قصة سوق المواســـير

قصة سوق المواســـير
شاهد عيان..

pdf: pipes-market
المؤلف/ عبدالله الخليل..
عاش لحظاتها بتفاصيلها من قلب الحدث بمدينة الفاشر أبو زكريا [آداب العاصي].
سيناريو وحوار وإخراج: والي شمال دار فور الأستاذ/ عثمان محمد يوسف كبر وأعضاء آخرين من دونهم..
لا تعلمونهم..

بطولة: آدم اسماعيل وموسى الصديق حكومته.
ضيف الشرف: نقيب شرطة الشيخ/ عبدالخير منصور إمام وخطيب مسجد الشرطة
شارك في التمثيل:
مجموعة من أئمة المساجد: لعبوا دور الصم والبكم
..

مجموعة من أفراد الشرطة والأجهزة الأمنية: لعبوا دور الكومبارس والقتلة
أعداد كبيرة من مواطني الفاشر وباقي أنحاء السودان: لعبوا دور الضحية
مسرح العرض: مدينة الفاشر

شامخ وطن عاتي..

أسعار الدخول: كل مالديك
المشهد الأول:

عدد من العربات الكورية المستخدمة والمواتر وعربات أخرى تقف متراصة باحدى الساحات امام مستشفى الشرطة بمدينة الفاشر وجنوبها مباشرة يقع مسجد الشرطة واشلاق الشرطة، وحولها يتجول عدد من الافراد وجوههم كالحة كادحة وملابسهم بسيطة معظمهم من السائقين والكمنسجية واللصوص اصحاب السوابق الجنائية وجزء منهم ينتمى الى اجهزة امنية معروفة، ويعرف هؤلاء بالسمسارة، عندما يشتد الحر يجلسون تحت ظلال شجرتين من شجر (النيم) احداها تتوسط السيارات المتراصة والاخرى تقع غرب الطريق المعبد الذي يربط وسط المدينة بسوق المواشي والاحياء الجنوبية، ما ان تقف احدي السيارات حتى يتجمع حولك عدد من السمسارة معددين لك مزايا السيارة وحالتها الجيدة، وعند اقتناعك بما عرض لك يتم تحوليك الى مكتب قرب معرض السيارات يتجمع امامه عدد من الافراد حالهم افضل بقليل من سابقيهم الا انهم لايردون السلام وتجدهم منشغلين اما مع هواتفهم المحمولة او مع بعضهم البعض.
داخل المكتب الذي تتوسطه تربيزة متوسطة الحجم ومجموعة من الكراسي الفخمة تجد ايضاً عدد من الافراد ومدير المعرض الذي يجري عملية البيع وبقية الاجراءات.

المشهد الثاني:

انتعاش المعرض وتزايد اعداد السيارات وانواعها والمواتر وكذلك تزايد اعداد السماسرة، صارت السيارات تقف على جانبي الطريق من المسجد حتى نهاية مستشفى الشرطة والساحة الامامية لمعهد التاهيل التربوي، واصبح الشارع مزدحما جدا عند موقع المعرض مما اجبر سائقي المركبات الى ابطاء سرعتهم.
بات هذا المعرض يلفت نظر سكان المدينة وبدأت اخبار المعرض والاسعار المغرية في البيع والشراء تنتشر بين الناس في المدينة، ياتي الشخص بعربة سعرها (15مليون) ومعه مشتري وهو شرط اساسي في بداية عمل المعرض ويتم كتابة شيك لصاحب العربة بمبلغ (20مليون) لمدة (45يوم) وتباع العربة للشخص الاخر بمبلغ (12مليون) هذا نموذج لطريقة عمل السوق.
بدات اسماء (ادم اسماعيل وعبدالخير منصور) في اللمعان والظهور وسط الناس، وسمي المعرض بسوق المواسير من قبل شريحة من الشباب نسبة للعربات القديمة التي تباع وتشترى داخل المعرض والشيكات التي ارتبطت بالسجون في اذهان الناس، كذلك سمي المعرض بسوق الرحمة من قبل (عبدالخير منصور).

المشهد الثالث
ذاع صيت ادم اسماعيل بين الناس وهو رجل شرطة سابق كان يعمل برئاسة الشرطة بالفاشر وتحديدا بقسم الخدمات الاجتماعية، وهو رجل اسمر اللون صحته جيدة له عينين واسعتين وتتوسط جبهته غرة سوداء صوته جهور يحمل دائما مسبحة في يده تبدو عليه اثار التقى والورع والبشاشة والترحاب.

اما عبدالخير منصور فهو رجل دين حافظ لكتاب الله لهو صوت جميل في تلاوة القران ومفوه في الخطابة، انضم الى سلك الشرطة ووصل الى رتبة نقيب وهو امام وخطيب مسجد الشرطة وكان مدير قسم الخدمات الاجتماعية بالشرطة وكثيرا مايقيم ندوات ومحاضرات دينية في انحاء المدينة.

المشهد الرابع:
بداء المعرض في استلام العربات الكبيرة وهي تحمل شحناتها والمواد الاخرى كالاسمنت والسكر وغيرها، وتحول المعرض الى سوق كبير للسيارات والمواد الاستهلاكية، ثم انتقل المعرض الى مكان اخر غير بعيد من الموقع الاول مع بقاء المكتب الرئيسي في مكانه، كذلك بدأت المعارض تفتح ابوابها في اماكن اخرى من المدينة وبداء دخول مختلف شرائح المجتمع من موظفين وتجار وقوات نظامية وسياسين ودخل اناس من مدن مختلفة من السودان، فرض السوق نفسه على مدينة الفاشر وصار رقما صعباً لايمكن تجاوزه خاصة اذا كان الشخص يود بيع او شراء عربة او مادة من المواد الاستهلاكية فليس له الا سوق المواسير باسعاره المغرية.
كذلك بداء الناس يتحدثون عن مصدر الاموال وذهبوا فيها مذاهب تجاوزت الاربع:
منهم من نسبها ال الجن..
واخرين الى الحكومة..
وبعضهم الى المانحين والمنظمات الاجنبية..
وجزء اخر آثر الصمت..

وكثرت الاقاويل.

المشهد الخامس
ظهر لاعب جديد على الساحة وهو (موسى الصديق) رجل شرطة سابق وزميل لادم اسماعيل، وقد قام بفتح مكاتب ومعارض بجميع انحاء المدينة في الاسواق والطرق الرئيسية والاحياء السكنية، واصبحت هذه المعارض كخلايا النحل مزدحمة بالعربات والمواتر والمواد الاستهلاكية وغير الاستهلاكية والثلاجات واثاثات المنازل القديمة وكل مايخطر على بال، وظهرت لاول مرة بمدينة الفاشر سيارة (الهمر) التي اثارت الدهشة على الرغم من ان العالمين بالسيارات نسبوها الى الصناعة الصينية، بدأت هذه المعارض في استلام الاموال الحية من الناس، واصبح النساء ياتين بالذهب واثاثات المنازل القديمة وغالبا ماتاتي النساء الى السوق دون علم ازواجهم، رهن بعض الناس منازلهم التي يسكنون فيها الى البنوك مقابل قرض حتى يدخلوا سوق المواسير والبعض الاخر باع منزله مباشرة ورحل الى مكان اخر، كذلك اصبح السماسرة يلاحقون الناس ذوي الدخل المرتفع كالاطباء والمهندسين وغيرهم ويصلونهم في اماكنهم، حيث يعرضون عليك (موتر) بسعر (3مليون)، عند شرائك للموتر يعرضون عليك شيك بمبلغ (6مليون) في نفس الوقت وياخذون معهم الموتر الذي جاءوا به ويتركون معك الشيك، هذا الامر استهدف النساء من اصحاب المهن السابقة اكثر من الرجال.

المشهد السادس:
انطلاق الدورة المدرسية القومية بالفاشر ادى الى اكساب الرجلين (ادم اسماعيل وموسى الصديق) صفة رجل البر والاحسان وظهورهم رسميا على الساحة السياسية بالمدينة بدعمهم السخي غير المحدود للدورة المدرسية بالعربات الفخمة والاموال الطائلة والقوى البشرية، وصارت عرباتهم تجوب الطرقات مكتوب عليها (مساهمة رجل البر والاحسان ادم اسماعيل للدورة المدرسية) حيث قدمت هذه المساعدة لوالي الولاية امام منزله بحضور حشد من معاونيه وسط الهتافات والتكبيرات، وقد منح الوالي صفة رجال البر والاحسان ووصف السوق (بالرحمة للناس)، ايضاً قام الوالي بزيارتهم في مكاتبهم وشكرهم للدعم السخي الذي قدموه للولاية والتعليم وتمت اذاعة هذه الزيارة في نشرة الاخبار الرئيسية لوسائل الاعلام بالولاية.

اصبح ادم اسماعيل وموسى الصديق ينادون بلقب (الشيخ) وسط معاونيهم والمتعاملين معهم، وصار الناس يتناقلون مواقفهم من كرم وجود وانبساط اياديهم، وصاروا قبلة للانظار بل اصبحوا بمنزلة ليلة القدر لكثير من الناس وبداء الناس يترصدون اماكن تواجدهم عسى وان يلتقون بهم فيتغير حالهم من فقر الى غنى كما حدث مع كثيرين.

المشهد السابع

اصبح السائقين والكمنسجية واصحاب السوابق الجنائية وبعض افراد الاجهزة الامنية من الاثرياء، يمتطون العربات الفارهة ويلبسون فاخر الثياب ويتناولون اشهى الماكولات والمشروبات في منتزه فاخر جميل يقع غرب مدينة الفاشر، حيث الوجبة الواحدة تكلف مئات الالاف من الجنيهات، وكان هذا المنتزه في السابق يرتاده الاجانب التابعين لليونميد والمنظمات الاجنبية وبعض موظفي الدولة التماسيح وكبار ضباط القوات النظامية ومن فتح الله عليه بقضاء امسية واحدة من العاشقين والمغامرين، وبداء هؤلاء الناس في بناء المنازل الفخمة التي انتشرت في انحاء المدينة وجلبوا لمنازلهم احدث ماتوصلت اليه التكنلوجيا، وبلغت ارصدتهم مئات الملايين من الجنيهات بل عشرات المليارات عند اخرين، وتزوج بعضهم من اجمل الفتيات ذوات الحسب والنسب، وصاروا اسطورة تمشي بين الناس.

ظهر وجه قبيح اخر لهولاء الشباب تمثل في الفساد الاخلاقي الذي انتشر في المدينة واغرائهم لكثير من الفتيات وطالبات الجامعة لممارسة الرذيلة مقابل ملايين الجنيهات نقدا او بشيك، وساعد في ذلك عرباتهم المظللة بدون لوحات والمتشابهة جدا التي تجوب الشوارع بلا حسيب او رقيب.

المشهد الثامن:
فتن الناس وصار حديث المدينة يدور حول اصحاب النعمة ذوي المال والجاه بسوق المواسير فتسابق الناس للدخول في السوق نساءا ورجالا شيبا وشبابا بجميع مشاربهم ومستوياتهم التعليمية والمهنية والاجتماعية الا من رحم ربي، وجاء الناس من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، الكل ينشد الثراء الذي ظهر في فترة وجيزة على سفهاء القوم.
بداء القلق يتملك العقلاء واصحاب التقى والدين، وانبرى رجل دين يدعى (عبدالله موسى يعقوب) وهو استاذ ومحاضر بجامعة الفاشر حاصل على الدكتوراة في العقيدة، يلقي محاضرات بجامع (السلطان علي دينار) بالقرب من منزل الوالي
انبرى هذا الشيخ للدفاع عن الدين والعقيدة وافتى بحرمة هذا السوق ردا عل اسئلة الناس بصوت عال مسموع للكل بما فيهم والي الولاية الذي يسكن جوار المسجد.

ووضح للناس التعاملات الربوية التي تجري في السوق، وناشد اولي الامر لوقف السوق ودعا المواطنين الى الابتعاد عن هذا السوق ووعدهم بحرب من الله ورسوله ان لم يتركوا هذا الامر ويتوبوا الى الله مع انفاق كل الاموال التي كسبت من هذا السوق وابقاء راس المال فقط.
لكن الحكومة صمتت ولم تحرك ساكنا، واصبح كثير من المتعاملين مع السوق يثيرون الشكوك حول نزاهة الشيخ (عبدالله موسى) الذي لم تعجبهم مواقفه تجاه السوق.

ظهر ايضا رجل درويش يحمل في يده مكبر صوت وصار يجوب الاسواق محذرا الناس من التعامل بالربا وحرمة السوق، فتم اختطافه وضربه من قبل مجهولين ونشر الامر في جريدة راي الشعب، تحدث عن الامر ايضا عدد اخر محدود من رجال الدين حول حرمة هذا السوق.

اما الاغلبية، منهم من صمت ومنهم من افتى فتوى متذبذبة غير واضحة فسرها الناس لصالح السوق، ولكن الشيخ عبدالخير كان واضحاً في مباركته ومشاركته لهذا السوق بل واصبح سمسارا فيه، تحدث الناس مؤخراً عن انسحاب الشيخ عبدالخير من السوق واعلان براءته منه.

المشهد التاسع:

جاءت الانتخابات وتم ترشيح الرجلين (ادم اسماعيل وموسى الصديق) للمجلس الولائي في الدوائر الجغرافية الجنوبية لمدينة الفاشر من قبل حزب المؤتمر الوطني، وبدأت صورهم تظهر على العربات وفي الاماكن العامة والطرقات الرئيسية تتقدمهم صورة رئيس الجمهورية ووالي الولاية ثم ادم اسماعيل او موسى الصديق، دهش الناس لهذا الامر المفاجئ على الرغم من ثقتهم المطلقة بفوز الرجلين فوزا كاسحا نسبة للاموال الضخمة التي يمتلكونها وظهورهم برمز الشجرة وما ادراك ماالشجرة، دار حديث في المقاهي والاسواق والمكاتب والاحياء حول هذا الامر الغريب الذي حدث وماهي المعايير التي يتبعها المؤتمر الوطني في ترشيح الناس لتولي امر العباد.

تم تدشين الحملات الانتخابية للرجلين بمسيرات ضخمة جابت شوارع المدينة، وشوهد الشيخ عبدالخير منصور فوق احدى العربات مع السفهاء وصغار القوم وهو يهتف ويصيح لصالح المرشح ادم اسماعيل.

المشهد العاشر:
في الصباح وكالمعتاد ذهب الناس الى البنوك لصرف شيكاتهم الا انهم وجدوا الحسابات اغلقت وتم سحب الاموال من البنوك وذلك قبل شهر من انطلاق عملية الاقتراع، وكان المتوقع والذي يدور بين الناس ان هذا السوق سيتوقف بعد الانتخابات، مما جعل الكثير من الناس يوقتون سحب اموالهم من السوق قبل اسابيع من الانتخابات، لكن المفاجئة التي زلزلت اركان المدينة ان السوق افلس قبل شهر من الانتخابات وكانت مفاجئة حقيقية وعصيبة لكل من في المدينة، صعق الناس واصابهم الغم والهم، كيف لا ومدخراتهم كلها هناك منازل وعربات ذهب ومحاصيل مواشي واثاثات ومواد استهلاكية وكل شئ.

عاد الناس الى المعارض ولم يجدوا شئ سوى الاثاثات القديمة المركونة، اختفت العربات الفارهة والاموال واختفى ادم اسماعيل وموسى الصديق وصاروا لا يظهرون الا وسط مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح خوفا على ارواحهم، ووعدوا الناس باعطائهم حقوقهم بعد الانتخابات، وحلف ادم اسماعيل على المصحف مقسما ان لديه الاموال ولكن السداد بعد الانتخابات وتحديدا في يوم 27/4/2010م وقام بصرف مبلغ مليون جنيه لكل صاحب شيك وخمسمائة الف لكل صاحب ايصال مالي.

image009سرت شائعات في المدينة ان الحكومة جمدت الاموال لضمان كسب اصوات الناس في الانتخابات، الامر الذي ادى الى تصديق الناس للوعد وصبرهم نتيجة للعلاقة القوية التي تربط اصحاب السوق بالحكومة فضلا عن ترشحهم تحت رمز الشجرة.

وتبقى الشجرة رمزاً للأمل..

المشهد الحادي عشر:
اصبح الوضع صعبا جدا يدعوا للشفقة وصار الناس عرضة للابتزاز من قبل الاحزاب السياسية التي اصبحت تلوح باعطاء الناس حقوقهم في حالة فوزها.

جاء الترابي الى الفاشر وتحدث عن سوق المواسير في ندوة كبيرة وحرمه ووصفه بالربا ونسبه الى المؤتمر الوطني، وقال للناس ان الربا جاءكم من قمة السلطة في البلاد، ثم تحدث عبدالله دينق نيال ووعد المواطنين باسترداد اموالهم في حال فوزه.

سلكت الاحزاب الاخرى ذات الطريق وصارت حقوق الناس في مقدمة الدعاية الانتخابية للمرشحين.

انحصرت المنافسة لمنصب الوالي بين اثنين احدهم والي الولاية (عثمان كبر) والاخر مرشح مستقل يدعى (ابراهيم محمد سليمان) وهو وزير مالية سابق بشمال دارفور ورمزه (الديك)، سيطر المرشح المستقل على الساحة ووقف معه الناس طلبا للتغيير حيث انه ضاق بهم الحال وطال بهم الزمن مع الوالي (عثمان كبر) الذي سيطر على مفاصل الولاية بسياسة العصا والجزرة وابعد رجال الحركة الاسلامية السابقين واستبدلهم بوجوه شبابية جديدة معظمهم من الهتفجية والمطبلين غير المرغوب فيهم لدى الشارع العام واصبح كل من يعترضه مصيره الشارع. وصار سلاحه الفعال قطع الارزاق والتضييق على الناس في معاشهم مما جعل معظم الناس يتبعونه وهم كارهون.

نتيجة لهذه السياسة القذرة التي يتبعها كبر وجد المرشح المستقل نفسه محبوباً لدى الناس وخاصة الشباب الذين تفاعلوا معه وساعدوه في دعايته الانتخابية، وبات الناس يترقبون واليا جديدا يستشرفون معه الديمقراطية الجديدة، ومادروا ان القدر يخبئ لهم شيئا اخر.

اثارت هذه المواقف الرعب لدى (عثمان كبر) وعلم بكره الناس له فخرج عليهم بسلاحه الفتاك وبدأ ممارسة لعبته القديمة القذرة وهي محاربة الناس في معاشهم.

استعان كبر بانهيار سوق المواسير الذي جاء في فترة غريبة، وتحدث للناس في ختام حملته الانتخابية عن التنمية والوعود البراقة التي لم تتحقق طيلة السبع سنوات العجاف التي قضاها والياً للولاية، وفي نهاية الحديث قال لهم في مكر وخبث لا يقل عن دهاء (من صوت للشجرة حقه محفوظ ومن صوت للديك حقه ضائع [آآآآآآآآآيك])، ووصف (ادم اسماعيل وموسى الصديق) بالانقياء الاطهار الابرار، فرح الناس وكبروا وهللوا وتفرقوا في الاحياء منادين بضرورة فوز (عثمان كبر) ضمانا للحقوق، واصبح ألد اعداء كبر متطوعين في حملته الانتخابية، وتراجع الناس عن تاييد المرشح المستقل (ابراهيم محمد سليمان) مجبرين.

المشهد الثاني عشر:
ظهرت نتائج الانتخابات وجاءت لصالح مرشح المؤتمر الوطني (عثمان كبر)، وظهر تخاذل الناس خصوصا في مدينة الفاشر التي تعتبر نتائجها حقيقة بنسبة كبيرة ولم يعطوا اصواتهم للمرشح المستقل (ابراهيم محمد سليمان) كما هو متوقع بل ذهبت لصالح (كبر) مما اثار استياءا واضحا لدى المواطنين الذين كانوا ينشدون التغيير ووئد الحلم.
فرح (كبر) بنتائج الانتخابات والفوز الكاسح الذي فتح العيون المعمشة وفرح معه انصاره ومعاونيه وذبح الذبائح واقام الولائم الاسطورية الضخمة التي شهدها السفهاء والمطبلاتية والدهماء وعدد كبير من سكان المدينة الذين يخافون على انفسهم من سطوت الوالي، وشوهدت (الأبل) وهي تحمل على عربات لاندكروزر عسكرية قادمة من بعض المحليات متجهة الى منزل الوالي في مشهد لاقبل للولاية به.

تلقى (كبر) البيعة من الشعب المنكوب ووعدهم ببيان مهم في صبيحة اليوم الثاني، وكان حتى اواخر الليل مع ابطال المسرحية (ادم اسماعيل وموسى الصديق) في نشوة وانسجام.

ولكن في ذات الليلة حدث تغيير في مجريات المسرحية من قبل المؤلف والمخرج (كبر)، وسرت شائعات ان شجارا وقع بين (كبر) وابطال المسرحية حول التغير المفاجئ للمسرحية، تحدث الناس ايضا عن وصول وزير العدل (عبدالباسط سبدرات) الى الولاية دون معرفة تفاصيل الزيارة التي ستتضح في صبيحة اليوم الثاني.

المشهد الثالث عشر:

في الصباح ترقب الناس البيان الذي حسبوه يوجه لصرف حقوق الناس عبر المعارض المنتشرة في انحاء المدينة، ولكن الرياح اتت بما لم تشتهي السفن.
ضرب الوالي امال وطموحات الشعب عرض الحائط وفجر قنبلة نووية ببيانه الذي بدأه بنفيه القاطع لاي علاقة تربط الحكومة بسوق المواسير وهذه اول مرة يصف الوالي السوق باسمه العام غير الرسمي، ووصف السوق بالمشبوه والربوي واصحابه بالمجرمين واللصوص، ووجه الناس الى فتح بلاغات بنيابة الثراء الحرام، ووجه العلماء وأئمة المساجد لتبيان مخاطر الربا للناس عبر خطب الجمعة وحلقات الدرس، الامر الذي جعل الائمة الذين كانوا صامتين ومواقفهم ضبابية في غاية من الفصاحة والبلاغة والقوة وتنافسوا في ايصال المعلومة للناس بالاحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة وكل ماوجد في السيرة النبوية المطهرة ويشير الى حرمة التعامل بالربا واثاره السالبة والمدمرة على المجتمع.

دهش عقلاء المدينة وصدم عامة الناس ودخلوا في حالات هستيرية عنيفة من هول ماسمعوه، زرف البعض منهم الدموع وبكت بعض النساء واصبح الذهول والتشتت سيد الموقف وصارت الوجوه خالية من التعابير كوجوه الموتى، كيف لا وكل ماعندهم من حصاد السنين اصبح داخل سوق المواسير والسوق اصبح سراب، ولم يتبقى لهم شئ، ليس لديهم حتى مايؤكل لان الشيكات مضى عليها شهر ونصف ولم تصرف.
منهم من باع بيته مباشرة لسوق المواسير ومن رهنه للبنك، واخرين استدانوا من اهلهم، ومن النساء من باعت مجوهراتها دون علم ازواجهم واخريات باعن اثاث منازلهم وازواجهم على سفر.
لم يسلم حتى الاطفال الذين يعملون في غسيل العربات والمهن الهامشية لديهم ايضا اموال داخل سوق المواسير.
المشهد الرابع عشر:
بدأت نيابة الثراء الحرام تنفض الغبار عن مكاتبها وباشرت العمل وتم القبض على (ادم اسماعيل وموسى الصديق) واودعوا السجن كذلك قبض على مدراء المعارض التي بلغت الثمانين معرضا في انحاء الولاية وكل المشتبه بهم، وقامت الشرطة بمداهمة منازلهم وصادرت الاموال والممتلكات والعربات والذهب واشياء اخرى، ووضعت منازلهم والمنازل التابعة للسوق تحت ايدي الشرطة، وتمت ملاحقة العربات التي لدى المواطنين والتي لم تكتمل عمليات بيعها حيث صودرت وتم تجميعها بالشرطة.

هرب بعض المتهمين الى خارج المدينة والبعض الاخر الى خارج السودان واختفى البعض داخل الارض.
العربات الفخمة بدون لوحات التي كانت تجوب الطرقات اصبحت ملاحقة من قبل الشرطة على الطرقات وفي المنازل وتحت الأرض (سبحان الله).
انفض السامر وعاد السمسارة الى مواقعهم، السائقين الى المواصلات والكمنسجية الى محطات المواصلات ورجال الامن الى وحداتهم واللصوص واصحاب السوابق الجنائية والشماسة والسفهاء الى قارعة الطريق.
**** ينزل الســــتار ****

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة, شعر, كتب. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>