حـق تقريـر المصيـر بيـن أمانـي الوحـدة والإنفصـال

بسم الله الرحمن الرحيم

 حـق تقريـر المصيـر بيـن أمانـي الوحـدة والإنفصـال

    قال الحصين بن المنذر:-

             امرتهم أمري بمنعرج اللوى

                                            فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

ظل الشعب السوداني يحصد دائما ً أخطاء قيادته السياسية ويتحمل تبعات قراراتهم الخاطئة لا سيما في ظل العهود الشمولية التي جثمت كثيراً على صدر هذا الشعب وربطته بأغلال غليظة كبلته ومنعته من التطور الإزدهار رغم الإمكانيات الهائلة للدولة السودانية .

ظلت مشكلة جنوب السودان الحائط الذي تنكسر عنده كل مجاديف القوى السياسية ويرجع ذلك الى عدة أسباب منها على سبيل المثال وليس الحصر عدم الرؤية الواضحة لدى القيادات السياسية تجاه مشكلة الجنوب ماعدا بعض الأحزاب السياسية مثل الحزب الشيوعي والحزب الجمهوري  الإشتراكي حيث كانت لها رؤية واضحة وموضوعية ناقشت أسباب المشكلة ووضعت الحلول لها ، وأيضاً تباين الفهم السياسي من جهة سياسية إلى أخرى حول مشكلة الجنوب وكذلك عدم تكّون الشعور القومي بأننا أمة سودانية واحدة وذلك لاننا ما زلنا أمة تحت التكوين .                                                           (NATION UNDER MAKING)    

ايضاً كانت القوى السياسية السودانية واقعة في إستقطاب شديد وحاد بين الإنتماء للمحيط العربي و المحيط الأفريقي في ظل وجود إستقطاب حاد بين الوحدة مع مصر أم الإستقلال .

في ظل هذه الربكة الشديدة فشلت القوى السياسية في التعامل مع مشكلة جنوب السودان وبدأت أولى هذه الحلول الجادة في مؤتمر المائدة المستديرة في جوبا عام 1947م وتوالت هذه المحاولات في مؤتمر المائدة المستديرة في 1965م ومؤتمر اديس أبابا 1972م وإتفاقية الميرغني وقرن في 16/11/1988م وأخيراً في اتفاقية نيافاشا  2005م CPA .

ولعل برتكول مشاكوس الإطاري الموقع في 20/7/2002م هو مفتاح إتفاقية السلام الكامل CPA .

·        وهذا الإتفاق نص على أخطر البنود وهي :-

 أولاً :- تقسيم السودان على أساس ديني فالشريعة تطبق في الشمال الجغرافي على المسلم وغيرالمسلم وتطبق العادات والتقاليد في الجنوب على الجميع أي أن أحكام الشريعة لا تطبق على أساس شخصي وإنما على أساس جغرافي وهذا هو بداية تحقيق الإنفصال ، فالانفصال الذي أؤرخ له ليكون الإستفتاء عليه في 9 يناير 2011م بدأ من ذلك الوقت الذي اتفق فيه على التقسيم الديني في مشاكوس . وهذا الأمر لم يكن وارداً في إتفاقية السلام السودانيية في16/نوفمبر /1988م بين الميرغني وقرنق والتي تمت إجازتها في الجمعية التأسيسية ولا في كل الاتفاقيات السابقة.

ثانياً:- حق تقرير المصير لجنوب السودان عبر إستفتاء عام في الجنوب في نهاية السنة السادسة من الفترة الإنتقالية .

يلاحظ أنه ولاول مرة في التاريخ السياسي السوداني أن توافق حكومة على حق خطير مثل حق تقرير المصير ولعل هذا الامر ليس بمستغرب فهذا هو برنامج الجبهة الاسلامية القومية في فترة الديمقراطية الثالثة ولذلك إستعجلت حكومة الانقلاب (( العصبة ذوي البأس )) كما يسميهم الاستاذ / فتحي الضو وقامت بتوقيع إتفاقية فرانكفورت عام 1992م بين علي الحاج ممثلاً لحكومة الانقاذ ود. لام أكول بعد إنشقاقهم عن جون قرنق وتوج هذا الامر ونص على حق تقرير المصير في إتفاقية الخرطوم للسلام في عام 1995م

·        يلاحظ أن إتفاقية السلام الشامل هي إتفاقية ثنائية بين طرفين هما الحركة الشعبية وهي لا تمثل كل الجنوب والمؤتمر الوطني وهو لا يمثل كل الشمال                                   لم يتم الإشراك الحقيقي لشعب الجنوب ولا لشعب الشمال ولعل هذا الامر فطنت له القوى السياسية ممثلة في التجمع الوطني الذي طالب  هذه القوى باشراكه في مفاوضات السلام وبالفعل ذهب وفد من التجمع إلى كينيا أثناء المفاوضات فرفض وفد الحكومة الدخول الى القاعة التي بها وفد التجمع وهذا الامر كان في يوليو 2002م وكان الوفد الحكومي وقتها بقيادة قطبي المهدي قبل تغيير الطاقم الحكومي وتولي علي عثمان رئاسة المفاوضات

رغم الإنتقادات العديدة لاتفاقية السلام الشامل وانها اتفاقية ثنائية إلا أن كافة القوى السياسية أيدتها لانها أوقفت حرباً أهلية استمرت أكثر من إثنين وعشرين عاماً .

ظلت القوى السياسية تستنكر سلوكيات المؤتمر الوطني تجاه الجنوبيين والشماليين في الخرطوم ولعل الدكتور منصور خالد فطن اليه وأشار في كتابه الصادر أخيراً تكاثر الزعازع وتناقض الاوتار ص 77 – دار مدارك للنشر الصادر في 2010م فذكر قائلاً ((قد يسأل سائل ماهي أهمية مراعاة حقوق غير المسلمين في العاصمة بالنسبة للوحدة أو الانفصال )) . بدءاً نقول أن بروتوكول إقتسام السلطة ما كان ليتم لولا الاتفاق على الطريقة التي تدار بها العاصمة القومية وبالنسبة للوحدة أو الانفصال نزعم أنه لو كان بين أهل الجنوب من ينبغي أن يكون أشد إستمساكاًً بالوحدة لكان هو الجنوبي الذي إستقر به الحال في الشمال ، وتعلم في مدارسه ….فلئن دفعنا من يفترض أن يكون أقرب الناس لكيما يقول هذه ليست عاصمتي ، فما الذي نتوقع منه عندما يجئ الاستفتاء غير أن يقول وهذا البلد ليس بلدي  ))  

لم يراعي المؤتمر الوطني كل تلك الخصوصيات ولم يحترم ما تم الاتفاق عليه في بروتوكول إقتسام السلطة فيما يتعلق بكيفية إدارة العاصمة القومية ولم يقدم الانموذج للإخوة الجنوبين الذين يعيشون في الشمال بأنهم مواطنين لديهم حقوق يجب أن تراعى بل نجد العكس تماماً ، نجد ان حملات النظام العام كانت تطولهم بانتظام ولم تكن هنالك محاكم خاصة للجنوبيين في الشمال حتى لا يتم تطبيق القانون عليهم بتعسف رغم وجود محاكم خاصة عديدة في أمور أخرى لم تكن لها أهمية تذكر وكان ينبغي أن يكون موضوع الوحدة ذو أهمية لاهل المؤتمر الوطني وكان ينبغي أن يراعي تطبيق  قانون النظام العام بحكمة لان قانون النظام العام ليس هو الشريعة الإسلامية كما زعم بعض زعماء المؤتمر الوطني فهو قانون وضعي عادي من إجتهاد البشر ينظم مواعيد الحفلات وركوب النساء في المركبات العامة وأشياء أخرى ، وليس من مقاصد الشريعة الاسلامية العقاب وإنما العدالة والإستقرار ودفع الضرر وتحقيق المنافع هي من مقاصد الشريعة الاسلامية .

قال العز بن عبد السلام :-( مقاصد الشريعة الاسلامية هي ، جلب المصالح ودرء المفاسد ) ويقول ابن القيم الجوزية ( الشريعة مبنأها وأساسها على الحكم ونفاع العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل الى الجور وعن المصلحة الى المفسدة وعن الحكمة الى العبث فليست من الشريعة وإن ادخلت فيها بالتأويل ).

رغم ان اتفاق مشاكوس تم التوقيع عليه منذ 20/7/2002م وهو المصدر الاساسي لحق تقرير المصير ظل المؤتمر الوطني متغافلاً أو غافلاً ولم يتذكر أمر هذه الوحدة إلا في هذه الشهور الاخيرة كأن الأمر ظهر فجأة وكأن العصبة الحاكمة نزل عليها هذا الامر فجأة من السماء بدون توقع .

إستخدم المؤتمر الوطني كل الاساليب والادوات التي تجعل الوحدة مرفوضة من قبل المواطن الجنوبي بل جعلته يفكر في الانفصال قبل أن يأتي أوآنه وكنت أقول لمجموعة من أصدقائي من جنوب السودان  أن الشمالين أنفسهم في ظل هذا الوضع القاتم لو منحنا الحق في الإستفتاء لكان قرار أغلب الشمالين هو الانفصال من دولة عصبة المؤتمر الوطني لأن الإنتهاكات والمظالم المتراكمة خلال إحدى وعشرين عاماً من حكومة العصبة أولي العزم أزاقت الشعب شمالين وجنوبين الامرين ، فما هو الوطن ؟ فهو فسحة من الارض يجد فيها الانسان نفسه ويتمتع بحرياته ويشعر بآدميته وإنسانيته فعندما يفقد الانسان هذا الشعور ويشعر انه مهان في وطنه محتقر لا حقوق له فماذا يبقى من كلمة وطن ؟!!

·        وعندما إنتبه المؤتمر الوطني فجأة لهذا الواقع الذي أصبح وأضحاً وهو أن الانفصال واقع لا محالة تباكى على اللبن المسكوب ورأينا الرحلات المكوكية للأستاذ / على عثمان محمد طه النائب الثاني لرئيس الجمهورية لجوبا وأصبح الرئيس يدعو قادة الاحزاب لتأييد الوحدة ، إذاً : لماذا رفضتم وجود هذه القوى السياسية عند بدء المفاوضات ولماذا تبحثون عنها الآن ؟؟ !

ما يمر به السودان الآن ليس هو أزمة الاستفتاء فقد بات الانفصال واقعاً واصبح حقاً وفقاً لانفاقية السلام الشامل ولكن الاخطر من الانفصال هي القنابل الموقؤتة المصاحبة للإنفصال والتي لم تحسم بعد ولعل أخطرها مسألة الحدود ولعل المؤتمر الوطني لا ينتبه لكل هذا وانما عينه فقط على آبار البترول التي سوف تذهب للجنوبين ولعله لو تمت متابعة دقيقة للتصريحات الصحفية لوزراء المؤتمر الوطني في الاسبوع الماضي  وآخرها  تصريح وزير المالية علي محمود في لقاءه مع صحفية الشرق الاوسط المنشور بتاريخ 10/10/2010م ( أن حكومة الخرطوم سوف تفقد 70% من ناتج البترول إذا حدث الانفصال )

* كذلك من التبعات التي سوف تحدث عندما ينفصل الجنوب سوف ترتفع سقوفات مطالب المناطق الآخري مثل دارفور والنيل الازرق وكردفان وسوف تحذوا حذو الجنوب وتطالب بالانفصال إذا لم يتم تحقيق مطالبهم .

*إن الانفصال حادث لا محالة ولكن ينبغي على القوى السياسية الوطنية الخروج من دائرة الكلام والصراعات الذاتية والتوافق على موقف وطني واضح وقوى ضد المؤتمر الوطني لان التاريخ لن يرحم المؤتمر الوطني ولن يرحمهم بسكوتهم المريب ووقوفهم متفرجين تجاه أزمة الوطن المستعصية

وقال جان بول سارتر :( لا يوجد شئ إسمه المستقبل وان المستقبل هو ما نصنعه الآن سلباً أو إيجاباً أو تقاعساً ) .

                                                                  المعز حضرة

                                                                     المحامي

                                                                           

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.