الترابي لـ «الراي»: من الخير أن ينصاع البشير إلى «الجنائية» ويجنِّب السودان تبعة رفض مذكرة التوقيف

مقابلة / «أتمتع بنفوذ فكري وأستطيع حل أزمة دارفور خلال ساعات إذا توافرت نية الحكومة… لكن أشك في نياتها»

الخرطوم – من علي مغنية|

في مقره العام في الخرطوم، أطل الزعيم السياسي والمفكر المعارض، حسن الترابي، بحلته البيضاء ليتكلم بصراحة عن رأيه بما يحصل على أرض السودان، مؤكداً أن مكتبه ومنزله «أصبحا تحت المراقبة الدائمة رغم زيارة بعض المسؤولين النافذين له في السر ليقول ان قلوبهم «معي لكن لا حول لهم ولا قوة».
واكد في مقابلة خاصة مع «الراي» ان «من الخير أن ينصاع الرئيس عمر حسن البشير إلى الجنائية الدولية ويذهب للدفاع عن نفسه ويجنب البلد تبعة رفض مذكرة التوقيف»، موضحا انه «يتمتع بنفوذ فكري ويستطيع حل أزمة دارفور خلال ساعات إذا توفرت نية الحكومة بذلك لكن يشك بنياتها».
وتابع ان «الجنوبيين يخافون الانتخابات ونتائجها، فيأتي حزب آخر إلى الحكم لا يلتزم اتفاق نيفاشا لأنه وقع بين الجنوبيين وبين طرف معين غير منتخب». وقال: «إذا كانت الانتخابات المقبلة نزيهة، فلن يبقى أحد من المسؤولين اليوم في الحكم، لكن للأسف نحن نعلم سلفاً أن الانتخابات المقبلة ستجرى تحت حكم عسكري». واضاف ان «الحكومة تناقض نفسها إذ تعترف بسلطة لاهاي لتحكم في قضية آبيي وترفض ما يخص المحكمة الجنائية».
وفي ما يأتي نص اللقاء:

• لماذا أدخلت إلى السجن ومن ثم أخرجت منه؟
– دخولي إلى السجن ارتبط برأيي بما صدر عن القرار الدولي بحق محاكمة البشير, وطبعاً القضاء الدولي هو خير عندي من العلاقات السياسية الدولية كمجلس الأمن مثلا, لأن هناك حق النقد الذي يفشل القرارات الدولية, وبذلك تكون القرارات الدولية أفضل بكثير من القرارات السياسية, وهناك الكثير من الحكام في العالم طغاة على القضاء, الذي لا يستطيع أن يعمل بحرية واستقلالية، لذلك لا بد من قضاء دولي يستدعي هؤلاء الطغاة من الحكام, أنا كنت متحمساً جداً للقضاء الدولي وكذلك السودانيون, وأخذه إلى المجلس النيابي الذي رفض التوقيع عليه, فقلت علناً انه من الخير أن ينصاع إلى الجنائية ويسلم نفسه ويذهب للدفاع عن نفسه ويجنب البلد تبعة هذا التصرف، وبالتالي يأخذ الحق مجراه, وقد تجد الجنائية أن البشير قد يكون بريئاً, ولما اقترب ميعاد المحكمة أراد البشير أن تكون الساحة السودانية محتكرة لتعبئة واحدة, فكيف يذهب 40 مليون سوداني ضحية فداء لشخص واحد؟ وهذا هو الواقع اليوم, كما أن هذه الأصوات لو خرجت وعبرت عن رأيها داخل أو خارج السودان تقع الكارثة عليهم, وهكذا من الممنوع لفظ اسمي حتى في كتب التاريخ أو الفتاوى.
أما عن إطلاقي فكان مشروطاً, أولاً: ألا أتحدث إلى أحد, وثانياً: لأن المحكمة خرجت الآن, وثالثاً: لأنهم أنهوا الحملات التي يريدونها لتعبئة الجماهير, ورابعاً: عندما ذهبوا إلى قطر للتفاوض مع حركة «العدل والمساواة» لحل قضية دارفور, اكدت قطر لممثلي دولة السودان أنكم تقولون ان حركة العدل والمساواة التي يتزعمها خليل إبراهيم هي الجناح العسكري للترابي, أتأتون الفرع وتتركون الأصل في السجن؟ فالسلام يجب أن يبحث مع الأصل, لذلك أقول لهؤلاء ان محادثات السلام يجب أن تكون مع كل الأطراف السودانية مجتمعة ليتحدثوا ويخرجوا بقراراتهم, وإلا ستكون هذه المحادثات ناقصة, وهذا هو السبب لإطلاقي, مع أنني توقعت أن أمضي وقتاً أطول بكثير في السجن, وقد أحضرت لي الكتب والأوراق للكتابة تكفي لسنوات طويلة, ونحن معتادون في العائلة على أورقة السجن, فزوجتي سجنت وابني دخل السجن وأنا أسجن بين وقت وآخر.

 هل أنت الرئيس المباشر لحركة «العدل والمساواة» في دارفور؟
– كلا, نحن في الحركة الإسلامية الواحدة, وعندما تجلت حركة الإنقاذ كان خليل إبراهيم معنا, وعند بدء الخلاف اختلفنا على الأصول وليس على المواقع, اختلفنا لأنه لا يجب أن تكون مركزية في السودان, بل حرية الشورى, والانتخاب من أدنى مركز مسؤولية إلى أعلاهم من دون أن يكون هناك أي تعيينات لأي مركز, والجدير ذكره أن السودان قارة, كما أننا اتفقنا على لا مركزية وعلى الديموقراطية, وهذا سبب الخلاف, لأن العسكريين لا يؤمنون بالديموقراطية ويسعون إلى حكم تحت آمر واحد, وكذلك اختلفنا على الرقابة على المال العام, ونرى اليوم أن أصحاب السلطة لا يريدون هذه الرقابة, وقد تبدلت أحوالهم المادية فقط لأنهم في السلطة, وهذه هي النقاط التي رفضها أحد قادة الحركة في دارفور خليل إبراهيم الذي قال علناً ان من وضعتموهم في السلطة هم من العسكر وأنتم تريدون الديموقراطية وهؤلاء لا يفهمون هذه اللغة, بل سيستعملون السلاح وليست المشاركة, ولهذا واجهت البندقية بندقية أخرى في دارفور, ونحن نسأل الحكومة، لماذا عقدت اتفاق نيفاشا مع الجنوب ولا تريد عقد اتفاق مع أهل دارفور وهم كلهم مسلمون وعرب؟ نحن نؤيد اللامركزية ولدينا قواعد في دارفور وعليه لدينا علاقة مع الحركات الديموقراطية في السودان.

 هل هذا يعني انك لست الأب الروحي لحركات التمرد في دارفور؟
– كنت مفكر الحركة من الأساس لعمر البشير ونائبه وكثير ممن معهم, طبعاً لست مقدسا لأكون الأب الروحي مثل الكنيسة, لكن إذا قصدت أنني أتمتع بنفوذ فكري فهذا هو الواقع حتما.

• هل تعتقد أنك أتيت بسجانيك؟
– نعم.

• لماذا انقلبوا عليك؟
– في كل الحركات الفكرية والإسلامية والثورية نجد أن المقاتلين ينقلبون على مفكريهم, وأنا ناديت بالديموقراطية لكنهم أرادوا سلطة مطلقة, وتمسكوا بها عندما حصلوا عليها.

 هل ترى كمفكر أن السودان سيكون تحت حكم غير عسكري في وقت قريب وبماذا يطالب متمردو دارفور؟
– طبعا إن الحكم العسكري سينتهي قريباً, وأما بالنسبة لأهل دارفور, فهم يريدون أن يأخذوا من الضرائب التي يدفعونها بأنفسهم ويريدون مشاركة شمال السودان بالحكم لأن كل أعضاء الحكومة هم من الشمال, وهم يريدون نظام شورى ديموقراطي حر ليس في دارفور فقط، لكن في الخرطوم العاصمة, لأنها الأم وفيها تدور المعركة الحقيقية للعدالة والمساواة, في يناير العام 2008 وصل قواتهم إلى العاصمة ولم يحتلوها.
أنا لست دارفوريا ولا شماليا ولا جنوبيا, أنا ولدت شرقاً وتربيت غرباً وشمالاً وجنوباً, وأطالب بالعدل في كل البلاد.

• لكن الحكومة تقول ان أهل دارفور متمثلين في الحكومة؟
– صحيح أن هناك بعض المسؤولين من أهل دارفور، لكنهم معينين من قبل الحاكم وليس منتخبين من الشعب حتى يتمكن الحاكم من السيطرة التامة, وكذلك الأمر بالنسبة للبرلمان اليوم حيث يملك الحزب الحاكم 52 في المئة من النواب المعينين مباشرة من قبله.

• لكن البشير أقر الانتخابات العامة في السنة المقبلة؟
– إذا كانت الانتخابات المقبلة نزيهة، فلن يبقى أحد من المسؤولين اليوم في الحكم غداً, لكن للأسف نحن نعلم سلفا أن الانتخابات المقبلة ستجري تحت حكم العسكري, فالصحافة ليست حرة والندوات الصحافية ليست مباحة, ونعتقد أن الانتخابات ستكون عرضا زائفا تحت هذا النظام الحالي.
• هل هناك من يشاركك اليوم الآراء والأفكار نفسها في الحكومة من وزراء ونواب؟
– نعم، لكن لن أعرض الأسماء, لأن أصل الحكومة السياسي هي الحركة التي دعيت إليها وهم تربوا في داخلها, وقضيتي كانت قضيتهم, ونحن ننظر إلى الإمام كإمام ولكن نراقبه ونراقب تصرفاته وأدائه ونحاسبه إذا أخطئ, فهل هذا الخيار الآن موجود لدى الحكومة الحالية؟

• أنت تصور الحكم اليوم بالديكتاتوري، فلماذا وقع اختيارك على البشير حينها؟
– كان خيار غير صائب, فكلما اقتربنا من السلطان بالديموقراطية ابتعد هو عنها, وكذلك كان الحال نفسه أيام الرئيس السابق جعفر النميري حينما طلب منه إخراج المسلمين وإلا كان سيواجه مصير الرئيس عيدي أمين في أوغندا. جاء الصادق المهدي، وفزنا في الانتخابات وكنا معارضة، لكن صعبة على المهدي المعارضة، فأدخلنا السجن فجاءه الجيش وطلب منه إخراجنا، ففعل وقمنا بالثورة وحصل بعدها الانقلاب العسكري ورحب به كل من حولنا لحبه بالعسكريين، وبعد سنة ونصف السنة تجلى البشير بنياته واحتكاره السلطة ولذلك نحن مع الجنوبيين ومع دارفور ومع الديموقراطية.

• يقال ان الجنوبيين يأخذون ما لهم ويشاركونكم بما لكم, وهناك أصوات مع نيفاشا وضد نيفاشا، ما رأيكم؟
– الجنوبيون يخافون الانتخابات ونتائجها إذا كانت ديموقراطية, فإنها ستأتي بحزب أخر إلى الحكم, ومن الممكن ألا يلتزم اتفاق نيفاشا لأنه وقع بين الجنوبيين وبين الحزب الحاكم، وأي طرف آخر يأتي إلى الحكم ستؤثر سلباً على اتفاق المذكور الذي يلزم الطرفين الحاليين. علما أن الاتفاقات التأسيسية يجب ان تعم الشعب كل الشعب المنتخب وليس أعضاء البرلمان المعينين من قبل الحاكم, وكما ذهب من يمثل لبنان كله إلى قطر, فيجب ان يذهب من يمثل السودان كله إلى قطر, فعندما يذهب ممثل من دارفور إلى قطر لن يعود بالحل المرجو لذلك يجب ان تذهب الحركات من دارفور ومن الجنوب كلها للتفاهم النهائي, وإلا لن يكون هناك حلا شاملا, ونحن نتعاطف مع الجنوب ولدينا قواعد وفروع هناك, ونحن ندعم قضيتهم, لكن يجب أن يتقبلها الشعب كله لتصبح الاتفاقية صلبة ودائمة المفعول.

• ماذا لو قرر الجنوبيون الانفصال؟
– نحن نعمل على الوحدة ونتحدث إليهم ونقول لهم إن الغرب لن يأتي إليكم بأكثر من الطرق والكهرباء ونحن نأتيكم, بالعرب والمشاريع, ونحن لا نميز بين ألوان البشرة وبين سوداني وآخر، والجنوبيون يطمئنون ألينا, لكن يخافون وحذرين من القوى السياسية الأخرى التي لا تحترم العهود, ونقول لهم, كالزواج والتجارة والسياسة والوحدة الوطنية, كلها بالرضى, فإذا أردتم أن تخرجوا من وحدة السودان فهذا شأنكم, لكن لا نتمناه لنا ولكم… نعم إن الحكومة الاتحادية لم تفعل شيئا لتزيدهم ثقة حتى بعد الاتفاقية (نيفاشا), فعقدوا معهم اتفاق على منطقة حدودية آبيي, الغنية بالنفط ومن ثم نقد الاتفاق ليحال إلى محكمة العدل في لاهاي لان الحكومة لن تحصل على ما تريد.
طبعا الحكومة تناقض نفسها، إذ تعترف بسلطة لاهاي لتحكم في قضية آبيي وترفض ما يخص المحكمة الجنائية, ومن المؤكد أن لاهاي ستقر آبيي إلى الجنوبيين سنرى كيف ستتصرف الحكومة.

• هناك أصوات تقول ان من الافضل إعطاء الجنوب استقلاله ومن ثم طرد كل الجنوبيين من العاصمة والشمال وإغلاق الحدود ورائهم؟
– انا استقبل أي سوداني ولا اعترف بهذه الأصوات لان السودان بلد عربي افريقي، ومزيج من الحضارات والعالم انفتح على بعضه ونحن نغلق الباب ورائنا في نفس البلد؟ هذه أفكار خاطئة خصوصا ان كل السودان مسؤول عما يحدث في الجنوب. تركناهم من دون تعليم, عراة, من دون طريق, بل من دون مولد كهرباء ولما جاءوا إلى الخرطوم وجدوا أن العاصمة تتمتع بما لم يروا في حياتهم، وكانت صدمة لهم وهذا لا يمكن ان يستمر, وهذه أيضا هي حال دارفور لان كل المشاريع الإنمائية في السودان تتركز على المناطق التي يأتي منها الرئيس واكثر المسؤولين الحكوميين والتي تقع في شمال السودان, وهذه الحماقة لا يمكن إن تستمر إلى ما لا نهاية, لكن إذا انقلبت سياسة الدولة وتوجهت بتفكير اتحادي، فان الجنوبيين لن ينفصلوا، والا فان الانفصال سيحصل لا محالة من خلال الاستفتاء الجنوبي المتوقع السنة المقبلة.

• هل تستطيع حل قضية دارفور؟
– نعم أستطيع حل أزمة دارفور خلال ساعات إذا توفرت نية الحكومة بذلك, وهذا ما اشك به. هناك خطوات أساسية تتمثل بالنقاط التالية:
1 – انتخاب مجلس تشريعي في كل من الولايات الثلاث (جنوب, غرب وشمال دارفور)، 2 – إبقاء كل المقاتلين في مكانهم وتجهيزهم في شكل نظامي والمحافظة على قواتهم لحراسة دارفور من أي قوة خارجية, والتحسب من غدر الحكومة الديكتاتورية المركزية، 3 – الاتفاق على تمديد الكهرباء وإنشاء المشاريع الإنمائية وتحديد مخصصات من الثروة الاتحادية للمساهمة ببناء إقليم دارفور، 4 – إجراء انتخابات عادلة تسمح بتمثيل أهل دارفور من خلال تصويت الشعب، 5 – إنشاء حكومة انتقالية للإشراف على تنفيذ هذا الإشراف.
إن أهل دارفور هم من المسلمين وعلاقتهم قوية بجيرانهم كمصر وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى, ولديهم أهل وأقارب هناك ويتكلمون اللغة العربية, ويستطيع السودان أن يستفيد منهم من شماله إلى وسط وصولاً إلى جنوبه, كما أن أهل دارفور لن يقبلوا أبدا بسلطة مطلقا لرجل واحد فقط, ولهذا فإن الحل بيد الحكومة اليوم وإلا فإن الأزمة باقية إلى ما الى نهاية, وللأسف لقد تعودنا أن نتصالح مع الجنوب خارج السودان (نيفاشا) ومع الغرب أيضاً خارج السودان (قطر) لأن السودانيين عجزوا عن حل مشاكلهم بأنفسهم.

• هل تعتقد أن السودان يتجه نحو الديموقراطية، أم إنك أنت المتجه نحو السجن مرة أخرى؟
– السودان سيتجه قريباً إلى الديموقراطية، وقريبا جداً وأنا واثق من ذلك, ومن الممكن أن أتجه أنا أيضاً إلى السجن, ولقد تقدم بي العمر وناهزت الـ 77 عاماً, وأمضيت وقتاً طويلاً من عمري في السجن نتيجة مواقفي ومبادئي، ولن أتخلى عنهم اليوم, أما بالنسبة للسودان، فالحرية والديموقراطية آتية آتية ومن الشعب, ولن نبقى وحدنا لوقت طويل.

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.