وحدويون رغم انف هؤلاء واولئك

وحدويون رغم انف هؤلاء واولئك
علي أبو زيد علي
 بعض من تلك الاحداث اليومية الصغيرة التي تمر بنا تقدح الوجدان والفكر لتجلو حقيقة النفس البشرية السوية ففي عصر يوم من شهر رمضان المعظم ذهبت لدكان حلواني بوسط الخرطوم وفي الداخل وجدت شابة فتية من جنوب السودان تتناول بعضاً من قطع الكنافة وتمسك بإحدى يديها قارورة من المياه المعدنية قلت لها مخاطباً ، نحن في شهر رمضان نصوم فلماذا لا تصومي معنا؟؟؟ جاء ردها بعفوية وابتسامة رصينة قائلة:
– يا عمي انا لسع صغيرة لم اصل سن التكليف.
نظرت إلي الصليب الفضي الصغير المتدلي من عنقها وغضضت البصر وعند خروحي قلت بصوت عال: انت لست صغيرة انت اكبر من كل هؤلاء واولئك.
فقد احسست إنها بردها تجاوزت عقابيل وانغلاق المنكفئين من دعاة الانفصال وتمزيق وحدة الوطن السودان.
 أن شغب شيخ مثلي تجاوز منتصف العقد الخامس في يوم رمضاني قائظ استوقد ازلية الانتماء لهذه الأرض وانسان السودان المتجاوز لدعاوي التباين والاختلاف الاثني والعقائدي بان تقف حاجزاً دون التلاقي والتعايش فقد تجذرت القيم السودناوية من خلال التدافع والتلاقي بين المكونات البشرية من اقصى الجنوب وفي اقصى الشمال ومن اقصى الغرب وحتى اقصى الشرق وشكلت فسيفياء الوطن.
 لحظة اجتراري لرد تلك الشابة من جنوب الوطن تقافزت الاسئلة المستفزة إلي مخيلتي ونحن نعايش مجابهة الاستفتاء في مطلع العام القادم كيف أصبحت وحدة السودان مكان تشكيك حتى اتخذنا وسيلة الاستفتاء؟؟ وما معنى أن تكون الوحدة جاذبة؟؟؟ من يجذب من؟؟؟ فالجنوبي ينتمي للسودان من اقصى الشمال والشمالي ينتمي لاقصى الجنوب – من الجاذب ومن المجذوب؟؟ وهل قرأ غلاة الانفصاليين من الجنوب كواسر منابر السلام العادل من الشمال التاريخ وتدبروا في حكمته وتوقعوا مآلات تمزيق السودان في سلام وامن الجانبين؟؟ هل ادرك هؤلاء انهم يغرسون بذرة حرب جديدة لابنائنا وللاجيال القادمة من اجل الوحدة سوف تكون أكثر شراسة ودماراً من الحرب الماضية؟؟
 أن دعاوي الانفصال من اجل حسن الجوار وتحقيق السلام دعوة تجانب حقائق المعرفة الإنسانية والتطور الحضاري الذي بدأ بالاسرة المنعزلة ثم تطور إلي الجماعة الاثنية ثم إلي الجيوب السلطانية والملكية والاقطاعية ثم الدولة والامة وصاحب هذا التطور مجموعة القيم العقائدية التي جاءت بها الاديان السماوية من لدن أبو البشر آدم عليه السلام وحتى الخاتم رسول الله الكريم والتي تدعو لكرامة الإنسان وتعارف الأمم والشعوب.
 وعصرنا الحالي يعايش محاولات الوحدة الكبيرة وحدة القارة الافريقية لمواجهة تحديات العولمة ودول الاتحادات التي ارتقت سلالم العلم والمعرفة والحضارة مثل تجمع الولايات المتحدة الأمريكية كانت أم روسية أم اوربية فجاءت دعوة وحدة القارة الافريقية بتطوير الفكر السياسي وانتزاع دول القارة للاستقلال والحرية وتولى جيل بدايات نهضة افريقيا الدعوة لوحدة القارة اسس لفكرها قاده علماء وحكماء ودعا لتطبيعها زعماء مثل جوموكنياتا ونايريري وليوبكسنقور وعبد الناصر ولم يتخلف السودان فقدم الدعم والمساندة لحركات التحرير في القارة من جنوب افريقيا والي الجزائر.
 سعى السودان إلي تأسيس عدد من التجمعات الإقليمية لترفد في الوحدة القارية وقامت احزاب سياسية وطنية ذات ثقل تنفذ استراتيجيات الوحدة بين السودان ودول الجوار مثل وحدة مصر والسودان والوحدة الثلاثية العربية الافريقية التي جمعت بينها وبين مصر والجماهيرية فهل يدرك دعاة الانفصال هؤلاء انهم يعيشون عصر الردة.
 أما اولئك من الدول الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تفجر نار تمزيق السودان وتتبنى توجهات الفكر الصهيوني الداعي إلي اعادة تشكيل خارطة الشرق الاوسط الجديد والذي يمثل السودان فيها محوراً اساسياً في تحطيم حلم الدولة الإسترائيلية الكبرى في المنطقة فالسودان نموذج للتماذج العربي الافريقي والرابط بين الشرق الاوسط وجنوب القارة الافريقية والدولة التي تجري فيها اطول جزء من اطول الأنهار في العالم مما يجعل السودان المفكك سهل الانقياد والانصياع للضغوط وتمرير السياسات الدولية في القارة والوطن العربي.
 ظللنا في ادبياتنا ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان والنزاعات في دارفور وشرق السودان نتحدث عن التنوع وان قوة وحدتنا في تبايننا الاثني والثقافي دون الاعتبار للاتصالات – والتعايش والتحولات الاجتماعية التي حدثت منذ اندلاع الحرب من خلال النزوح الجماعي إلي الشمال والتواجد الاقتصادي والامني في الجنوب والذي عبرت عنه تلك الشابة من جنوب السودان.
 أن تباين اهل السودان مثل عدد كبير من دول وتجمعات العالم تستمد وحدته من وحدة الكون المتنوع والمتباين من إنهار ونار وارض وسماء ونهار وليل ليتحقق انسجام الكون وابداع رب الكون.
ولله الحمد،،،،
abuzied100@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *