرشحة لاستقطاب وتشدد كما تدل القرائن فسوف يسعى النظام لحماية انفراده ويجر لموقفه ما شاء من مبررات لإسكات الرأي الآخر. والقمع والبطش سوف يولد نقيضه. بعض سدنة النظام يهنئون أنفسهم بإحكام السيطرة على الشارع مقارنة بما حدث للأنظمة الماضية. نعم لأن النظام طبق وما زال سياسة القمع بقسوة لكل تعبير حركي معارض. ولكن هذا المنطق هو نفسه الذي قاد إلى تضخم صفوف الفصائل المسلحة بصورة غير مسبوقة في السودان.

أي أن السيطرة على حركة الشارع تمت بثمن باهظ وهو اتساع جبهة المقاومة المسلحة. إنه اتساع بحجم انكماش فرص حركة الشارع.

الملف السادس: ديناميات التغيير:

النظام نفسه لا يمكن أن يستمر في حالته الراهنة بعد الفترة الانتقالية وسوف يضطر لانكماش حزبي مصحوب بتشدد أيديولوجي وتصعيد حربي في مواجهة الجنوب ودارفور، أو في وجه كافة المخاطر بالاتجاه للانفتاح القومي.

القوى السياسية الأخرى سوف تجد نفسها هي الأخرى أمام خيارين التصدي للتشدد ودفع الثمن من تضحيات أو التجاوب مع الانفتاح القومي.

القوى المسلحة سوف تتجاوب مع الانفتاح القومي إذا كان صادقا أو تستعد للانقضاض المسلح.

نتائج النهج القومي في كل الحالات محسوبة ويمكن أن تحقق معادلة كسبية للسودان ونهج المواجهات سواء المدنية أو العسكرية في ظروف السودان الراهنة ستكون على أقل تقدير قفزة في الظلام ولكن ربما قاد إليها تشدد العناد والانفراد.

ومع أن قضية التغيير داخلية لكن لمواقف الأسرة الدولية لا سيما الولايات المتحدة نصيب هام فيها:

أولا: لا شك أن احتضان الولايات المتحدة لانفصال الجنوب سيلعب دوره في تحقيقه وفي دعم موقف الدولة الجنوبية في مواجهاتها مع المؤتمر الوطني.

ثانيا: حصار المحكمة الجنائية الدولية لرأس الدولة السوداني سوف يزيد بعد الانفصال بهدف شل حركته.

ثالثا: لن يحظى السودان الشمالي بإعفاء الدين الخارجي ضمن برنامج الدول الفقيرة عالية المديونية ولا أي برنامج آخر مهما كانت مرونة موقف الإدارة الأمريكية لأن اللوبيات لن تسمح بذلك. كما لن تسمح برفع العقوبات عن الشمال وحصر ذلك في الجنوب.

رابعا: تشدد الحزب الحاكم المتجدد في الشمال سوف يؤدي ضمن سلبيات أخرى لاستنساخ سيناريو الجنوب في جنوب الشمال وربما وجهات أخرى وسوف يحظى هذا بنفس الدعم الخارجي القديم.

ختاما: الوطنيون السودانيون من كل الفصائل إزاء مشهد المصير الوطني هذا أمامهم موقف واحد هو دعم الأجندة الوطنية أما المتشددون من كل الفصائل الدينية أو السياسية فهم بوعي منهم أو بغير وعي منهم أدوات تفكيك الوطن.

لم يبق إلا القليل يا وطني فهل من أمة تثب؟

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *