6 تحديات أمنية يخشى منها على استقرار الشمال والجنوب إذا وقع الانفصال

6 تحديات أمنية يخشى منها على استقرار الشمال والجنوب إذا وقع الانفصال

الخاسرون والرابحون في انفصال جنوب السودان (2)
الخرطوم: محمد سعيد محمد الحسن
الاستفتاء وتقرير المصير لجنوب السودان الذي نص دستور الفترة الانتقالية واتفاقية السلام الشامل على إجرائه قبل 6 أشهر من نهاية الفترة الانتقالية، في يناير (كانون الثاني) 2011، يثير جدلا واسعا وعميقا بين الباحثين والأكاديميين والقانونيين لتداعياته الجسيمة في حالة خيار انفصال الجنوب عن الشمال، وقد شكلت لجان ضمت خبرات وكفاءات لرسم ووضع ملامح لتداعيات الانفصال وتأثيره على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وماذا يعني وجود دولتين بدلا من سودان واحد.

وانفردت مداخلة المفكر والأكاديمي البروفسور الطيب زين العابدين بحقائق مهمة للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويحذر بشدة من أن تسري عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور وأن يندلع عنف قبلي في الجنوب أكثر مما يجري الآن ويزداد الانفلات الأمني والنهب المسلح في مناطق توتر دارفور وسيفضي الاضطراب السياسي والانفلات الأمني إلى أن يكون السودان أكثر عرضة للتدخلات الخارجية من دول الجوار وربما من قبل القوات الدولية التي ستكلف بحماية المدنيين.

ويضيف المفكر والأكاديمي البروفسور الطيب زين العابدين أن معظم الدلائل تشير إلى أن أهل جنوب السودان عندما يحين موعد الاستفتاء على تقرير المصير في يناير (كانون الثاني) 2011 سيصوتون بأغلبية كبيرة لمصلحة الانفصال، وأكد ذلك كبار القياديين في الحركة الشعبية بمن فيهم الفريق سلفا كير ميارديت رئيس حكومة الجنوب وعدد من زعماء الأحزاب الجنوبية الأخرى وعدد من المسؤولين الدوليين المتابعين للشأن الجنوبي، كما أيد ذلك زعماء الأحزاب الشمالية الذين زاروا الجنوب في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي 2009 بمناسبة انعقاد مؤتمر جوبا للقوى السياسية المعارضة. وبدأت التعبئة الشعبية للانفصال بمظاهرات الشباب التي تنظمها الحركة الشعبية في التاسع من كل شهر ابتداء من يونيو (حزيران) 2010. وفي ظل هذه المؤشرات الواضحة يصبح من الحكمة أن يناقش المراقبون في الشمال تحديات هذا الوضع الجديد بالنسبة لهم. السؤال المقلق هو: هل سيتم الانفصال بصورة قانونية وسلمية وسلسة تسمح بالتعايش وحسن الجوار في ما بعد؟ أم سيكون الأمر عكس ذلك؟ ومن جانب آخر يقول بعض الجنوبيين خاصة بعد الانتخابات التي اكتسحتها الحركة الشعبية في الجنوب إنه ينبغي إعلان الاستقلال من داخل البرلمان الجنوبي مثل ما حدث عند استقلال السودان في البرلمان مطلع عام 1956 وإنه لا داعي لضياع الوقت والمال في إجراء استفتاء نتيجته معروفة سلفا. هكذا يتضح مدى الإحساس بحقيقة مشكلات ما بعد الانفصال التي تتطلب حلولا واضحة واستعدادات مسبقة قبل وقوع الانفصال.

* التحديات الأمنية:

ويضيف المفكر البروفسور الطيب زين العابدين: «هناك 6 تحديات أمنية يخشى منها على استقرار السودان في الشمال والجنوب إذا ما وقع الانفصال بين الإقليمين:

1- حرب بين الشمال والجنوب بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود في منطقة أبيي أو غيرها من حدود 1956 التي لم تحسم بعد أو عدم الاتفاق على حل قضايا ما بعد الانفصال مثل تقسيم مياه النيل، وعائدات البترول، والاختلاط السكاني في الشمال والجنوب، وتقاسم الأصول والديون وغيرها. والمشكلة في أبيي أن قرار هيئة التحكيم الدولية في لاهاي ليس مرضيا عنه من كلا المجموعتين الأساسيتين في المنطقة دينكا نقوك والمسيرية؛ فالمجموعة الأولى تظن أن حقول البترول في هجليج قد أخذت منها بغير حق وتحاول الحركة الشعبية أن تضم هجليج إلى ولاية الوحدة بدلا من أبيي. والثانية تعتبر أن الحدود الشمالية التي ضمت إلى أبيي قد توغلت كثيرا في مناطقهم شمال بحر العرب وحرمتهم من الأراضي ذات المياه الوفيرة التي يعتمدون عليها في سقي مواشيهم وقطعانهم زمن الخريف. وفي الوقت ذاته، فإن إضافة المنطقة الشمالية لا يخلو من مشكلة بالنسبة للدينكا لأنه يعطي المسيرية الذين يعيشون في تلك المواقع حسب تفسير الحكومة حق التصويت في الاستفتاء حول تبعية المنطقة لبحر الغزال أو إلى جنوب كردفان وهم يخشون من تصويت المسيرية لصالح الانضمام إلى جنوب كردفان. ولكن الحركة الشعبية لا تقر بهذا الحق للمسيرية على أساس أنهم رحل ولا يقيمون في المنطقة بصورة دائمة، وعلى الرغم من الاتفاق على قانون أبيي، فإن تحديد من سيصوت في الاستفتاء ما زال عالقا وأحيل البت فيه إلى المفوضية المعنية التي لم يتم تكوينها بعد.

2- وقد يبدأ تمرد مسلح جديد في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق إذا لم تقتنع عناصر الحركة الشعبية التي جاءت إلى السلطة في الولايتين بقوة السلاح بنتيجة المشورة الشعبية التي نصت عليها اتفاقية السلام الشامل، وربما تدعم الحركة مثل هذا التمرد خاصة إذا جاء الانفصال متوترا ومضطربا بين طرفي الاتفاقية.

3- أن تسري عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور إذا لم تحل المشكلة قبل الاستفتاء، وبما أن الحركات المسلحة لم تشارك في انتخابات أبريل (نيسان) الماضي فقد أصبحت خارج المعادلة السياسية ولن تقبل بهذا الوضع، كما أن حركة العدل والمساواة وفصيل حركة تحرير السودان الذي يقوده عبد الواحد محمد نور تغيبا عن محادثات الدوحة التي استمرت حتى منتصف يوليو (تموز). ولذا، فإن مشكلة دارفور ما زالت باقية وتبرر وجود أعداد كبيرة من قوات الأمم المتحدة والتدخل في شؤون السودان.

4- وربما يندلع عنف قبلي في الجنوب أكثر مما هو حاصل الآن، وستتهم الحركة الشعبية كما تفعل دائما المؤتمر الوطني بدعم ذلك العنف ومن ثم تجد الحجة لدعم أي تمرد يقع في الشمال خاصة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولن يتوقف المؤتمر الوطني من مبادلة الحركة الشعبية كيدا بكيد.

5- ومن المرجح أن يزداد الانفلات الأمني والنهب المسلح في مناطق التوتر (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق) بسبب الاضطراب السياسي وانتشار السلاح والفقر وازدياد البطالة خاصة في أوساط الشباب والخريجين.

6- وفي حالة الاضطراب السياسي والانفلات الأمني سيكون السودان أكثر عرضة للتدخلات الخارجية من قبل بعض دول الجوار وربما من قبل القوات الدولية في السودان التي ستكلف بحماية المدنيين».

* التحديات السياسية:

ويمضي البروفسور زين العابدين في تحديد المخاطر الناجمة عن الانفصال بالقول: «من المؤكد أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى تداعيات سياسية في الشمال، خاصة إذا ما كان انفصالا متوترا صحبته عمليات عسكرية أو انفلات أمني، وأهم تلك التداعيات المحتملة هي:

1- زيادة وتيرة الاضطرابات السياسية في أقاليم السودان الشمالية مطالبة بالمزيد من الحكم اللامركزي ومن اقتسام الثروة مع المركز واحتجاجا على معالجة الحكومة لبعض القضايا مثل تنفيذ اتفاقية الشرق وتوطين المتأثرين بسد مروي وإنشاء خزان كجبار وغيرها، وربما تشتط بعض الجماعات لتطالب بتقرير المصير أو الانفصال كلية عن السودان مثل ما فعل الجنوب. ولعل مناطق التوتر الأولى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وربما شرق السودان تأتي في مقدمة من قد يرفع مثل تلك المطالب من خلال آلية المشورة الشعبية التي قد تستغل سياسيا ضد الحكومة المركزية، كما أن ضعف الموقف الاقتصادي للبلاد حاليا والمتوقع أن يزداد ضعفا بعد خروج عائدات بترول الجنوب من موازنة الدولة، وتأثر تلك المناطق بالوضع الاقتصادي الجديد سيشجع على مثل تلك الاضطرابات.

2- سيزداد الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة، وستحمل المعارضة الشمالية حزب المؤتمر الوطني الحاكم مسؤولية انفصال الجنوب واشتعال الاضطرابات في مناطق أخرى، ومن ثم فإنه غير جدير بالاستمرار في الحكم حتى بعد فوزه في الانتخابات التي قاطعتها معظم الأحزاب لأن استمراره يعني المزيد من التفكك والانشقاقات.

3- مقاطعة أحزاب المعارضة للانتخابات وعدم الاعتراف بنتيجتها بدعوى التزوير وعدم النزاهة سيستمر حتى موعد الاستفتاء وإلى ما بعد الانفصال وسيضعف من موقف الحكومة في مواجهة الحركة الشعبية وتداعيات الانفصال.

4- ازدياد الضغوط الدولية على السودان في مجالات التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية ورعاية حقوق الإنسان وتحقيق السلام في دارفور وغيرها وذلك بقصد الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب أهل الجنوب ودارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق أو يتغير النظام.

* التحديات الاقتصادية:

أهم هذه التحديات حسب البروفسور زين العابدين هي:

1- خروج نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب التي تساوي حاليا نحو 80% من كل عائدات البترول (تبلغ عائدات البترول بصورة عامة نحو 45% من موازنة الدولة وتشكل 95% من الصادرات وإذا ما خرج نصف عائدات بترول الجنوب فإن الوضع سيصبح صعبا للغاية) وهذا نقص كبير سيتسبب في كثير من المشكلات الاقتصادية وربما تعوض الحكومة هذا النقص إلى حد ما من تكلفة خدمات البترول التي ستقدمها لحكومة الجنوب (ترحيل عبر الأنابيب وتصفية ومعالجة كيمائية وتخزين وتصدير عبر موانئ البحر الأحمر) إذا جاء الانفصال سلميا وسمح بقدر من التعاون بين الحكومتين. وقد لا يستمر ذلك طويلا لأن الحركة الشعبية تفكر في تشييد خط للسكة الحديد من الجنوب إلى ميناء مومبسا الكيني وتنوي بناء مصفاة لتكرير البترول خاصة بها في الجنوب حتى لا تعتمد على الشمال غير المؤتمن في نظرها، ولكن إنشاء مثل تلك المشروعات يستغرق ما لا يقل عن ثلاث سنوات ويكلف مبلغا ضخما.

2- إذا وقعت عقب الانفصال نزاعات عسكرية أو انفلاتات أمنية واضطرابات سياسية فإن الوضع الاقتصادي سيكون في حالة متردية ولن يحتمل مقابلة تكلفة تلك النزاعات والاضطرابات مما يزيد الأمر تعقيدا وسوءا.

3- لن تستطيع الحكومة مقابلة تعهداتها الداخلية في اتفاقيات السلام تجاه تعمير وتنمية وتأهيل مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وسيجر عليها ذلك بعض المشكلات والاحتقانات السياسية أو النزاعات المكشوفة. وقد لا تتمكن الدولة من الوفاء بمستحقاتها تجاه الديون الخارجية التي حل أجل الوفاء بدفعها مما يشكل ضغوطا إضافية وربما يحرمها من أية قروض جديدة.

4- وإزاء مثل هذه الأوضاع المتقلبة قد تضطر الدولة لزيادة الضرائب والرسوم الجمركية من دون أن تزيد الأجور بالنسبة نفسها، وهذا يعني زيادة العبء المعيشي على الطبقات المتوسطة والضعيفة التي ظلت تعاني لسنوات من الضائقة المعيشية ولم تتحسن أحوالها حتى بعد تدفق عائدات البترول.

وعن كيفية المعالجة يقول البروفسور زين العابدين: «ليس هناك من مخرج آمن للحكومة سوى أن تسعى إلى تمتين علاقاتها مع المعارضة الشمالية حتى تقف معها في صف واحد إذا ما وقعت مواجهة سياسية أو عسكرية مع حكومة الجنوب، وأن تصل مع الحركة الشعبية إلى كلمة سواء في المسائل العالقة بينهما وفي معالجة قضايا ما بعد الانفصال حتى يقع الانفصال بصورة سلمية وسلسة لا تمنع من حسن الجوار والتعايش السلمي والتعاون المشترك في القضايا التي تهم الطرفين. وأن ترمم الحكومة علاقاتها مع دول الجوار والمجتمع الدولي حتى لا يتحرش بالسودان ويقف مع كل طرف معاد له من داخل البلاد أو خارجها. وتستطيع الحكومة أن تفعل ذلك بتبني بعض الإجراءات والسياسات المناسبة التي توفق أوضاعها مع الجهات المعنية.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *