هل كان اسم السودان الحالي اثيوبيا … واثيوبيا الحالية الحبشة..؟

هل كان اسم السودان الحالي اثيوبيا … واثيوبيا الحالية الحبشة..؟.

(الحبشة، أثيوبيا، اكسوم، مروي، اليمن .. بين التاريخ القديم  والسياسة المعاصرة)

بقلم:  بروفيسور محمد شمس الدين ميغالوماتيس                  ترجمة : أسامة بابكر حسن

oabahas@gmail.com

أثيوبيا القديمة وحدودها:

شاعت في دراسات العصور القديمة Antiques   كجزء من نشؤ الدولة الحبشية فكرة استيطان الكوشيين شرق افريقيا كافة، وأن الاغلبية منهم عاشوا في الحبشة الحالية. والأسوأ من ذلك أن المروجون لهذه الفكرة الزائفة قصدوا الترويج في تلك الأيام بأن السودان وأثيوبيا بلد واحد لإضافة أن الاحباش مجرد مجموعة صغيرة لاجئة من سبأ اليمنية تداخلوا مع الكوشيين، هذه الفكرة خاطئة تماماً على الرغم من وجود بعض عناصر الصحة فيها. فالكوشيين الذين ينحدرون من الأسرة الحامية كانوا يعيشون لآلاف السنين في جنوب مصر، وللعلم فإن الهكسوس الذين حكموا مصر لفترة من الزمن،  ما كان ليتأتى لهم ذلك لو لا تحالفهم مع المجموعات السكانية التي أسست حضارة كرمة في السودان في الآلفية الثانية قبل الميلاد وهؤلا هم سلالة الكوشيين الذين أقاموا في الآلفية الأولى عاصمتهم في نبتة – كريمة الحالية- ، ومن المعلوم أن المصريين يستخدمون لفظ )كاس) لوصف المنطقة، والناس، والمملكة في مناطق السودان الحديث قبل أن يتم تشويه هذا اللفظ وتحويله إلى لفظ ) مات كوسي ( في اللغة البابلية الآشورية، و )كوش( في العبرية، و )حُص( في النص الانجيلي اليوناني. ثم أطلق  اليونان لفظ آثيوبيا Aithiopia  على نفس الأرض، والمجموعات البشرية، والدولة. وفي جميع الحالات أرجع النص الانجيلي اليوناني لفظ Aithiopia  لما يشار اليه في النص العبري بــ   )كوش( . انها دولة كوش في نبتة التي حكمت مصر لبعض الوقت خلال فترة حكم بعانخي، وشبكا، ونوبوشبتاكا، وتهراقا، وتانوت آمون ” الأسرة الحاكمة الأثيوبية حسب استخدام مانتو للمصطلح عند وصفه للأسرة الحاكمة الخامسة والعشرين قبل طردهم من قبل الامبراطوريان الأشوريان أشورهادون، وأشوربانيبال اللذان ضما مصر. نفس اللفظ استخدمه اليونانيون في المراحل التالية للسودان الاثيوبي لما قبل التاريخ المسيحي، عندما  قام ساماتيشوس الثاني 595 قبل الميلاد، وقمبيز الذي غزا مصر في عام 525 قبل الميلاد بالتوغل جنوب مصر حتى وصلا نبتة – كريمة الواقعة على مسافة 1050 كلم جنوب أسوان، أي 1900 كلم جنوب القاهرة- على طول شاطئ النيل ودمرا المدينة مرتين، فنقل الكوشيون الأثيوبيون عاصمتهم بعيداً نحو الجنوب الى منطقة البجراوية الحالية لضمان عدم مهاجمتها من الشمال مرة أخرى، ثم نشأت مروي التي بُنيت أهراماتها في الفترة بين سنة 400 قبل الميلاد و 350 بعد الميلاد، المحفوظة حالياً في البجراوية والتي وصفها  هيليودورس في روايته Aithiopica’ بمملكة مروي ، وأنها عاصمة آثيوبيا Aithiopia.

 

للإجابة على فرضية استيطان الكوشيين شرق افريقيا كافة، لابد من الاجابة أولاً على مدى امتداد الحدود الجنوبية لدولة مروي الاثيوبية، فكافة المختصين سيتفقون بأنها امتدت حتى المناطق الواقعة بين الخرطوم وودمدني، فحسب الدلائل الموفورة لدينا فان الغابة الافريقية كانت واصلة هذه المناطق مما يمنع أياً من كان التوغل جنوباً، وعليه فان مروي الاثيوبية لم تضم أي جزء من حدود الحبشة الحالية، كما أنها لم تسيطر على الجبال الشمالية لأرتريا والحبشة ولا شواطئ البحر الأحمر في السودان الحالي، وإذا ما أشرنا إلى المراجع الموثوقة نجد أن أحدها سيرة التجارة البحرية اليونانية التي كُتبت حوالي سنة 70 بعد الميلاد، كذلك من المؤكد وجود مجموعات سكانية كوشية خارج نطاق مملكة مروي الاثيوبية، إلا أنه يصعب تحديد هذه المجموعات حيث لم يتركوا أي آثاراً مكتوبة يمكن فك رموزها، وقراتها، وتقييمها، ومقارنتها، وفهمها وبالتالي الحكم عليها، فما هي اذاً أصول الاثنيات السكانية التي سكنت في الألفية الأولى ما قبل الميلاد منطقة الحبشة وأرتريا الحاليتين، قد يخمن البعض انهم الصوماليون، ولكن لا توجد أي دلائل تشير إلى ذلك، كذلك من النقاط المهمة، أن منطقة الحاميين المصريين ومملكة مروي الاثيوبية خصوصاً في مناطق أخرى للقبائل النيلية الصحراوية التي بعضها من سلالة النوبيين المعاصرين كانوا يعيشون وسط الكوشيين الحاميين، بالتالي من الخطأ الادعاء بأن الكوشيين عاشوا فقط في منطقة شرق أفريقيا.

 مزوروا الحقائق التاريخية نسوا أن لفظ Aithiopia في المصادر اليونانية القديمة لا يشير إلى مجموعة عرقية فحسب، بالتالي عمموا استخدام هذا اللفظ وأضافوا له المجموعات السكانية التي تسكن اثيوبيا الحالية فلفظ أثيوبيا في المصادر اليونانية كان يقصد به اسم دولة.. !.. وتلك الدولة كانت عاصمتها مروي، ولم توسع حدودها جنوباً إلى الحبشة، إذاً ليس هناك سبباً وجيهاً بالاصرار على الأكاذيب التاريخية والاستمرار في اطلاق اسم أثيوبيا على الحبشة الحالية.

 

 

قبيلة حبشت يمنية وليست سبأية 

هنالك أخطاء تاريخية فيما يخص المنهج الرسمي في تسمية الحبشة، فالادعاء بأن الأحباش من مملكة سبأ اليمنية إدعاء خاطئ، لأن فك رموز الوثائق المكتوبة أثبتت وجود مجموعة اثنية/ قبيلة واحدة في اليمن الحالية  تسمى حبشت Habashat  من المرجح انهم هاجروا خلال عدة  موجات إلى أفريقيا خلال القرن الأول قبل الميلاد عابرين باب المندب، وقد دونت قصتهم بوضوح في الملاحم الحبشية المسيحية كيبرا نيقاست Kebra Negast.

 

النقطة الأضعف في هذه المجادلة التاريخية الضالة لتسمية الحبشة، هي الجهود الرامية لتقويض حقيقة اندماج الأحباش مع المستوطنيين الأوائل من الكوشيين الأفارقة، ونحن حقيقة لا علم لنا سواء كانت الدلائل الآثارية التي لدينا هي خاصة بالكوشيين عن الأحباش قبل مقدمة الكتابة الجوعزية Gueze ما يعني قبل وصول قبيلة حبشت اليمنية، والمجموعات البشرية النيلية الصحراوية وحتى شعب البانتو، لكن المؤكد أن اندماج الأحباش لم يكن كبيراً  ولم يؤثر في حضارة أكسوم الحبشية القديمة. فالمخطوطة الجوعزية نشأت كلياً من اليمن القديم، وتمثل دليلاً لغوياً واضحاً ينتمي للسامية مع احتوائها على مميزات من الحامية والكوشية، وحتى إذا حدث نوع من الاندماج فانه لم يكن بالاهمية ولم يؤثر على تكون ثقافة  أكسوم السامية ماقبل المسيحية وبعدها حيث كانت اللغة المتحدثة تحوي عنصراً  أجنبياً آسيوي الثقافة ولكن على أرض أفريقية.

 

حتى اذا قصرنا الموضوع على فترات ما قبل المسيحية، فلا توجد قواسم مشتركة وأوجه شبه وانتماءات بين حضارة مروي وأكسوم، فأكسوم الحبشية تختلف دينياً وثقافياً تماماً عن المروية الأثيوبية، فأكسوم وأدوليس تجمعان العديد من الانتماءات مع ظفار عاصمة مملكة حمير وميناءها موزع – حالياً مخا-، بينما نجد أن الحضارة المروية الأثيوبية وحضارة أكسوم الحبشية كانتا جنباً إلى جنب لبضعة مئات من السنين لكنهما تختلفان عن بعضهما البعض أكثر من الإختلاف بين اليونانية والفارسية.

 

المسيحية الأثيوية لا صلة لها بالمسيحية الحبشية

 

من الملفت للاهتمام أنه رغم هجوم الحبشة وتدميرها لأثيوبيا في سنة 370 بعد الميلاد في عهد عيزانا، فان المسيحية الأثيوبية السودانية لم تتأثر بمسيحية أكسوم الحبشية، ومن الممالك المسيحية السودانية نوباتيا في أقصى الشمال التي تأثرت بالمسيحية القبطية المصرية Coptic Egyptian، بينما تداخلت مملكة  المقرة القوية في الوسط وتأثرت بالأقلية الارثوذسكية اليونانية في مصر و بطريركية القسطنطينية من أجل معارضة مملكة نوباتيا، ليست هناك مؤشرات ملموسة حول مملكة علوة  Alodia الصغيرة الواقعة جنوب هاتين المملكتين حول منطقة الخرطوم ورغم ذلك لا توجد مؤشرات بتأثرها بأكسوم الحبشية، ففي مملكة نوباتيا كانت القبطية هي اللغة الرسمية والدينية، وفي المقرة Makkuria كان الكهنة المسيحيين يقدمون النصوص المقدسة حسب أحرف الهجاء اليونانية والتي تبدوا انها استمراراً للغة الكوشية لمملكة مروي ونبتة – حيث كان يتم استخدام مخطوطات مقدسة وهيروغريفية لأكثر من 700 سنة – قبل انهيار مروي. في مملكة المقرة كانت اليونانية هي لغة الدين والكتاب المقدس، أما بالنسبة لمملكة علوة فليس بين أيدينا أي دلائل. بالتالي ليس ثمة أثر للغة الجوعزية في المسيحية السودانية من القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر.

هناك عنصر تزييف تاريخي مهم يتصل بالهرطقة المسيحية الحبشية ودورتها الزمنية، إلا أنه لا يمكننا أخذ دعاية ملكية لمملكة قديمة وطرحه كقيمة إسمية في العصر الحديث، ففي الواقع اعتنقت الممالك المسيحية الاثيوبية )السودان( تدريجياً الاسلام، نوباتيا في القرن العاشر، المقرة في القرن الثالث عشر، وعلوة في القرن السادس عشر، إلا أنه من غير المنطقي أن أعتناق منظومة بلد كاملة بممالكه في سلسلة أحداث غير متسقة تنتهي بالادعاء باغتصاب اسمه، هذا الوضع لا يخول أي دولة اغتصاب اسم دولة أخرى، ولا يسمح بتحويل اسم أثيوبيا إلى الحبشة.

 

مستشارو الاستعمار لحكام الحبشة

تحويل اسم اثيوبيا إلى الحبشة هو صنيعة غربية بالاصالة، فالغربيون يرون أن التحويل المعيب للحبشة إلى أثيوبيا باعتبارها مهمشة، وفقيرة، والتخلي عنها لتظل في ركب التخلف الدائم، وعلى الرغم من  استخدامهم كافة أساليب الحيل المهينة لم يقدم الغربيون للحبشة أي ضمانات لمساعدتها في بناء خزانها بالقرب من بحيرة تانا، فغرقت الحبشة في حرب أهلية مريرة عندما تم توهين شعوب الارومو، والاوجادين، والعفر، وسيداما، وبلغ بها الخوف من مصر أن صرفت النظر عن فكرة بناء الخزان عند بحيرة تانا بحجة أن مصر وهي الدولة الأفقر مواردياً في منطقة الشرق الاوسط ستدمر الخزان إن تم بناءه.

ومع كل ذلك فان المستشارين الغربيين لهيلاسيلاسي الذين أقنعوه بتغيير اسم البلد كانوا يستهدفون بهذا التغيير السودان في الأساس، سأوضح ذلك من خلال قصة لا يعرفها كثير من الناس، فأهم الشخصيات التي أقنعت هيلاسيلاسي بتغيير اسم الحبشة إلى أثيوبيا الفرنسي جان ليكلانت الذي يشغل منصب السكرتير الدائم للأكاديمية الفرنسية للفنون والمخطوطات، وقد طلب منه هيلاسيلاسي شخصياً في سنة 1952، تأسيس دائرة الأثار العامة الأثيوبية، الشخصية الأخرى هي عالم المصريات الفرنسي جان فيركوتا مؤسس دائرة الأثار في السودان، الأول كان أستاذي في جامعة السوربون في الفترة من 1978 إلى 1981، الشخصية الثالثة أيضاً فرنسي وهو أندريه كاكوت اختصاصي الكتابة الجوعزية والسريانية الذي أصبح فيما بعد أستاذاً في كلية الأكاديميين الفرنسية، هذا الثلاثي هو من شرح لهيلاسيلاسي الفوائد السياسية لتغيير من تعميم أسم أثيوبيا بدلاً عن الحبشة، وهنا أود أن أشير إلى تبجيل كافة الأمهرة العاملين في المعهد الوطني للحضارات واللغات الشرقية في باريس للبروفيسور لاكلانت الذي لا زلت أكن له التقدير في حدود المجال الأكاديمي فقط. فقصة تغيير اسم الحبشة لا تخص الحبشة فقط، فهي تلقي بظلالها سواءً على السودان الذي يعتبر المالك الحقيقي لإسم أثيوبيا، فالفرنسيون لم يريدو أن يستخدم السودان اسم أثيوبيا لأن هذا الإسم سيبعده عن جامعة الدول العربية، إلا أن المؤامرة الفرنسية على أسم السودان الحقيقي تفاقمت بعد ذلك ليكون ضمن مخطط الارهاب الاسلامي، فلو ترك السودان يبني هويته على قواعد الحضارة الكوشية الأفريقية، كان سيكون بمنأى عن مؤامرة القومية العربية التي حاكتها فرنسا تعليمياً، وثقافياً، وسياسياً من خلال وكلاءها للدكتاتوريات في المنطقة، ولما حدثت مأساة درافور الحالية لو ظل السودان يحتفظ باسمه الصحيح )أثيوبيا(.

 

للرجوع للموضوع الأصلي:

 http://www.buzzle.com/articles/abyssinia-ethiopia-axum-meroe-yemen-history-and-current-politics.html

 

————————————

تعليق المترجم:

–   للبروفيسور الشيخ الفاتح قريب الله دراسة حول السودان بين الاسم والصفة.

–  الدكتور عبدالله الطيب تناول اسم السودان بأنه صفة كما ورد في كتاب فضل السودان على البيضان، على وزن فعلان: بُيضان، صُفران، حُمران، … الخ.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.